جريدة «الوسط»: تصعيد ميداني ملفت في حرب العاصمة.. و«كورونا» يتقدم

جانب من الاشتباكات المستمرة جنوب العاصمة طرابلس، (أرشيفية: الإنترنت)

استقبلت العاصمة طرابلس العام الثاني من الحرب، التي ما زالت تشتعل في تخومها الجنوبية، بتصعيد ملفت بين القوات التابعة للقيادة العامة وقوات حكومة الوفاق. اغتيلت «الهدنة الإنسانية» في مهدها، رغم استجابة طرفي الاقتتال للنداءات الدولية، التي دعت إلى هذه الهدنة لمواجهة تفشي وباء «كورونا».

وزادت خطورة الوضع مع استهداف المؤسسات الصحية، التي يفترض أن تكون مأوى لبعض المصابين بالوباء، فيما استمرت الأزمات الاقتصادية الناجمة عن إغلاق المنشآت النفطية -المصدر الوحيد لقوت الليبيين- في مقابل إحباط أميركي من تجدد القتال، وانشغال أوروبي بالوباء الذي أصاب القارة العجوز بأضرار بشرية ومادية فادحة، وسط تسريبات أوروبية عن أن جهود الوساطات لم تعد تحظى باهتمام رفيع المستوى، بل أصبحت العملية البحرية الأوروبية «إيريني» هي نقطة التماس الوحيدة في ليبيا.

في اليوم الثاني من العام الثاني لحرب العاصمة، اندلعت اشتباكات ضارية حاليا بين قوات الوفاق وقوات القيادة العامة، وشهدت منطقة رابش أبوسليم أكثر الاشتباكات عنفا، وفق الناطق باسم قوات القيادة العامة، اللواء أحمد المسماري، الذي أشار إلى أن قواته أصبحت على «تخوم قلب العاصمة طرابلس» الأحد الماضي، وهو ما جاء بعد ساعات من إعلان المجلس البلدي أبوسليم سقوط عدة صواريخ على مناطق في نطاق البلدية، مشيرًا إلى عدم سقوط قتلى أو جرحى نتيجة القصف، لكنه أشار إلى وقوع خسائر مادية كبيرة في الممتلكات العامة والخاصة.

لمطالعة العددين 228 و229 من جريدة الوسط انقر هنا

وفي اليوم نفسه، أقرت قوات القيادة العامة بأن القوات التابعة لحكومة الوفاق شنت هجوما شاملا عليها، لكن تم صده، مشيرة إلى تدمير 25 آلية مسلحة تابعة لقوات الوفاق في الوشكة، فيما أكدت أنها «ما زالت محافظة على الهدنة»، وفق قولها، بينما أشار سلاح الجو التابع لقوات الوفاق إلى استهداف طائرة شحن عسكرية، تحمل شحنات من الذخيرة لإمداد قوات القيادة العامة فور وصولها إلى مهبط في محيط ترهونة.

ولم يكن الوضع أفضل حالا يوم الإثنين، إذ شنت قوات حكومة الوفاق هجوما على وحدات القيادة العامة في محور عين زارة، لكن المسماري قال إن قواته استطاعت صد الهجوم، وتدمير ثلاث عربات مسلحة، وقتل أكثر من 15 من قوات الوفاق، في المقابل أعلنت عملية «بركان الغضب» استهداف مخزنين للذخيرة تابعين لقوات القيادة العامة في محور وادي الربيع.

لكن التطور الخطير في خضم هذه الاشتباكات، كان استهداف المؤسسات الصحية ومن بينها «مستشفى الخضراء العام»، الذي أصيب بصواريخ تسببت في فصل مولد التغذية الكهربائية عن المستشفى، مما استدعى إجلاء المرضى ونقلهم خارج المستشفى، ومن بينهم مصابون بفيروس «كورونا»، وفق وزارة الصحة بحكومة الوفاق، وفي اليوم نفسه تعرض محيط مستشفى الاستقلال إلى القصف، ما دفع أفراد مركز الطب الميداني إلى إخراج ست حالات خطيرة منه، فيما وجهت لجنة الأزمات والطوارئ بوزارة الصحة في حكومة الوفاق، نداء إلى كل المؤسسات الإنسانية المحلية والدولية، لسرعة التحرك لوقف «الهجمات الإجرامية» على العاصمة طرابلس.

ومع الفشل الواضح في الهدنة الإنسانية التي دعت إليها الأطراف الدولية، واستمرار القصف المتبادل بين الجانبين، تتزايد المخاوف من أزمة إنسانية، في وقت ارتفعت فيه حالات الإصابة بفيروس «كورونا» إلى 19 حالة، حتى يوم الإثنين الماضي.

رئيس المجلس الرئاسي، فائز السراج، من جهته، اتهم قوات القيادة العامة بالمسؤولية عن عدم تطبيق الهدنة الإنسانية لإتاحة الفرصة لمواجهة فيروس «كورونا» المستجد، وقال في حوار مع وكالة «سبوتنيك» الروسية، إن حكومة الوفاق «استجابت لكل الدعوات والمساعي الدولية لوقف القتال في ليبيا في 18 مارس، إلا أن الطرف الآخر لم يلتزم بها، وواصل خرق الهدنة المعلنة».

وتتزايد وتيرة المخاوف من تبخر المساعي الدبلوماسية الدولية والأوروبية في الملف الليبي، وسط انشغال عالمي وأوروبي بأزمة جائحة «كورونا»، ونقل تقرير لمجموعة الأزمات الدولية عن مسؤولين أوروبيين القول «إن الجهود المبذولة لضمان وقف إطلاق النار في ليبيا لم تعد تحظى باهتمام رفيع المستوى بسبب الوباء».

لمطالعة العددين 228 و229 من جريدة الوسط انقر هنا

ويقول رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، موسي فكي محمد، إن «جميع الوساطات الدبلوماسية في ليبيا مجمدة في الوقت الراهن، وإن منتدى المصالحة الذي يسعى الاتحاد الأفريقي لعقده ليس على جدول أعمال الاتحاد الأفريقي حاليا». ويخشى فقي من استغلال الجماعات الإرهابية النشطة في منطقة الساحل وفي بحيرة تشاد وليبيا الأزمة الصحية العالمية، لمضاعفة أعمالها العنيفة.

ومن هذا المنطلق يمكن قراءة الرسالة القوية التي وجهتها البعثة الأوروبية «بعثة الاتحاد الأوروبي لدى ليبيا» إلى الأطراف الليبية، في الذكرى الأولى لحرب العاصمة، إذ قالت: «عليكم فقط النظر عبر البحر لمشاهدة ما يحدث في بلداننا. لدينا أكثر الأنظمة الصحية تقدما، ونحن من بين أغنى الدول على وجه الأرض ولا يقاتل بعضنا بعضا. ومع ذلك، ما زلنا نكافح ضد هذه الجائحة. لم يعد هناك وقت لنضيعه». وفي حوار إلى «الوسط»، لم يخف السفير الأميركي، ريتشار نورلاند، إحباطه من عدم وفاء «الأطراف الخارجية» بتعهداتها في مؤتمر برلين، معربًا في الوقت نفسه عن أمله في أن تفي تلك الأطراف بهذه التعهدات.

في هذه الأثناء، بدا رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق، فائز السراج، كأنه يراهن على دور روسي يدفع نحو حل الأزمة، في ضوء هذا تراجع الدور الأوروبي، إذ قال في حوار لوكالة «سبوتنيك» الروسية: «روسيا دولة عظمى وبهذه الصفة لديها مسؤولية ودور تلعبه لحل الأزمات الدولية، كما أنها كانت ترتبط ولعقود من الزمن بعلاقات تعاون مع ليبيا، ومن هنا نتطلع إليها للعب دور إيجابي فعال لحل الأزمة الليبية».

بيد أن سياسيين ودبلوماسيين أبدوا دهشتهم من عدم وعي الأطراف الداخلية بخطورة الوضع، الذي يضع البلاد على شفير أزمة إنسانية تنذر بإطاحة الجميع، خصوصا في ظل استنزاف نحو 3.95 مليار دولار منذ إغلاق المنشآت النفطية في البلاد في 17 من يناير الماضي «وفق أرقام رسمية»، كذلك استمرار الشد والجذب بين المجلس الرئاسي والمصرف المركزي حول الترتيبات المالية للبلاد والاعتمادت المستندية للاستيراد، ما يراكم عوامل انفجار، هو نتيجة لنفاد صبر الليبيين وعدم قدرتهم على مزيد التحمل للوضع الخانق الذي يعيشونه.

المزيد من بوابة الوسط