المديرة الإقليمية للبنك الدولي: أجرينا بحوثًا في الصحة والتعليم ولدينا استراتيجية للشراكة مع ليبيا

المدير الإقليمية للمغرب العربي ومالطا بالبنك الدولي ماري فرانسواز (أرشيفية: موقع البنك الإلكتروني)

يعمل البنك الدولي مع ليبيا منذ أكثر من عِقْد، حيث ساعد على بناء القدرات وتحديث مؤسسات الدولة. وبدأ هذا الدعم في عام 2006 بعد ثلاثة أعوام من رفع العقوبات الدولية، لكنها توقَّفت مع بدء الثورة الليبية. وبعد ذلك بعامين، عاد البنك الدولي لمساعدة ليبيا على التعافي، وإرساء الأسس اللازمة لتحقيق نمو مستدام ينعم الجميع بثماره، وبناء علاقة جديدة بين المواطنين والدولة.

ومع تأسيس وجود دائم للبنك في ليبيا، اضطر مرة أخرى إلى إخلاء مكاتبه في العام 2014 بسبب الأوضاع الأمنية. ولكن هذه المرة، من أجل الحفاظ على العلاقات القوية التي أقيمت مع طائفة متنوعة من النظراء الفنيين الليبيين، تم إيجاد سبل مبتكرة لضمان استمرار التعاون. 

وفي لقاء نشره البنك على موقعه الإلكتروني نهاية الأسبوع، تكشف المديرة الإقليمية للمغرب العربي ومالطا في البنك الدولي ماري فرانسواز عن مشاركة فرق عمل البنك الدولي في سلسلة من المناقشات الفنية مع مجموعة متنوعة من الوزارات.  وقالت «لقد تبين لفرق العمل أنه لا يوجد مصدر يعول عليه للإحصاءات في ليبيا»، إلا أنها ذكرت أن تلك الفرق «راجعت مجالات الإنفاق العام مما أتاح لها تكوين صورة جيدة عن كيف تدير الحكومة شؤونها المالية والقطاعات الرئيسية مثل النقل والتعليم والصحة والمياه». 

اجتماعاتنا استمرت مع ممثلين من شرق البلاد وغربها بحضور ممثلنا المقيم مايكل شيفر

وأضافت أن البنك الدولي يقود تحالف المانحين من أجل التعافي الاقتصادي بالاشتراك مع وزارة التخطيط الليبية، منوهة إلى بدء الحوار الاقتصادي الليبي في العام 2016، الذي جمع فيه البنك ممثلي القطاع الخاص، والمنظمات غير الحكومية، ومتخذي القرار، والبرلمانيين، والشباب من شتَّى أرجاء البلاد حيث عقدت جلساته في تونس.

ونتيجةً  لجلسات الحوار تلك، قالت فرانسواز: أعدنا توجيه مواردنا للتركيز على دراسة موسَّعة لقطاع الكهرباء، وفهم الواقع الفعلي على الأرض، ووضْع الحلول. وفعلنا الشيء ذاته في قطاع الصحة بالاشتراك مع منظمة الصحة العالمية. ومع منظمة الأمم المتحدة لرعاية الطفولة (اليونيسف) بدأنا مسحًا استقصائيًا موسعًا لفهم تأثيرات الأزمة الحالية على فرص الحصول على التعليم. وتُشكِّل الشواهد والبيانات التي جمعناها أساس الأنشطة في مذكرتنا الجديدة للمشاركة القُطرية.

وفيما يلي نص الحوار:

ما هو  محور التركيز لعمل البنك الدولي في ليبيا؟
ـ  لم أقم بعد بزيارة ليبيا لكنني علِمتُ من زملائي أن هدفنا الرئيسي كان فهم كيف يُدار اقتصاد البلاد. ولم يكن هذا سهلًا بعد سنوات من العزلة والعقوبات. ولقد شاركت فرق عمل البنك الدولي في سلسلة من المناقشات الفنية مع مجموعة متنوعة من الوزارات. وكانت المعارف التي اكتُسبت والعلاقات التي أُقيمت آنذاك ذات فائدة عظيمة تم الاستفادة منها عندما عدنا بعد الثورة من أجل دعم جهود التعافي. وأجرت فرق عمل البنك أيضا مراجعةً للإنفاق العام أتاحت تكوين صورة جيدة عن كيف تدير الحكومة شؤونها المالية والقطاعات الرئيسية مثل النقل والتعليم والصحة والمياه. وأثناء القيام بهذا الجهد، اتضح أنه لم يكن يوجد مصدر يُعوَّل عليه للإحصاءات في ليبيا. والإحصاءات ذات أهمية حيوية لاتخاذ قرارات مستنيرة ووضع السياسات.

وكان معظم عملنا عقب الثورة مع النظراء الفنيين في وزارة التخطيط لتدريبهم في مجال الإحصاءات. وفي نهاية المطاف، ساعد البنك الدولي الحكومة الجديدة على إنشاء معهد وطني للإحصاءات. وأجرى البنك تقييماً لمناخ الاستثمار في 2012، ومسحا استقصائياً لمنشآت الأعمال في 2014، اعتمدا كلاهما على بيانات من مصلحة الإحصاء والتعداد. وفي الآونة الأخيرة، أجرينا في إطار التحضيرات لاستراتيجية مشاركتنا القُطرية الجديدة بحوثا موسَّعة في قطاعي الصحة والتعليم، ومرة أخرى اعتمدنا على مصلحة الإحصاء في التحضير لمشاركتنا في هذين القطاعين بُغية ضمان حصول الليبيين على هذه الخدمات الحيوية. ففي غياب إحصاءات جيدة، يتعذَّر فهم الواقع الفعلي على الأرض، ويستحيل وضع سياسات أو برامج دعم فعَّالة.

كيف تغلَّب البنك الدولي على تحديات الأوضاع الأمنية والسياسية المُعقَّدة في ليبيا؟
ـ حينما غادر البنك الدولي ليبيا قبيل الثورة لم نتمكن من الحفاظ على اتصالات مع  نظرائنا من الجهات الفنية في ليبيا. وقد تعهد البنك الدولي بإيجاد طرق للحفاظ على العلاقات والتركيز على القضايا الرئيسية. وحينما اضطر البنك الدولي للانسحاب في 2014، أعدت فرقنا حلولا مبتكرة تكفل مواصلة العمل. ومن هذه الحلول " البعثات" التي كنا نلتقي خلالها مع نظرائنا خارج ليبيا، في تونس أو تركيا. 

ومع ما تشهده البلاد حاليا من انقسام سياسي، قدَّم البنك الدولي اقتراحا إلى جميع الأطراف لمواصلة تعاوننا والاستمرار في العمل. وكانت جميع الأطراف واضحة في رغبتها مواصلة العمل، واستمرت الاجتماعات واللقاءات مع ممثلين من شرق البلاد وغربها.

وكان ممثلنا المقيم في ليبيا مايكل شيفر جزءا من هذه البعثات، وقاد الجهود الخاصة بإدارة الموازنة العامة والتي كانت لها الأولوية. كانت لهذه البعثات أهمية حيوية، إذ أتاحت تبادل البيانات بين شرق البلاد وغربها. وتغلَّبنا على هذا الوضع بمعاملة الطرفين على قدم المساواة، والامتناع عن إقحام السياسة في المناقشات الفنية. ومنذ ذلك الحين نعمل "بنهج ليبيا بكل طوائفها" الذي مكَّننا من إقامة علاقات جيدة وبناء الثقة لدى شتَّى الفئات والجهات المعنية في ليبيا.

ما هي أبرز الجهات والمجالات التي عملت عليها فرق البنك الدولي؟
ـ يقود البنك الدولي تحالف المانحين من أجل التعافي الاقتصادي بالاشتراك مع وزارة التخطيط الليبية. في عام 2016، وتمشيا مع نهجنا "ليبيا بكل طوائفها"، أنشأنا (الحوار الاقتصادي الليبي) الذي جمع ممثلي القطاع الخاص، والمنظمات غير الحكومية، ومتخذي القرار، والبرلمانيين، والشباب من شتَّى أرجاء البلاد. وعُقدت هذه الجلسات في تونس، وحضرها نحو 35 شخصا في كل مرة من أجل حوار مفتوح وبناء.

ويكتفي البنك الدولي بجمع الأطراف والاستماع إليهم. ويعمل المشاركون الليبيون من شرق البلاد وغربها معا لتحديد الأولويات. وكان أبرز القضايا أزمة السيولة التي تمنع الناس من سحب أموالهم من البنوك، يليها الحصول على الخدمات الأساسية كإمدادات الكهرباء، والتعليم، والرعاية الصحية. ولم يكن البنك الدولي مشاركا حقا في هذه القطاعات.

ونتيجةً لجلسات الحوار التي عُقدت، أعدنا توجيه مواردنا للتركيز على دراسة موسَّعة لقطاع الكهرباء، وفهم الواقع الفعلي على الأرض، ووضْع الحلول. وفعلنا الشيء ذاته في قطاع الصحة بالاشتراك مع منظمة الصحة العالمية. ومع منظمة الأمم المتحدة لرعاية الطفولة (اليونيسف) بدأنا مسحا استقصائيا موسعا لفهم تأثيرات الأزمة الحالية على فرص الحصول على التعليم. وتُشكِّل الشواهد والبيانات التي جمعناها أساس الأنشطة في مذكرتنا الجديدة للمشاركة القُطرية.

وأتاحت جلسات الحوار أيضا مجالا لاستطلاع الآراء أثناء إعداد مذكرة المشاركة القُطرية. وتلقَّى فريق عملنا تعليقات وآراء قيمة من الشباب والنساء، وكذلك من المسؤولين الحكوميين وطائفة متنوعة من أصحاب المصلحة الآخرين، وهو ما ساعد في إثراء تصميم مذكرة المشاركة القُطرية.

ما هو الدور الذي تتصورينه لعمل البنك الدولي بليبيا في المستقبل؟
ـ  لقد اتضح منذ وقت طويل أن التحديات الاقتصادية والسياسية التي تواجهها ليبيا تتفاقم ويُغذِّي بعضها بعضا. ومع سعي الليبيين لحل خلافاتهم السياسية، يتمثل هدفنا في تذليل التحديات الاقتصادية التي تُنذر بإفساد تلك الجهود. ولمذكرة المشاركة القُطرية الجديدة هدفان رئيسيان هما حث خُطى التعافي الاقتصادي واستعادة الخدمات الأساسية. ويُؤثِّر عدم الاستقرار في ليبيا على جيرانها، والمنطقة، وعلى جميع أنحاء العالم. وإننا ملتزمون بدعم الاستقرار في ليبيا بوصفه منفعة عالمية. ونحن أيضا ملتزمون بدعم الشعب الليبي الذي يجد نفسه الآن في متاهة تحفها الضبابية والشكوك. وقد يسهم تحقيق استقرار الاقتصاد واستعادة الخدمات الأساسية في بناء الثقة بين المواطنين والدولة.

وهذا هو المجال الذي يمكن للبنك الدولي مد يد العون فيه، والإسهام في استعادة السلام والاستقرار. ويجب أن نواصل العمل لحل أزمة السيولة، ومساعدة الحكومة على إثبات أن بمقدورها معالجة مشكلة الخدمات الأساسية. وبفضل البيانات التي جمعناها والعلاقات التي أقمناها نحن الآن في وضع يُؤهلنا للعمل مع جميع المؤسسات المسؤولة عن القطاعات الرئيسية للتعليم والكهرباء والصحة. وتقضي خطتنا العمل باطراد لإعادة بناء وجودنا على الأرض في ليبيا بقدر ما تسمح به الظروف مع اتساع نطاق أنشطتنا.

وسيسترشد عملنا "بنهج ليبيا بكل طوائفها"، ويتضمَّن هذا التركيز على وجه الخصوص على الشباب والنساء والنازحين داخل البلاد. فالشباب والنساء منبع إمكانيات هائلة بما يتمتعون به من مستويات تعليمية عالية، لكنهم مستبعدون من دوائر اتخاذ القرار وتضاءلت أمامهم آفاق المستقبل. وهدفنا هو خلق الفرص للاستفادة من هذه الإمكانيات في تحقيق اقتصاد ينعم الجميع بثماره، ويُحرِّكه قطاع خاص مفعم بالنشاط والحيوية. وبالسعي والمثابرة يمكن أن تصبح ليبيا بلدا ينعم بالاستقرار والرخاء.