من الانتخابات إلى السلاح.. وقف إطلاق النار في ميزان الخبراء

رئيس مجلس النواب عقيلة صالح ورئيس المجلس الرئاسي فائز السراج، (أرشيفية: بوابة الوسط)

قوبل إعلان وقف إطلاق النار في ليبيا وتنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية بكثير من الأمل والحذر، بين من يشدد على ضرورة تهيئة مناخ الاستقرار السياسي أولا قبل الذهاب إلى المواعيد الانتخابية، ومن يشير إلى «نقاط استفهام» في المنطقة منزوعة السلاح، كل ذلك أمام التزام روسيا وتركيا الصمت حرصا على احتفاظ كل منهما بمناطق نفوذهما.

تأتي التصريحات المفاجئة لرئيس المجلس الرئاسي، فائز السراج، ورئيس مجلس النواب، عقيلة صالح، حول الوقف الفوري لأعمال العنف بعد عدة زيارات قام بها مسؤولون أجانب وهي الأحدث في سلسلة من الاتفاقات والالتزامات المعلنة في السنوات الأخيرة، بهدف إخراج البلاد من الفوضى، لكنها ظلت حبرا على ورق، وعلاوة على ذلك فإن الاقتراحات الجديدة للخصمين الليبيين ليست متطابقة مثلما يقول خبراء.

وفي سياق فرص صمود اتفاق وقف إطلاق النار بين السلطات المتنافسة، يعود الخبير في شؤون ليبيا في المعهد الهولندي للعلاقات الدولية، جليل حرشاوي، إلى شهر يونيو، حين تصاعد التوتر بشكل حاد في وسط وشرق ليبيا، إذ كانت حكومة طرابلس وتركيا الداعمة لها مبتهجة، بعد استعادة العاصمة وانسحاب قوات الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير حفتر من طرابلس. فرأت قوات الوفاق الوطني نفسها تحتل مدينة سرت التي تفتح الطريق أمام الهلال النفطي وبالتالي تسيطر على البلاد.

للاطلاع على العدد الجديد من جريدة «الوسط» اضغط هنا

ومن أجل منع الاستيلاء على هذه المدينة الرئيسية نفذت روسيا بمساعدة الإمارات عملية ردع واسعة، من خلال نشر وسائل عسكرية ضخمة. بدوره أعلن الرئيس المصري، عبدالفتاح السيسي، في 20 يونيو استعداده لإرسال قوات لدعم جيش التحرير الوطني.

ووفق الباحث حرشاوي في مقابلة مع جريدة «لاكروا» الفرنسية، الإثنين، بدأ في الأثناء نشاط دبلوماسي مكثف يعمل على إبطاء هذه الديناميكية في الأسابيع الأخيرة، حيث يعتبر دعم القاهرة وقف إطلاق النار المعلن في 21 أغسطس من أبرز الأنباء، وهذا يسمح لمصر -التي ركزت في البداية على صراعها مع إثيوبيا- بالتخلي عن التدخل الرسمي مع الحفاظ على صورتها. أما الولايات المتحدة فقد كانت نشطة أيضا على الجبهة الدبلوماسية، فيما التزمت روسيا وتركيا الصمت حرصا على احتفاظ كل منهما بمناطق نفوذه، لذلك يرجح الخبير إمكانية فشل مبادرة السلام هذه مثل غيرها من المبادرات، ولكن هناك إمكانية على الرغم من كل شيء لبدء عملية تسوية.

وبعدما وصفت «لاكروا» المشير حفتر بـ«رجل شرق ليبيا القوي» تساءلت إن خرج من اللعبة، ولم ينف الباحث في المعهد الهولندي للعلاقات الدولية الرغبة المشتركة في موسكو والقاهرة، لتهميش دور المشير، إذ لم تدخر روسيا ومصر جهدا لإبقائه صامتا وغير قادر على القيام بمبادرات سياسية وعسكرية، وفق تعبيره، لتجعل من رئيس مجلس النواب عقيلة صالح محاورا لحكومة الوفاق الوطني.

ويوضح حرشاوي أن البيانين الصحفيين ليسا متقاربين، لا سيما فيما يتعلق بصعوبة نزع السلاح من سرت، لكن الفكرة المجنونة لإجراء انتخابات رئاسية، التي دافعت عنها فرنسا، مثيرة للانقسام إلى حد بعيد، ودون أساس دستوري، وتم التخلي عنها لصالح انتخابات تشريعية أكثر معقولية.

وبالنسبة إلى الخبير الجزائري، أرسلان الشيخاوي، الرئيس التنفيذي لمركز الاستشارات والدراسات فإن اتفاق وقف إطلاق النار هو «مبادرة جديرة بالثناء، لكنها لا تزال هشة، لأن التناقضات بدأت تظهر بالفعل».

إجراء الانتخابات غير ممكن
ويوضح الشيخاوي لجريدة «ليكسبرسيون» أن إجراء الانتخابات على المدى القصير «لن يكون ممكنا إلا إذا سمحت ظروف الاستقرار بذلك»، وهي حالة شهدتها ليبيا في ختام قمة باريس حول ليبيا العام 2018، التي اتفق فيها فائز السراج وحفتر على إجراء انتخابات في ديسمبر من العام نفسه، ولكن «الخصمين لم يفيا بالالتزامات»، وبدلا من استقرار المناخ السياسي لإجراء الانتخابات وجدت ليبيا نفسها متورطة منذ الربع الأول من العام 2019 في أزمة مسلحة بين المعسكرين المتنافسين في ليبيا.

يشار إلى أنه بعد ثلاثة أيام من الهدنة المعلنة تعرضت إلى الانتهاك في أعقاب نشوب مواجهات مسلحة ضد متظاهرين غرب ليبيا، تلاها إعلان الجيش الوطني الليبي رفضه مقترح السراج. ويشير الشيخاوي، المتشكك في اتفاق وقف إطلاق النار، إلى أنه حتى الآن «لا يوجد اتفاق أمني موقع عليه». أما بالنسبة للاتفاق السياسي «الأمر ذاته، فالليبيون يذهبون إلى حد الشك في إمكانية تنظيم انتخابات في بلادهم»، حسب قوله.

ويشير إلى أنه حتى الآن لم تستجب أطراف النزاع لجميع نداءات المجتمع الدولي من أجل السلام، مؤكدا أن «الجهود الدبلوماسية من أجل عملية حوار سياسي شامل ومصالحة قد قوضتها العلاقات المتداخلة للقوى والمصالح الإستراتيجية والتكتيكية للفاعلين الوطنيين والفاعلين الدوليين».

ويقول الشيخاوي إن الأزمة الليبية «لا يمكن أن تمر عبر عملية مصالحة وتناغم وطني دون حوار شامل مسبق». ومع ذلك، يؤكد الخبير أن «الحل التفاوضي يبدو افتراضيا على المدى القصير، إذا لم يتم حل مشكلة العداء بين الإسلاميين والفاعلين الآخرين». ونقلا عن متخصصين في المسألة الليبية يلفت الخبير إلى أنه «في حالة عدم بدء حوار سياسي شامل قبل إجراء الانتخابات، فإن الأزمة الليبية قد تخاطر بالتقدم نحو (صوملة) البلد المغاربي».

غياب رد الفعل التركي
وعلى الرغم من مرور أيام على اتفاق السراج وعقيلة، فلم يصدر رد فعل تركي عن وقف إطلاق النار، وهي مسالة أثارت اهتمام إذاعة فرنسا الدولية «آر إف إي»، قائلة إن إعلان وقف إطلاق النار أربك حسابات تركيا المتورطة في الصراع، باعتبارها الداعم السياسي والعسكري الرئيسي لحكومة الوفاق، بينما يدعو المراقبون إلى توخي الحذر قبل اتخاذ موقف من الاتفاق، في صفقة يعتقد البعض أن واشنطن هي التي توسطت لإخراجها.

وأشارت إلى مخاوف محتملة لدى تركيا من تأثير هذا الاتفاق على مصالحها شرق البحر المتوسط، حيث كانت تستخدم اتفاقها غير المشروع مع حكومة الوفاق، للسيطرة على موارد الغاز في تلك المنطقة. ورغم ذلك، ترجح الإذاعة الفرنسية أن يدفع فشل الاتفاقات السابقة بين الطرفين تركيا إلى دعم هذا الإعلان الجديد بحذر.

المزيد من بوابة الوسط