جريدة «الوسط»: «تفاهمات» إسطنبول تهدد «برلين» المنتظر

أردوغان يصافح فائز السراج.( أرشيفية: الإنترنت)

وسط تحذير أممي ومخاوف كبيرة من تهديد مصير مؤتمر برلين حول ليبيا، المنتظر عقده مطلع العام المقبل، خلقت مذكرتا التفاهم الأمنية والبحرية الموقعتان بين حكومة الوفاق وتركيا، الأسبوع الماضي، حالة من التشويش على التحضيرات الجارية لعقد المؤتمر، إذ اتسعت فجوة الخلاف بين فرقاء الأزمة في ليبيا من جهة، وأضعفت الجهود الرامية إلى إيجاد توافق إقليمي ودولي، كان معولاً عليه لإنجاح المؤتمر.

وقعت حكومة الوفاق الوطني، الأسبوع الماضي، مع الحكومة التركية، على مذكرتي تفاهم إحداهما حول التعاون الأمني، والثانية في المجال البحري، في ختام محادثات بين الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ورئيس المجلس الرئاسي فائز السراج، بحسب بيان للمكتب الإعلامي للسراج، من دون أن يفصح البيان عن تفاصيل المذكرتين.

للاطلاع على العدد 211 من جريدة الوسط.. اضغط هنا 

وتسبب إعلان التوقيع، في ردود فعل محلية وإقليمية فورية متفاوتة الحدة،، ما دعا المبعوث الأممي إلى ليبيا غسان سلامة، للتحذير من تداعيات الخطوة الليبية–التركية، وقال في تصريحات إلى وكالة «بلومبرغ» الأميركية، إن الاتهامات التي أثارتها هذه الخطوة، تهدد اجتماعاً في 10 ديسمبر الحالي ببرلين، كان من المفترض أن يمهد الطريق لعقد مؤتمر برلين أوائل يناير المقبل.

غضب إقليمي ودولي ومحلي
وإقليمياً، أمهلت وزارة الخارجية اليونانية السفير الليبي لديها، حتى الخميس، لمغادرة اليونان، إذا لم تعد حكومة الوفاق النظر في خطوتها بتوقيع المذكرة مع أنقرة، كما صرح لـ«الوسط» مصدر دبلوماسي، واعتبر الناطق باسم الخارجية اليونانية أن «هذا الإجراء لن يكون متسقاً مع مبدأ حسن الجوار، الذي يجب أن يحكم العلاقات بين الدول المتجاورة»، وفقاً لما نشره الموقع الرسمي لوزارة الخارجية اليونانية.

وأعربت مصر عن إدانتها للخطوة الليبية–التركية، مؤكدة أن «مثل هذه المذكرات معدومة الأثر القانوني»، وفق بيان نشرته رئاسة مجلس الوزراء المصري. ولم يقف التحرك المصري عند الإدانة على مستوى رئاسة الحكومة، إذ تبعها بيان من وزارة خارجيتها، أعلنت فيه إجراء الوزير سامح شكري، الخميس، اتصالاً هاتفياً بكل من وزير خارجية اليونان نيكوس دندياس، ووزير خارجية قبرص نيكوس خريستودوليدس، حيث تداول مع كل منهما إعلان توقيع المذكرتين.

وقال الناطق باسم الخارجية المصرية، المستشار أحمد حافظ: «إنه تم التوافق بين الوزراء على عدم وجود أي أثر قانوني لهذا الإجراء الذي لن يتم الاعتداد به لكونه يتعدى صلاحيات رئيس مجلس الوزراء الليبي وفقاً لاتفاق الصخيرات، فضلاً عن أنه لن يؤثر على حقوق الدول المشاطئة للبحر المتوسط بأي حال من الأحوال»، وجاء الموقف المصري الأخير خلال اتصال هاتفي أجراه وزير الخارجية المصري سامح شكري مع مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا غسان سلامة، الإثنين.

للاطلاع على العدد 211 من جريدة الوسط.. اضغط هنا 

ودولياً، دخلت روسيا على خط الجدال، الثلاثاء، إذ دعت وزارة الخارجية الروسية، كلاً من تركيا وحكومة الوفاق، إلى تجنب خطوات تزيد التوتر في ليبيا والبحر المتوسط، وقالت الناطقة باسم الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، في بيان نشر على موقع الوزارة ونقله موقع «روسيا اليوم»: «لا يمكن تقديم أي تقييم قانوني لهاتين الوثيقتين إلا بعد الاطلاع على فحواهما الذي لم يتم الكشف عنه بعد.

ولفتت الناطقة الروسية إلى أن التوقيع على مذكرة التفاهم بشأن التعاون في مجال الأمن «أعطى إبرامها أسساً للحديث عن محاولات تركيا لشرعنة دعمها العسكري للحكومة في طرابلس، عبر الخرق السافر لحظر توريد السلاح».

أما محلياً، فقد أعلن مجلس النواب، الخميس، «استنكاره ورفضه الكامل» لمذكرتي التفاهم، معتبراً أنهما «مخالفتان للإعلان الدستوري» والاتفاق السياسي. وقال المجلس في بيان له: «لا يحق لحكومة السراج أو غيره توقيع أي اتفاقية مع دولة أجنبية دون موافقة واعتماد البرلمان، السلطة التشريعية في البلاد»، معتبراً كذلك أن التوقيع جرى «بالمخالفة أيضاً للاتفاق السياسي غير الدستوري الذي انبثقت منه حكومة فائز السراج». وفي إجراء لاحق، خاطب رئيس مجلس النواب المستشار عقيلة صالح، الإثنين، الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس، والأمين العام للجامعة العربية أحمد أبوالغيط، بسحب اعتماد حكومة الوفاق واعتماد مجلس النواب وما ينبثق منه باعتباره «الجسم الشرعي الوحيد»، على خلفية الموضوع نفسه.

موقف القيادة العامة
وأعلنت القيادة العامة للجيش بقيادة المشير خليفة حفتر، رفضها المذكرتين، مطالبة «بتدخل مجلس الأمن ودول حوض المتوسط لمواجهة المخططات التركية وإحباطها وكبح جماحها في استعادة نفوذها المدمر بالمنطقة زمن الدولة العثمانية». ودافعت حكومة الوفاق عن التفاهمات مع الجانب التركي، حيث بحث وزير الخارجية بحكومة الوفاق محمد الطاهر سيالة في اتصال هاتفي، الثلاثاء، مع نظرائه في تونس والجزائر والمغرب مستجدات الوضع في ليبيا. 

للاطلاع على العدد 211 من جريدة الوسط.. اضغط هنا 

وقالت الوزارة في بيان، إن سيالة أكد لوزير الشؤون الخارجية الجزائري صبري بو قدوم، ووزير الشؤون الخارجية المغربي ناصر بوريطة، وكاتب الدولة للشؤون الخارجية المكلف تسيير وزارة الخارجية التونسية صبري باش طبشي، أن مذكرتي التفاهم تهدفان إلى «صون المصلحة الوطنية، وتخدمان بالدرجة الأولى الأشقاء ولا تمسان بسيادة أي دولة، وتقومان على القانون الدولي»، لافتاً إلى أن ليبيا تحافظ على علاقات الأخوة، وحسن الجوار، وتحرص على عدم المساس بسيادة الدول، أو ما يعرض أمنها وسلامتها وأراضيها وبحارها للخطر، وفي لقاء مع «قناة ليبيا» الرسمية، قال مدير إدارة التعاون الدولي بوزارة الخارجية الدكتور جمال البرق، إن الوصول للتوقيع على مذكرة التفاهم البحرية «أخذ طريقاً طويلاً، من البحث والتفاوض والتشاور بين المختصين على مختلف المستويات في ليبيا، على مستوى الخبراء والسلطة العليا صاحبة القرار، وعقدت عدة جلسات مع الجانب التركي، انتهت بتوقيع المذكرة».

وقال أستاذ القانون ورئيس لجنة الحدود البرية والبحرية الدكتور محمد الحراري، في اللقاء التلفزيوني نفسه: «مذكرة التفاهم بين تركيا وليبيا، لم تكن وليدة اللحظة، بدايتها في لجنة الحدود تبدأ من 2010، وقد جاءت لتخدم مصلحة ليبيا وحماية حقوقها البحرية.

المتابعون للشأن الليبي يتساءلون ما إن كان الجدل الذي أُثير حول الخطوة الليبية–التركية، ستخفت حدته مع الوقت، لتبدأ الدعوات نحو معالجة الأزمة على مائدة التفاوض، أم أن هذا الجدل سيتطور ويتصاعد على خلفية ما يراه المراقبون صراعاً على الغاز في المنطقة، ليخلق أزمة بحرية شرق أوسطية جديدة، تهدد السلام في منطقة البحر الأبيض المتوسط، وقبلها تهديد مؤتمر برلين وتلاشي الأمل بحل الوضع المتفاقم في ليبيا.

المزيد من بوابة الوسط