خسائر «كورونا» تقلب معادلة ترامب في ليبيا

تتوقع أوساط سياسية أميركية أن تثير الآثار السلبية لفيروس «كورونا» على الاقتصاد الأميركي اهتمام إدارة الرئيس دونالد ترامب بعقود إعادة الإعمار في ليبيا، في ظل اتهامات دوائر مقربة من الكونغرس بتقاعسه عن دور واضح في حل الأزمة من عرقلة تعيينه مبعوثا أمميا جديدا إلى ليبيا إلى إدارة ظهره عن الضغط لرفع الحصار عن النفط.

وبعد مضي عام على حرب العاصمة، ييدو أن طرفي النزاع الليبي لا ينويان خفض التوتر نتيجة للأزمة الصحية المستجدة الناجمة عن تفشي فيروس «كورونا»، على الرغم من إعلان السلطات المختصة بكلا الجانبين وضع تدابير لاحتواء انتشاره تضاعف القتال في طرابلس نفسها وعلى جبهات أخرى.

وما زاد الطين بلة عودة ليبيا إلى المربع الأول أمام انشغال القوى الغربية بمكافحة الوباء الذي قتل الآلاف، فتم تجميد الجهود الدبلوماسية التي أربكتها استقالة المبعوث الأممي إلى ليبيا غسان سلامة الذي اقترب من اتفاق لتجميد أو وقف القتال من أجل التوصل إلى حل سياسي، لكن الخطوة تعثرت وتتطلب إيجاد بدائل واستراتيجية جديدة لتسوية الأزمة.

عرقلة أميركية لترشيح مبعوث أممي جديد
وفي هذا السياق تبرز التسريبات عن «فرملة» واشنطن غير المفهومة لترشيح خليفة لغسان سلامة، الذي شغل منصب الممثل الخاص للأمين العام ورئيس بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا في الفترة من 2017 إلى 2020.

ونقلت وكالة «فرانس برس» عن دبلوماسيين لم تسمهم، أن الأمين العام للأمم المتّحدة أنطونيو غوتيريس، يبحث عن شخصية جديدة لتولّي منصب المبعوث بعد الرفض الأميركي للجزائري رمطان لعمامرة. وقبل شهر، بدا تولي وزير الخارجية الجزائري الأسبق منصب المبعوث الأممي إلى ليبيا أمرا «شبه محسوم» بعدما حظي ترشيحه بـ«شبه إجماع»، غير أنّ الولايات المتّحدة طرحت مذاك «أسئلة كثيرة بشأنه في وقت كان فيه الجميع راضين عن هذا الخيار»، بحسب مصدر دبلوماسي.

ووفقا لمصدر دبلوماسي آخر، فإنّ مسؤولة في الأمم المتّحدة أبلغت مجلس الأمن خلال جلسة مغلقة عقدها الأربعاء حول ليبيا أنّ غوتيريس بدأ البحث عن مرشّح آخر. مصدر دبلوماسي رجح لـ«فرانس برس» أن يكون سبب الاعتراض الأميركي على الدبلوماسي الجزائري أن الأخير في نظر واشنطن مقرّب جدا من موسكو، التي نفت غير مرة «اتهامها» بدعم القائد العام للجيش المشير خليفة حفتر.

«فرانس برس»: واشنطن ترفض ترشيح لعمامرة خلفا لسلامة

وتقول جريدة «ذا هل» الأميركية المقربة من مجلس الشيوخ أن لعمامرة يحظى بتقدير كبير في المنطقة والعالم بسبب سمعته كصانع سلام عملي، بما في ذلك في الدوائر الدبلوماسية الأميركية بسبب دوره في تعزيز العلاقات الإيجابية بين الجزائر وواشنطن. وأسهب المصدر ذاته في الثناء على دور لعمامرة في حل عدة نزاعات قائلا «إنه شخص يفهم الوضع الإقليمي وكيفية إدارة اللعبة في مقر الأمم المتحدة، بالإضافة لاطلاعه على تفكير الأطراف المعنية».

وتحتاج واشنطن إلى معالجة ترشيح لعمامرة للمنصب بسرعة لأنه إذا كان التأخير بسبب الضغط الأجنبي فيجب على الولايات المتحدة إما أن تطلب من تلك المصالح تقديم مرشح أفضل أو الابتعاد عن الطريق كما تنصح «ذا هل». لكن تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي تحدث سابقا بقبول عن قائد القيادة العامة للجيش خليفة حفتر، تعكس موقفه حين قال إنه «لا يرى دورًا للولايات المتحدة في ليبيا» وتشير إلى خلفيات تقاعس إدارته في الانخراط بشكل فاعل في حل الأزمة.

قلق فرنسي على من المهاجرين و«إيني»

وكرر ترامب هذه الأفكار وهو يتحدث في العام 2019 عن سورية تحديدا ولكن بشكل عام عن المنطقة، قائلا: «دع شخصًا آخر يتشاجر على هذه الرمال الملطخة بالدماء». وفي حالة إساءة فهمه من أي شخص قال ترامب في خطاب حالة الاتحاد للعام 2020: «ليس من وظيفتنا أيضًا أن نخدم دولًا أخرى كوكالة لإنفاذ القانون». التقرير الأميركي لفت إلى أن ليبيا ليست مصدر قلق كبير للإدارة الأميركية لكنها كذلك لأصدقاء الولايات المتحدة، إذ تشترك مصر بحدود طويلة مع ليبيا وتشعر بالقلق من أن استمرار عدم الاستقرار سيغذي سهولة حركة المقاتلين والأسلحة والممنوعات.

وفيما تشعر فرنسا بالقلق إزاء عدم الاستقرار والمهاجرين الذين يعبرون البحر الأبيض المتوسط، بالإضافة لتنافس عملاق الطاقة الفرنسي «توتال» مع عملاق النفط الإيطالي «إيني» على مصادر الطاقة، خصوصا أن الإيطاليين يعتبرون مستعمرتهم الليبية السابقة محمية لهم. وتشكل حدود الجزائر أيضا مصدر قلق للحكومة الجديدة، لأن الاضطرابات في ليبيا قد تزيد من زعزعة استقرار مالي والساحل على الجناح الجنوبي للجزائر. وعلى الرغم من أن إدارة ترامب تريد تقليل وجود القوات الأميركية في أفريقيا، إلا أن العملية الدبلوماسية النشطة في ليبيا يمكن دعمها من خلال البصمة الخفيفة للقوات الأميركية في أفريقيا.

عقود إعادة الإعمار بعد الجائحة
ولا يرى الرئيس ترامب سوى مشكلة في الشرق الأوسط لكن الضرر الاقتصادي الناجم عن فيروس «كورونا» قد يثير اهتمامه في عقود إعادة الإعمار في ليبيا لتعزيز ثروات شركات البناء والموردين الأميركية. وكلما جاء السلام سريعاً إلى ليبيا يمكن إزالة العقوبات الاقتصادية العاجلة ضد ليبيا. كما وجد وزير الخارجية الأميركي آنذاك، جون كيري، في أعقاب الاتفاق النووي الإيراني.

وضعف الاهتمام الأميركي بحصار موانئ وإنتاج النفط شكل أيضا نقاشا بمعهد الولايات المتحدة للسلام، اذ تعتبره بمثابة هدف لحرمان حكومة الوفاق الوطني من العائدات، ويعد تصعيدًا كبيرًا في الصراع، حيث أوضحت الولايات المتحدة أن أحد مصالحها الأساسية في ليبيا هو الحفاظ على التدفق المستمر للطاقة الليبية إلى الأسواق العالمية. ومع ذلك فإن انهيار الأسعار العالمية للنفط يعني أن انخفاض إنتاج النفط الليبي أقل تأثيرًا وبالتالي أقل أهمية بالنسبة للولايات المتحدة.

أما بالنسبة للشعب الليبي، فإن النفط والغاز وعائدات القطاع الاستخراجي ذات الصلة تعد عماد الاقتصاد، إذ تمثل 65% من الناتج المحلي الإجمالي بين 2014-2018. وإذا لم يجر تصدير النفط الليبي، فلن يحصل الليبيون على رواتبهم (فاتورة أجور القطاع العام في ليبيا تبلغ 48% من الناتج المحلي الإجمالي). وقد يؤدي ذلك إلى رد فعل عام ضد حفتر أو زيادة الضغط الشعبي على حكومة الوفاق الوطني لتقديم تنازلات.

ورجح المعهد شعور الشعب الليبي بآثار الحصار بشكل أكبر إذا بدأت أسعار النفط العالمية في الارتفاع مرة أخرى، فإن الحصار قد يدفع الولايات المتحدة إلى توسيع مشاركتها وربما ممارسة ضغط مباشر على حفتر كما فعلت في العام 2014.

المزيد من بوابة الوسط