استطلاع لـ«الوسط» حول تعدد مبادرات حل الأزمة الليبية: الخلل في عدم إشراك الشعب

احتفالات ميدان الشهداء في طرابلس بالذكرى التاسعة لثورة فبراير. (أرشيفية: الإنترنت)

منذ إطاحة نظام العقيد معمر القذافي في فبراير 2011، لم تتوقف المبادرات الدولية والإقليمية المنادية بلم الشمل الليبي، وإقامة حوار يجمع الليبيين تحت مظلة وطن واحد. ألسنة بلغات شتى استمع إليها الليبيون تتحدث عن شؤونهم. مؤتمرات لا يحصى عددها شاهدوها عبر الشاشات تردد اسم بلادهم، غير أنهم لا يزالون يدركون حقيقة واحدة: الأزمة ما زالت قائمة، وكل يغني على مبادرته، وحلوله، ولا جديد.

في السطور التالية، ترصد «الوسط» رؤية الليبيين أنفسهم لما آلت إليه تلك المبادرات التي لم تفض إلى شيء.

بداية، قال مندوب ليبيا السابق بالأمم المتحدة إبراهيم الدباشي: «لا أعتقد أن مبادرات متعددة قُدمت لحل الأزمة الليبية. رأينا مساعي متعددة من دول مختلفة لمساعدة الأطراف الليبية على التوافق لتنفيذ حلول الأمم المتحدة، رغم أن بعض الدول لديها صورة غير واضحة عن ماهية الأطراف الليبية الفاعلة، وتتخبط بين دور القبائل وأنصار النظام السابق والمدن والمناطق وهي كلها مكتوفة الأيدي أمام حاملي السلاح وأصحاب المناصب».

للاطلاع على العدد 230 من جريدة «الوسط».. اضغط هنا 

وأضاف الدباشي: «الخلل ليس في تعدد المبادرات بل في عدم إشراك الشعب الليبي (المواطن العادي) في الحل، وعدم جدية مبعوثي الأمم المتحدة في تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه بأمانة». وأوضح رؤيته قائلا: «كانت بعثة الأمم المتحدة تراقب الانتهاكات المتعددة لاتفاق الصخيرات الذي رعته دون أن تتدخل، بل أضفت الشرعية على جسم تشكل بالمخالفة لأحكامه، وتعاملت معه كجهة شرعية، ونسف مجلس الأمن الاتفاق باعترافه بالمجلس الرئاسي كحكومة شرعية لليبيا، قبل أن يتم اعتماد الحكومة من مجلس النواب وقبل قراراته غير التوافقية في انتهاك صريح للاتفاق السياسي والإعلان الدستوري وسيادة ليبيا».

وتابع الدباشي: «كانت بعثة الأمم المتحدة متفرجة على الفوضى وراضية بها، وتتعامل مع متصدري المشهد السياسي والمهاجرين الليبيين المقيمين في الخارج باعتبارهم الشعب الليبي. فشلت كل المبادرات والحلول لأن الشعب الليبي لم يكن ممثلا في الحوارات وإيجاد الحلول. كان من الممكن جمع ممثلين لجميع بلديات ليبيا بعيدا عن كل التصنيفات المستجدة، للاتفاق على حل يضمنه المجتمع الدولي ويتم تنفيذه تحت رعايته، لكن استراتيجية بعض الأطراف الفاعلة في الأمم المتحدة تقوم على استدامة الفوضى في ليبيا وفي العالم العربي ووجدت بين الليبيين ما يكفي من العملاء والأنانيين أصحاب النفوس الضعيفة لتنفيذ استراتيجياتها».

ناديا عمران: المجتمع الدولي ما زال منقسما بوضوح تجاه الأزمة الليبية
من جهتها، تقول عضو الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور، ناديا عمران، إن المجتمع الدولي «كان وما زال منقسما بوضوح تجاه المعضلة الليبية، وسبق أن عقد الكثير من الاجتماعات الإقليمية والدولية والتشاورات، وصدر الكثير من البيانات والقرارات التي تؤكد عدم وجود حل عسكري، وأن الأزمة الليبية لن تحل إلا بالعودة إلى المسار السياسي، بما فيها الصادرة عن مجلس الأمن الذي أقر ضرورة وقف الحرب وإطلاق المساعي نحو الحوار والمصالحة الوطنية، لكن للأسف الشديد لا أثر فعليا لكل هذه الجهود، وتتلخص معضلة ليبيا في عدم وجود نوايا حقيقية لإنهاء الاقتتال والبدء بحوار جاد ينهي الأجسام الانتقالية ويضع آلية للاستفتاء على مشروع الدستور والشروع في بناء الدولة استنادا إلى أسس دستورية حاكمة».

أما الناشط خالد الهوني، فرأى أن «الاتكال على المبادرات الدولية لن يجدي نفعا، وآخرها مبادرة برلين التي لم يكتب لها أية حظوظ من النجاح، وعلى الليبيين أن يعوا بأن الحل بأيديهم وأن يستجمعوا إرادتهم الوطنية للضغط على طرفي النزاع للوصول إلى حل ولو اقتضى الأمر صنع مسار ثالث رافض استمرار الحرب والحل العسكري كما هو رافض استمرار تغول الميليشيات وخطفها الدولة، مع تقديم حل قد يصل إلى استبعاد كل مُتصدري المشهد والإتيان بشخصيات جديدة تلقى قبولا محليا ودوليا يمكنها أخذ زمام المبادرة وقيادة البلاد للخروج من الأزمة».

للاطلاع على العدد 230 من جريدة «الوسط».. اضغط هنا 

ويقول الناشط عمر علي أبوسعدة إن «الأزمة السياسية الليبية المستفحلة، وآثار تداعياتها الأمنية الخانقة، ألقت بظلالها القاتمة على مجمل الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للشعب الليبي». ويضيف أن الأزمة «برزت بأوجه متعددة تجلت في تقاطعات المصالح والمطامع الخارجية على الثروات الزاخرة والواعدة، والموقع الجيوسياسي لليبيا، وسط حالة من الانقسام العميق البائن بكل مؤسسات الدولة والمجتمع. أزمة غيّبت الإرادة الوطنية الشعبية الحقيقية العريضة، المتأثرة بتمزق نسيجها الاجتماعي القديم العريق، وعلى خطى الحل تعددت المبادرات الإقليمية والدولية التي لا تحصى ولا تعد حد التخمة، وأكثرها زخما هي مبادرتا باليرمو وباريس.

ورأى أبو سعدة أن هاتين المبادرتين «فشلتا تماما في التقدم خطوة واحدة نحو الحل، بسبب التدخل المباشر في الشأن الداخلي الليبي لتغليب أحد أطراف الصراع الداخلي على الآخر لمصلحتهم هم، فصبوا الزيت على النار». وأضاف: «آخر المبادرات وأهمها مؤتمر برلين الذي جاء في إطار أكثر تركيزا ومنطقية في اتجاه حل الأزمة في محاولة جدية من رعاة المبادرة بجمع الفرقاء الخارجيين والفاعلين المؤثرين في الأزمة الليبية للتوصل أولا إلى قواسم مشتركة فيما بينهم، ونهيهم وإلزامهم عن الكف من التدخل المباشر في الشأن الداخلي الليبي ووقف إطلاق النار وفتح مسارات حوار وطني للوصول إلى حل للأزمة، كاللجنة العسكرية (5+5) ولجنة سياسية ونخبوية أربعينية العدد، ويعتقد كثر أن البعثة الأممية أخفقت في معايير اختيار شخصياتها، لكن ما زاد الطين بلة استقالة المبعوث الأممي غسان سلامة في توقيت كان يعتقد أكثر المتشائمين أن الحل بات قريب المنال».

وتابع أبو سعدة قائلا: «خلاصة قولي، أن ليبيا جزء من هذا العالم، وأن كل تجربة حقيقية صادقة نحو الحل لها قيمة حالية وتاريخية، وأعتقد أن المبادرات الدولية لإنتاج حلول للأزمة وفقا للمعطيات الآنية التي تواجه ليبيا مهمة، لكن في حدود الخطوط الوطنية المسموح بها بشرط ألا تمس هذه المساعدة المصالح العليا للدولة، لهذا لا أعتقد أن تعدد المبادرات الدولية لحل الأزمة الليبية هو السبب في عدم الوصول إلى حل».

تعدد المبادرات الرامية لحل الأزمة
وبدوره، قال الناشط الحقوقي أحمد عبدالحكيم: «أعتقد أن تعدد المبادرات الإقليمية والدولية والأممية أسهم بشكل كبير في إضاعة الوقت والجهود بما أسهم في إطالة أمد الأزمة السياسية في ليبيا، كما أن عدم تنسيق الجهود والمساعي والمبادرات الدولية ضمن إطار مبادرة موحدة تحت مظلة واحدة ممثلة في الأمم المتحدة أضاع الفرص، وأسهم كذلك في تشتيت الجهود السابقة، مما عمق من حجم الانقسام السياسي وتأخر حل الأزمة الليبية، كما أن تعدد المبادرات أدى في مناسبات عديدة إلى تعقيد الأزمة الليبية، نظرا لتباين واختلاف المواقف والمصالح المتضاربة فيما بين الدول الراعية هذه المبادرات وتقاطع مصالحها».

وأضاف عبدالحكيم: «كما أن أطراف الأزمة السياسية في ليبيا أسهموا في إفشال عدة مبادرات كانت مطروحة، وهذا جانب آخر أسفر عن عرقلة وإفشال الجهود والمبادرات التي كانت مطروحة».

الناشط المدني حسن التباوي، قال إن «عدم صدقية المبادرات الدولية، وانحيازها لبعض الأطراف، وعدم معالجة التدخل الإقليمي والدولي كون الحرب حربًا بالوكالة، هو السبب الرئيس في عدم التوصل إلى حل للأزمة الليبية».

ورأى أن «أي مبادرة لم تتعهد بوقف التدخل الفرنسي - المصري - الإماراتي - السعودي - والروسي هي مبادرة فاشلة من الأساس، فهذه الدول هي في الواقع من تغذي الحرب الليبية وما التدخل التركي إلا لإحداث توازن على خط الأزمة». وأوضح التباوي أن «منع التدخل ووقف إمداد الليبيين بالسلاح مع إجراء مصالحة وطنية شاملة وتقاسم للسلطة، هو الحل الأمثل في حال أردنا حلا دائما للأزمة في ظل عدم مقدرة أي طرف على حسم المعركة عسكريا لصالحه، فقد كثرت المبادرات التي لم تجلب حلا لليبيا، ولكن حتى هذا اليوم لا توجد مبادرة أميركية واحدة، الولايات المتحدة وحدها القادرة على وقف الحرب، كونها تملك السيطرة على كل الأطراف الدولية والإقليمية والبيادق في الداخل، لذلك يمكن وقف الحرب بتدخل مباشر من الولايات المتحدة».

ويقول مصطفى عبدالله، وهو من النشطاء الشباب، إن «تعدد المبادرات كان سببا في زيادة تعقيد الأزمة، وهذا نتيجة اختلاف مصالح القائمين على تلك المبادرات». وأضاف: «كل الدول التي طرحت وساطات لحل الأزمة الليبية كانت هي نفسها أحد أسبابها، وكانت طرفا أساسيا في تفاقمها، وكان لها دور كبير في تحريض الليبيين ضد بعضهم عبر وسائل الإعلام وأجنداتها السياسية المشبوهة، ودعمها المستمر للأطراف المحلية لزيادة وتيرة الصراعات المسلحة في ليبيا، واندلاع كل الحروب السابقة بالوكالة في الساحة الليبية».

للاطلاع على العدد 230 من جريدة «الوسط».. اضغط هنا 

وواصل عبدالله حديثه بالقول: «تعدد وتضارب هذه المبادرات التي يتم طرحها بشأن الأزمة الليبية، مؤشر خطير لحدوث صراع إقليمي ودولي وحدوث تصادم عسكري بين هذه الدول بسبب اختلاف رؤيتها وتباين مصالحها وأهدافها، والسبب أن كل المبادرات ليست لها استراتيجية أو آلية محددة لإنهاء الأزمة سياسيا وهذا ما نشهده اليوم في العاصمة طرابلس».

أما الناشط عبدالسلام أبوإصبع فقال إن «أغلب المبادرات تأتي من الخارج من باليرمو إلى باريس وأبوظبي وأخيرا جنيف، وكل هذه المبادرات تصب في صالح الأطراف الأجنبية المتصارعة على ليبيا منذ العام 2011. والحل اليوم في تبني المبادرات الداخلية، ومنها على سبيل المثال مبادرة بني وليد بتنظيم مؤتمر وطني يشارك فيه كل الليبيين على مختلف مشاربهم السياسية، على أن يتم إيقاف القتال الدائر الآن، وإطلاق كل السجناء من أنصار النظام السابق، مع السماح للدكتور سيف الإسلام بالمشاركة السياسية، وكذلك يتم إطلاق أسرى الحرب الدائرة حاليا على تخوم طرابلس، ومن خلال هذا المؤتمر يشكل الليبيون حكومة موقتة تدعو إلى انتخابات عامة، ويتفق الناس على قبول نتائجها».

المزيد من بوابة الوسط