تساؤلات فرنسية عن دور «فاغنر» الروسية وباريس في مقتل رئيس تشاد

رئيس تشاد إدريس ديبي خلال قمة حول منطقة الساحل في نواكشوط، 30 يونيو 2020، (ا ف ب)

ركزت وسائل إعلام فرنسية على الحديث عن دور مزعوم لمقاتلي «فاغنر» الروس في ليبيا في إصابة الرئيس التشادي الراحل إدريس ديبي برصاصة في الصدر قبل مقتله، كما ذهبت إلى حد التلميح مباشرة بوجود يد لفرنسا أيضا في الحادثة.

وساق موقع «موند أفريك»، الجمعة، شكوكا حول تورط «مرتزقة فاغنر» الموجودين في ليبيا في حادثة مقتل الرئيس التشادي «ما لم يكن الفرنسيون أيضا» وفق زعمه. وعزز الموقع تساؤلاته بمضمون رسالة فريق الخبراء الأمميين المعني بليبيا المنشورة في مارس 2021 بأن المقاومة الوطنية لجبهة الوفاق من أجل التغيير في تشاد بقيادة مهدي علي محمد كانت حاضرة في جنوب ليبيا لحماية المنشآت النفطية.

وأضاف: «إلى جانب عمل المرتزقة السوريين المرتبطين بشرق ليبيا جنبًا إلى جنب مع الشركة العسكرية الخاصة (فاغنر)، يمكن الإشارة إلى ظل هؤلاء في مقتل إدريس ديبي إيتنو، إضافة لحركات التمرد التشادية الأخرى. لذلك يقول التقرير إن روسيا ترى من المناسب دعم قتلة هذا الشريك العسكري لفرنسا في وسط أفريقيا والساحل».

روايات متضاربة حول مقتل الرئيس التشادي 
وتعزز هذه الرواية مجلة «جون أفريك» الفرنسية في عددها الصادر الخميس، حيث استرجعت الساعات الأخيرة من وفاة إدريس ديبي وإصابته بعيار ناري اخترق الصدر ثم الكلية، متوصلة إلى نتيجة، من دون أن يكون الملاحظ طبيبًا أو متخصصًا في علم التشريح، مفادها أنه لاختراق رصاصة الصدر وإصابة الكلية (أسفل الظهر) يتعين أن تطلق على ارتفاع من طائرة.

وتؤكد المجلة أيضًا أن الطيران الفرنسي كان حاضرًا في مسرح العمليات، وهو ما أكده محمد مهدي علي ليلة مقتل ديبي للإذاعة الفرنسية قائلا: «حلق الطيران الفرنسي فوقنا، لديهم كل المعلومات، والتحركات، وطبيعة الأسلحة، وعدد الرجال، وعدد المركبات».

وحددت المجلة ملابسات وفاة الرئيس التشادي انطلاقا من تحاشي الجيشين التشادي والفرنسي الإشارة إلى المقاتلين الروس.

ما هو مصدر إطلاق النار؟
وتدور تساؤلات حول أصل إطلاق النار الذي كان مصدره جويا، وتقول المجلة: «إذا لم تكن متورطة عناصر علي مهدي التي لم يكن لديها وسائل جوية، ولا من عناصر فاغنر التي لم تكن كذلك هناك، فكيف يمكن أن يكون المارشال ديبي قد أصيب بجروح قاتلة أثناء تحركه في سيارة مصفحة؟ وهل نزل من سيارته ما يعني تعرضه للإصابة برصاصة في منطقة هادئة نسبيا خارج أي مواقع للقتال؟ أم أصيب في سيارته برصاصة خاصة قادرة على اختراق درع مركبته؟».

وأبرز نقاط الاستفهام المتداولة، «لماذا ديبي العسكري الوحيد رفيع المستوى في هذا الفريق الذي عاد ميتا إلى إنجامينا؟ إذ يصعب تصديق أن لدى باريس دافعا لقمع حليفها الرئيسي في عملية برخان في منطقة الساحل، ومع ذلك هذه العناصر الواقعية مقلقة للغاية لدرجة أنها تؤدي إلى فرضية أخرى تورط فرنسا في الحادثة».

وتشير المجلة إلى امتلاك فرنسا قاعدة جوية في إنجامينا تحتضن مقر قوة برخان، التي تحشد قرابة 4000 جندي فرنسي للعمل في تشاد والنيجر وبوركينا فاسو وموريتانيا وخصوصا في مالي.

وكان إدريس ديبي قادرا أخيرا على إزعاج فرنسا وسط خشية البعض في باريس من ميل تشاد أكثر من اللازم نحو موسكو، بينما لروسيا موطئ قدم دائم في جمهورية أفريقيا الوسطى والسودان وليبيا ودول أخرى في القارة.

انزعاج فرنسي من التوسع الروسي في تشاد
ويلفت المصدر ذاته إلى ما سماه «انزعاج فرنسي» من التوسع الروسي في أفريقيا، «إذ من الواضح أن العلاقات بين تشاد وروسيا قد تحسنت قليلاً في السنوات الأخيرة على خلفية تقارب موسكو من السلطات التشادية».

في مارس 2018، ذهب وفد من رجال الأعمال الروس إلى إنجامينا، وأعلنوا عن استثمارات بقيمة 7.5 مليار يورو تتعلق بشكل خاص ببناء مطار دولي ومصفاة نفط ومحطة طاقة تعمل بالطاقة الشمسية وإعادة بناء نظام الإمداد بالطاقة.

أما في أكتوبر 2019 ، فذهب ديبي إلى القمة الروسية الأفريقية الأولى التي نُظمت في سوتشي وأعلن أن «دعم روسي حيوي لتعزيز الاستقرار الإقليمي». وفي نوفمبر 2020، بدأت تشاد وروسيا مناقشات حول اتفاقية تعاون قضائي من أجل تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين وتنويعها.

بدورها، تساءلت جريدة «لوبينيون» الفرنسية عن الخطوة المقبلة لباريس في ليبيا ومنطقة الساحل، وإن كانت فشلت في فرض الأمن والتعايش في منطقة خصصت لها الكثير من الموارد المالية والبشرية طوال السنوات الماضية.

وتابعت: «مقتل الرئيس التشادي من قبل جماعة متمردة قادمة من ليبيا يضع سياسة الإليزيه في دول الساحل الأفريقي أمام العديد من التساؤلات».

ولفتت إلى «تحويل المتمردين التشاديين المقربين عملياتهم من ليبيا إلى الحدود مع تشاد بعد مشاركتهم في حرب طرابلس وفشل السلطات الليبية بالشرق في استعادة العاصمة، حيث رفضوا البقاء في الظل وغادروا قاعدة الجفرة العسكرية ليتمركزوا في أقصى الجنوب الليبي حيث تلقوا دعما هناك ومن ثم تمكنوا من الدخول إلى تشاد ومواجهة الرئيس الراحل وجها لوجه».

لماذا لم تتحرك فرنسا؟
وفي ظل ظروف لا تزال غير معروفة، يُزعم أن إدريس ديبي قتل أثناء اشتباك ضد المتمردين وقع على مسافة تقل عن 300 كيلومتر شمال العاصمة إنجامينا. وكان هجوم المتمردين قد بدأ في 11 أبريل الجاري من ليبيا. كما كان زعيم المتمردين محمد مهدي علي، وهو خصم لإدريس ديبي منذ فترة طويلة، يعرف فرنسا جيدا، ولا سيما مدينة رينس حيث كان طالبا في القانون والعلوم السياسية، وينشط في الحزب الاشتراكي في التسعينات.

وتبقى نقطة واحدة عصية على الفهم بالنسبة لـ«لوبينيون» وهي «ماذا فعل الفرنسيون الذين يعرفون جيدا هذا البلد، خصوصا أنه في فبراير 2019 دمرت غارة لسلاح الجو الفرنسي رتلًا للمتمردين تابعًا لحركة أخرى هي اتحاد قوى المقاومة قادماً من ليبيا باتجاه تشاد لتهديد سلطة إدريس ديبي».

لكن هذا العام، لا شيء. ويبدو أن السلطات الفرنسية فوجئت مرة أخرى بالأحداث، كما حدث مع الانقلاب العسكري في مالي في أغسطس العام 2020، أو فشل السيطرة على طرابلس في ليبيا أو من خلال محاولة الانقلاب في بانغي في ديسمبر العام 2013، التي أجبرت باريس على تدخل جديد ضمن عملية «سانغاريس»، حسبما تختتم المجلة.

المزيد من بوابة الوسط