«بلومبيرغ»: تأجيل مراجعة المصرف المركزي يؤجج معركة إقليمية في ليبيا

مصرف ليبيا المركزي في طرابلس. (أرشيفية: الإنترنت)

اعتبر تقرير لوكالة «بلومبيرغ» الأميركية أن تأخر مراجعة حسابات مصرف ليبيا المركزي، وتوقف إنتاج وتصدير النفط، من شأنه أن يؤجج معركة إقليمية في ليبيا التي تشهدًا حربًا بالوكالة منذ أن شن القائد العام للجيش الوطني الليبي، المشير خليفة حفتر، حملة عسكرية لانتزاع السيطرة على العاصمة طرابلس من حكومة الوفاق الوطني، مطلع أبريل 2019.

وتوقف إنتاج وتصدير النفط من ليبيا في يناير الماضي، لكن المؤسسة الوطنية للنفط رفعت حالة «القوة القاهرة» عن ميناء السدرة يوم الجمعة لتصدير شحنة من الخام.

ويوم السبت الماضي، قال الناطق باسم القيادة العامة اللواء أحمد المسماري، إن الإغلاق سيستمر حتى تتم تلبية قائمة الطلبات، التي من أهمها مراجعة حسابات المصرف المركزي، المتهم باختلاس الأموال والمساهمة في التوزيع غير المتكافئ للإيرادات.

وأعلنت المؤسسة الوطنية للنفط قبل أسبوعين، أنها تجري مفاوضات برعاية بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا مع بعض الدول الإقليمية والدولية لاستئناف إنتاج وتصدير النفط، إلا أنها اتهمت أمس الأحد، الإمارات بأنها أعطت أوامر للقيادة العامة لإقفال النفط، وهو ما نفته أبوظبي، اليوم الإثنين.

مراجعة حسابات المصرف المركزي لم تكن أحد شروط حفتر
ونقلت «بلومبيرغ» عن دبلوماسيين غربيين وعرب شاركوا في المفاوضات لرفع الحصار النفطي قولهم: «إن مراجعة حسابات المصرف المركزي هي تطور جديد لم يكن في الأصل أحد شروط حفتر. لكنه يؤكد كيف أن الحرب التي شنها حفتر ظاهريًّا لمحاربة الإرهاب في أبريل 2019 ، التي اجتذبت التدخل العسكري لتركيا والإمارات والمرتزقة الروس المرتبطين بالدولة، كانت طوال الوقت تدور حول السيطرة على ثروة البلاد - مليارات الدولارات من عائدات النفط السنوية التي تنتهي إلى المصرف المركزي».

وبعد يومين من إعلان الولايات المتحدة ترحيبها باستئناف الإنتاج النفطي في ليبيا يوم الجمعة الماضي، وإنهاء الحصار المفروض على القطاع منذ أكثر من ستة أشهر، عادت أمس الأحد، وأعربت عن انزعاجها من التدخل الأجنبي ضد الاقتصاد الليبي.

وقال دبلوماسيون تحدثوا إلى «بلومبيرغ» إن تعثر المفاوضات بشأن استئناف الإنتاج النفطي في ليبيا «يمكن أن يوفر ذريعة لتركيا لدعم هجوم تشنه حكومة الوفاق الوطني في طرابلس على شرق ليبيا وحقولها النفطية وموانئها».

وهددت مصر المجاورة لليبيا وتدعم حفتر، إلى جانب روسيا والإمارات، بإرسال قواتها العسكرية إذا هاجمت تركيا، حسبما أعلنه الرئيس المصري عبدالفتاح السياسي الذي كان يتحدث عن ذلك من قاعدة عسكرية قرب الحدود مع ليبيا.

«اتفاق نادر» بين حفتر وحكومة الوفاق
وأشارت «بلومبيرغ» إلى أن المطالبة بمراجعة الحسابات لدى المصرف المركزي هي «اتفاق نادر» بين حفتر ومعارضيه في حكومة الوفاق الوطني والمجتمع الدولي «الذين يتهمون محافظ المصرف المركزي الصديق الكبير بإعاقتها، وهي اتهامات نفاها الكبير والمصرف المركزي مرارًا وتكرارًا»، وفق الوكالة الأميركية.

وتأجلت عملية المراجعة للمصرف المركزي التي كانت ستجريها شركة «ديلويت» البريطانية وكانت مقررة في البداية العام 2018، وقال مسؤولون لـ«بلومبيرغ» إن بعض الدول الأوروبية أثارت احتمال فرض عقوبات ضد الكبير».

واتهم الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس، في كلمته إلى مجلس الأمن، الأربعاء الماضي، «مسؤولين محليين» لم يسمهم بعرقلة التقدم في عملية مراجعة المصرف المركزي، مؤكدًا ضرورة تنفيذ هذا الإجراء. كما دانت الولايات المتحدة ما وصفته بـ«العرقلة غير القانونية للتدقيق الذي طال انتظاره للقطاع المصرفي».

وقال دبلوماسي غربي بارز لـ«بلومبيرغ» إن «هناك مناقشات غير رسمية في العواصم الأوروبية حول ما إذا كان سيعاقب الكبير إذا لم تتم المراجعة، على أساس أن التأجيل يؤجج الصراع».

ولفتت «بلومبيرغ» إلى أنه سبق لرئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني، فائز السراج، أن طالب في البداية بمراجعة الحسابات. لأن «سيطرة الكبير على خطابات الاعتماد الصادرة لرجال الأعمال لاستيراد السلع تجعل من الصعب على السراج وحكومته تخطيط السياسة الاقتصادية».

وأضافت أن السراج يسعى لإطاحة الكبير من خلال اجتماع لمجلس إدارة المصرف المركزي، لكن انقسام المصرف بين الشرق والغرب، حال دون اجتماع أعضاء مجلس الإدارة، تاركًا الكبير المسؤول.

مراجعة حسابات المصرف المركزي مطلب مشترك
وقال خبير ليبيا بالمركز الألماني للشؤون الدولية والأمنية، ولفرام لاخشر، إن «الكبير لديه سيطرة حصرية إلى حد كبير على خزائن الدولة، وكان شريكًا إشكاليًّا للغاية للجميع».

وذكر المفوض بوزارة الداخلية في حكومة الوفاق الوطني، فتحي باشاغا، أن المطلب المشترك لحفتر ولقوى الغربية «هو إخضاع ميليشيات قوية في طرابلس استفادت من سوق عمل موازية»، معتبرًا أن ذلك «يتوقف أيضًا جزئيًّا على إصلاح المصرف المركزي».

ورأى باشاغا أنه «إذا كانت هناك إصلاحات في المصرف المركزي وإصلاحات اقتصادية ورفع دعم الوقود، وكان هناك سعر صرف واحد، فلن تتمكن هذه الميليشيات من استغلال السوق الموازية».

وأصدر المصرف المركزي بيانًا الأسبوع الماضي نفى فيه أنه أوقف عملية التدقيق. وأشارت «بلومبيرغ» إلى أن الكبير أرسل بصورة خاصة رسالة إلى مبعوثة الأمم المتحدة بالإنابة، ستيفاني ويليامز، وسفراء غربيين نفى فيها مسؤوليته عن تأخر عملية المراجعة.

وقالت «بلومبير» إنها اطلعت على رسالة يوم 7 يوليو الجاري اعترف فيها الكبير بأنه أرسل «شيك إلى وزارة المالية بقيمة 4.8 مليون دولار بهدف دفع تكاليف المراجعة إلى مكتب التدقيق الليبي للمراجعة».

الكبير يحذر من استخدام المصرف المركزي كورقة مساومة
وقال ثلاثة مسؤولين غربيين: «إن المراجعة غير ضرورية بموجب اللوائح وكان الغرض منها إحداث تأخيرات، خاصة بعد صدور حكم قانوني ليبي يدعم المراجعة». فيما اتهمت ويليامز ديوان المحاسبة في طرابلس في أبريل الماضي بعرقلة العملية.

وقال مسؤول في مصرف ليبيا المركزي لـ«بلومبيرغ» إن الكبير يرحب دائمًا بمراجعة الحسابات، وقال الكبير في مقابلة في ديسمبر 2019 إنه «سيكون على استعداد للتنحي إذا تم استيفاء المتطلبات القانونية، لكنه حذر من استخدام المصرف المركزي كورقة مساومة سياسية» وفق الوكالة الأميركية.

وقالت «بلومبيرغ» إن المؤسسة الوطنية للنفط، «اقترحت بدعم من بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا والولايات المتحدة، وضع جمع الإيرادات في حساب وتجميدها لمدة أربعة أشهر إلى حين وضع آلية لتوزيع النفط».

وقال دبلوماسيون مشاركون في المفاوضات «إن حفتر وأنصاره أرادوا اتفاقًا بشأن تقسيم الأموال الآن. بعد مكالمات بين المسؤولين الأميركيين وحفتر، ومحادثات رفيعة المستوى بين الولايات المتحدة والإمارات العربية المتحدة، بدا أن حفتر وأنصاره استسلموا، وأُبلغت المؤسسة الوطنية للنفط أن بإمكانها رفع القوة القاهرة على الصعيد الوطني».

لكن المؤسسة الوطنية للنفط اضطرت إلى إعادة فرض القوة القاهرة بعد ذلك بيومين بعد إعلان الجيش الوطني الليبي أن الحصار سيستمر.

وألقت السفارة الأميركية في ليبيا، باللوم على «العواصم الأجنبية» في إعلان هذه الخطوة من جانب الجيش الوطني، وحذرت في بيان أمس الأحد، من فرض عقوبات على «أولئك الذين يقوضون اقتصاد ليبيا ويتشبثون بالتصعيد العسكري»، في إشارة واضحة إلى كل من حفتر ومسؤولي طرابلس الذين أوقفوا مراجعة الحسابات، بحسب «بلومبيرغ».