إلى أي مدى يمكن لـ«السلم المسلح» الصمود في محوري سرت والجفرة؟.. خبراء يجيبون

وصول تعزيزات عسكرية لقوات حكومة الوفاق قرب سرت, 18 يوليو 2020. (غرفة عمليات تأمين وحماية سرت و الجفرة)

سلط خبراء وجرائد فرنسية الضوء على التوازن العسكري الذي ظهر تدريجيًّا بين المعسكرين المتنافسين في ليبيا على خلفية تردد تركيا في شن هجوم على سرت للوصول إلى الهلال النفطي، في وقت توجه مصر رسائل سياسية إلى الأميركيين من خلال التلويح بدخول قواتها.

وأصبحت سرت «القفل» الاستراتيجي للوصول إلى الهلال النفطي في قلب معركة «شرسة» من أجل النفوذ، وإلى جانب قوات القيادة العامة، فإن القوات شبه العسكرية من مجموعة «فاغنر» الشركة الروسية الخاصة، في الخط الأمامي للمعركة، وذلك وفق تقرير لجريدة «لاكروا» الفرنسية اليوم السبت.

اقرأ أيضًا.. «رويترز»: قوات الوفاق تحرك مقاتلين و200 مركبة باتجاه سرت

ولأكثر من شهر وبدعم من المقاتلين السوريين، تم تحصين مدينة سرت بأنظمة الدفاع الصاروخي، والقناصين مع الاستخدام المكثف للألغام المضادة، في وقت يمكن للطائرات المتمركزة في قاعدة الجفرة الجوية، على بعد 250 كيلومترًا إلى الجنوب، أن تمد يد المساعدة، حسب الجريدة الفرنسية.

ويشرح الباحث في معهد «كلينجندايل» جليل الحرشاوي، للجريدة الفرنسية: «لقد أصبح شن هجوم على سرت قرارًا ثقيلًا للغاية بالنسبة لأنقرة؛ لأن تكلفة العملية أصبحت عالية جدًّا في وقت قامت مجموعة (فاغنر) بمعظم العمل، بدعم مالي ولوجستي من الإمارات العربية المتحدة ، لضمان عدم قدرة قوات حكومة الوفاق بدعم من تركيا على الهجوم».

خيارات أخرى للسيطرة على سرت
وفي الوقت الحالي، تكتفي قوات حكومة الوفاق بتعزيز مواقعها على الخط الأمامي، غرب سرت، بينما تشترط أنقرة انسحاب قوات القيادة العامة لوقف إطلاق النار.

وبرغم التوترات يستمر الحوار بين تركيا وروسيا، يقول الزميل الباحث في أكاديمية «روبرت بوش»، غالب دالاي: «قد تكون أنقرة منفتحة على خيارات أخرى لحكم سرت غير السيطرة الكاملة من قبل قوات حكومة الوفاق. كما يمكن للإدارة المحلية لهذه المناطق أو وجود قوة دولية أن تكون بديلًا للسيطرة الحصرية على المدينة من قبل أحد الطرفين».

اقرأ أيضًا: الرئاسة التركية تشترط العودة إلى وضع العام 2015 لوقف إطلاق النار في ليبيا

وفي هذا السياق، فإن الضوء الأخضر الذي أعطاه النواب المصريون، يوم الإثنين 20 يوليو، لتدخل محتمل في ليبيا يُقصد به أولًا أن يكون رادعًا، حسب جليل الحرشاوي الذي يقول: «يمكن لمصر أن تسيطر على قطع من الأراضي الليبية غرب الحدود المصرية - الليبية لحماية نفسها من التهديد التركي»، محذرًا في ذات الوقت من التكلفة البشرية والمالية للتدخل في سرت لمواجهة هجوم من قبل قوات حكومة الوفاق.

والقاهرة، التي تواجه بالفعل عديد المشكلات من وباء «كورونا المستجد»، والأزمة الاقتصادية، والوضع الحرج في سيناء هي «حذرة»، فيما قد تجد أنقرة صعوبة أكبر في دفع «بيادقها» في معركة حقول النفط في شرق البحر الأبيض المتوسط، إذ كان من المفترض أن يمنح الاتفاق الموقع في نوفمبر 2019 مع حكومة الوفاق إمكانية الوصول إلى منطقة اقتصادية حصرية قبالة الساحل الليبي. لكن هذا المشروع لن يكون مجديًا دون سيطرة الهلال النفطي شرق سرت، حسب خبراء.

توازن عسكري تحت مراقبة دولية
بدورها أفادت جريدة «لوفيغارو» الفرنسية بأن الصراع في ليبيا بات متمحورًا حول مدينة سرت، فعلى الرغم من كل الصعاب لا تزال قوات حكومة الوفاق حتى يومنا هذا متمركزة على بعد ستين كيلومترًا غرب المدينة، «حيث التطورات الميدانية حولها هي محل مراقبة ومتابعة من الروس والأتراك والإماراتيين والمصريين والأميركيين والفرنسيين والإيطاليين والمجتمع الدولي بأسره، لكن لا شيء يتحرك».

اقرأ أيضًا: البرلمان المصري يوافق على «إرسال عناصر قتالية خارج الحدود بالاتجاه الاستراتيجي الغربي»

وعززت القوات التابعة للقيادة العامة، التي تسيطر على حقول النفط وسرت، مواقعها على بعد 30 كيلومترًا غرب المدينة، حيث يتبادل الطرفان إطلاق النار في بعض الأوقات من أجل الحفاظ على حماس الجنود ولا شيء أكثر.

وأضافت «لوفيغارو» أن هذا التوازن العسكري ظهر تدريجيًّا بين المعسكرين المتنافسين، ومن أجل تعزيز التوازن في المعادلة العسكرية، لافتة إلى نقل روسيا عددًا قليلًا من الطائرات الحربية العسكرية من سورية إلى قاعدة الجفرة، أسفل مدينة سرت مباشرة.

وأشارت إلى تمركز مرتزقة «فاغنر» الروسية في منطقة السخنة، بين سرت والجفرة، ولفتت إلى أنه عندما تم قصف قاعدة الوطية الجوية بداية الشهر، حيث كانت تركيا تخطط للتمركز فيها، ردت أنقرة بـ«قصف قوات فاغنر» في منطقة السخنة.

وأوضحت «لوفيغارو» أن الإماراتيين ينشطون في معسكرات القائد العام للجيش، المشير خليفة حفتر، أما بخصوص مصر فبعدما أعلن الرئيس عبدالفتاح السيسي أن سرت «خط أحمر» لا تريد القاهرة تجاوزه حفاظًا على أمنها القومي، وافق البرلمان المصري، الإثنين الماضي، على تدخل مسلح محتمل في ليبيا إذا واصلت قوات حكومة الوفاق تقدمها نحو المدينة.

اقرأ أيضًا: نورلاند يؤكد لعقيلة ضرورة التوصل لحل «تفاوضي» بدءًا بالتهدئة حول سرت والجفرة

واعتبرت الجريدة الفرنسية أن ما وصفته بـ«السلم المسلح غير المستقر» يصمد في الوقت الراهن في ليبيا، ويقوم بشكل أساسي على المفاوضات بين تركيا وروسيا، فيما تتموقع الولايات المتحدة بصفتها الوصي على وحدة حلفائها داخل حلف شمال الأطلسي «ناتو» المنقسم بين تركيا وفرنسا، وإقليميًّا بين تركيا ومصر، التي تعد هي الأخرى دولة مقربة من واشنطن.

رسائل مصر
وركز موقع التلفزيون الفرنسي الحكومي «فرنس تي في» على خلفيات القرار المصري، إذ يرفض المحللون فرضية اندلاع حرب مباشرة في ليبيا، مستبعدين أن تدخل مصر في حرب، معتبرين رسائل السيسي «سياسية أكثر منها عسكرية».

ووفقًا لوكالة المخابرات المركزية الأميركية، فإن الجيش المصري واحد من أكبر الجيوش في الشرق الأوسط، ومن المستفيدين الرئيسيين من المساعدات العسكرية الأميركية «1.15 مليار يورو سنويًّا» مخصصة لمحاربة المتطرفين في سيناء.

وعليه، فحسب الباحثة في مركز أبحاث مجموعة الأزمات الدولية، كلوديا جازيني، فإن القاهرة من خلال هذا الموقف تتوخى إرسال تحذير «للأميركيين»، الذين لا يزال موقفهم بشأن هذه المسألة غامضًا، من أجل تحديد التهديد الذي تشكلة على مصر زيادة التواجد التركي في ليبيا. وقد أجرى السيسي في 20 يوليو الجاري قبل وقت قصير من تصويت البرلمان المصري محادثات مع الرئيس الأميركي، دونالد ترامب.

وقال البيت الأبيض في بيان بعد المحادثات الهاتفية «أكد الزعيمان ضرورة وقف التصعيد الفوري في ليبيا بما في ذلك وقف إطلاق النار، والتقدم في المفاوضات الاقتصادية والسياسية». وأكد الناطق باسم الأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، أنه «لا يوجد حل عسكري للأزمة الحالية في ليبيا، وأن «هناك حاجة لوقف فوري لإطلاق النار».