جريدة الوسط: تسريبات عن خيار «القبعات الزرق» في ليبيا

لقاء وزير الخارجية التركي تشاووش أوغلو وممثل السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل في أنقرة، 8 يوليو 2020، (الإنترنت)

فوجئ متابعو الشأن الليبي بخبر تعرض قاعدة الوطية جنوب غرب طرابلس إلى قصف من قبل طائرات «مجهولة»، فيما يبدو أنها رسالة جاءت بعد أقل من 24 ساعة على انتهاء زيارة وزير الدفاع التركي لطرابلس ومصراتة، وما سبقه من كلام عن عزم الأتراك الوجود في هذه القاعدة الاستراتيجية، بعد السيطرة عليها من قبل قوات حكومة الوفاق المدعومة من تركيا في 18 مايو الماضي. وكان طبيعيا أن يثير هذا التطور الميداني المخاوف من تصعيد عسكري يبدد بعض الآمال المعلقة على الحل السياسي، لا سيما أن جبهات الحرب قد سكتت منذ أسابيع، وأعقبها الحديث عن فشل الحل العسكري، وضرورة تبني الحل السياسي، ووسط كل هذا تخرج بعض التسريبات التي تتحدث عن احتمال اللجوء إلى خيار القبعات الزرق.

كل هذا يأتي في وقت يراوح فيه الموقف الدولي والإقليمي، دون تحقيق أي اختراق إيجابي لحالة الجمود السياسي، وبدا أن العامل التركي كان المشترك في كل ذلك، فالاتحاد الأوروبي يخفق في تجاوز خلافاته العميقة مع تركيا، في وقت تثير حكومة الوفاق تحولا لدى مواقف دول الجوار ما يعمق الانقسام الإقليمي حول الأزمة. في حين تتسع مساحة الأبعاد الاقتصادية للصراع مع دخول دول بشرق البحر المتوسط في سباق مع الزمن لتجديد اتفاقات ترسيم الحدود البحرية، لقطع الطريق أمام إعلان تركيا نيتها التنقيب عن النفط قبالة السواحل الليبية المقررة في غضون ثلاثة أشهر، في وقت أوكل مجلس النواب لخبراء تحديد المناطق البحرية مع اليونان.

وفي ضوء تسارع وتيرة زيارات الوفود الرسمية التركية إلى طرابلس، التي كانت أرفعها جولة وزير الدفاع خلوصي أكار، ورئيس أركان الجيش يشار غولر، اختار «طيران مجهول» تنفيذ تسع ضربات على قاعد الوطية، اعتبرت ردا سريعا على زيارة الذراع اليمنى للرئيس التركي رجب طيب إردوغان إلى ليبيا، وبعد ساعات فقط من تركيب تجهيزات أنظمة جوية، حيث كان يأمل بالاستقرار بشكل دائم في القاعدة الجوية الكائنة على بعد 27 كم من الحدود التونسية، وأيضا في القاعدة البحرية في مصراتة، وهي الخطط التي حظيت بمناقشات مستفيضة مع رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج.

اضغط هنا للاطلاع على العدد 242 من جريدة «الوسط»

وفي أعقاب الصدمة من الضربة الجوية على القاعدة، قال مسؤول في وزارة الدفاع التركية إنها «ستعزز حالة عدم الاستقرار، وستزيد من وتيرة الاشتباكات»، مذكرا بأن القاعدة تتعرض لأول مرة للقصف، منذ أن أحكمت قوات حكومة الوفاق الوطني السيطرة عليها، معترفا بأن الهجوم تسبب بتعطل بعض الأنظمة فيها.

ولا يزال الغموض يلف هوية تلك الطائرات، إذ قالت قوات حكومة الوفاق على لسان الناطق باسم الإعلام الحربي التابع لعملية «بركان الغضب» عبدالمالك المدني، إن الطائرات الأجنبية التي أغارت على الوطية ودمرت الدفاعات الجوية التركية، تملكها الإمارات، وهي من نوع ميراج «2000–9»، فيما اعتقدت مصادر أخرى أن طائرات من طراز «رافال» الفرنسية وراء الحادث، يأتي ذلك بعد اتهام الولايات المتحدة روسيا بنقل مقاتلات مطموسة الهوية إلى قوات الجيش الوطني الليبي من قاعدة حميميم الجوية في سورية، رافضا نائب وزير الخارجية الروسي، ميخائيل بوغدانوف، تلك التصريحات، ووصفها بأنها شائعات، في وقت سابق.

وعلى الجبهة الدبلوماسية أخفقت زيارة مسؤول الشؤون الخارجية بالاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، لتركيا في تبديد حدة التوتر بينه وعدد من أعضائه، وأكد دبلوماسيون ومسؤولون في بروكسل أن تركيا تعرقل مساعي الاتحاد لتأمين مساعدة حلف شمال الأطلسي لعملية الاتحاد الأوروبي في البحر المتوسط «إيريني»، الرامية لفرض حظر أسلحة أممي على ليبيا.

ودعا الممثل الأعلى للسياسة الخارجية والأمنية في الاتحاد الأوروبي للتوصل إلى وقف للنار بين الأطراف الليبية، واستئناف المحادثات العسكرية «5+5»، كما اعتبر أن الاتحاد يواجه مسار «أستانا» جديدا بين روسيا وتركيا في ليبيا هذه المرة، حيث تشتركان في المصالح، وفق تعبيره.

اضغط هنا للاطلاع على العدد 242 من جريدة «الوسط»

بدورها لمحت فرنسا إلى إمكانية اتفاق دول الاتحاد الأوروبي على فرض عقوبات على أنقرة خلال الاجتماع المقرر يوم 13 يوليو المقبل في بروكسل، على خلفية خطط التنقيب عن الغاز بشرق المتوسط، وبعد توتر العلاقات بين بعض أعضاء «ناتو» بسبب ليبيا، إذ اتهمت تركيا فرنسا بدعم قوات حفتر، ونفت باريس ذلك واتهمت سفنا حربية تركية بممارسة سلوك عدواني في حادثة وقعت في العاشر من يونيو، عندما حاولت فرقاطة فرنسية، تحت قيادة الحلف، تفتيش سفينة شحن يشتبه في تهريبها أسلحة إلى ليبيا بما ينتهك حظرا فرضته الأمم المتحدة.

أما نائب وزير الخارجية الروسي، سيرغي فيرشينين، فقد وصف الوضع على الأرض في ليبيا بالمعقد والمربك، وأضاف، كما نقلت عنه وسائل إعلام روسية: «نعتقد أنه من الضروري زيادة فعالية مهمة الأمم المتحدة»، فيما نشرت جريدة «تاغس تسايتونغ» الألمانية تقريرا، أشار فيه أحد موظفي بعثة الأمم المتحدة في ليبيا، التي تتخذ من تونس مقرا لها، إلى خطط لإرسال مراقبين للأمم المتحدة.

وأبرز الأطراف الدولية التي تعمل على ذلك ما ذكره رئيس لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الألماني، نوربرت روتغن، الذي ينتمي لحزب المستشارة أنغيلا ميركل، أن عملية تقودها القبعات الزرق تحت علم الأمم المتحدة أو الاتحاد الأوروبي من شأنها إخماد الحرب الأهلية في ليبيا. ليس هذا فحسب، بل يطالب بأن يكون الجيش الألماني مستعدا للمشاركة في مثل هذه المهمة. ويضيف روتغن أن قوات حفظ السلام قد تؤسس لـ«منطقة منزوعة السلاح» بين المناطق التي تسيطر عليها حكومة الوفاق وبين مناطق قوات القيادة العامة.

وبينما يستمر شغور منصب مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا بسبب عراقيل أميركية، ألقى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس بثقله في الأزمة، عبر محادثة هاتفية مع كل من فائز السراج وخليفة حفتر، خلفت انقساما داخل مجلس الأمن الدولي حول الصفة القانونية لهذا الأخير، بعد احتجاج مندوبي عدة دول، الأمر الذي أوضح بخصوصه المتحدث باسم الأمين العام، ستيفان دوغاريك، أن المكالمة جاءت بطلب من حفتر، وأن الأمين العام للأمم المتحدة يقوم بدور الوسيط ويحتاج إلى التحدث إلى الأطراف الناشطة على الأرض، وهذا لا يمنحها أي نوع من الوضع القانوني، ومضى يقول: «إذا كنت ستضع خطة للسلام فيتعين عليك التحدث مع أولئك الذين يشعلون الحرب».

ووسط نذر التصعيد العسكري وسباق الاتفاقات في البحر المتوسط، تتسع مساحة الغموض في المشهد الليبي بأطرافه الداخلية والإقليمية والدولية، يبقى ميزان الأحداث يتأرجح مع كل نذر تصعيد، في انتظار حل يبدو حتى الساعة بعيد المنال.