صبراتة: الفوضى الأمنية مستمرة رغم الحراك السياسي

تجاهلت مدينة صبراتة الحراك الدولي والمحلي بشأن العملية السياسية وواصلت الفوضى الأمنية التي دخلت أسبوعها الثاني، جرّاء اشتباكات عنيفة بين أطراف متعددة تدعي كل منها تبعيتها لحكومة الوفاق الوطني، رغم تأكيد الأخيرة أنها لم تعط تعليمات لأي طرف لبدء هذا الاقتتال، مما جعل المدينة مسرحًا لتحالفات عدة بين جماعات مسلحة راح ضحيتها قتلى واستخدمت فيها الأسلحة المتوسطة والثقيلة.

للإطلاع على العدد (97) من جريدة «الوسط» اضغط هنا

يأتي هذا بالتزامن مع انطلاق أولى جولات مفاوضات تعديل الاتفاق السياسي، تعديل الاتفاق السياسي لمجلسي الدولة والنواب بالعاصمة التونسية الثلاثاء، وفقًا لآليات المادة 12 من الاتفاق وتحت رعاية وإشراف الممثل الخاص للأمين للعام للأمم المتحدة غسان سلامة.

غرفة محاربة «داعش» تتبرأ من أنصار القذافي.. والكتيبة 48 تنفي صلتها بالغرياني

وانطلقت شرارة الاشتباكات في 17 سبتمبر الجاري عندما تعرضت إحدى سيارات الكتيبة 48 التابعة لرئاسة الأركان للرماية في إحدى البوابات الأمنية التابعة لغرفة عمليات محاربة تنظيم «داعش» بصبراتة لعدم توقفها، مما أدى إلى وفاة أحد الأشخاص وإصابة آخرين، لتندلع الاشتباكات وسط المدينة بين الطرفين وتدخل أطراف أخرى على خط المواجهة، من بينها مجموعات مسلحة وميليشيات متخصصة في عمليات تهريب البشر.

وبينما برز خلال المواجهات طرفان رئيسيان للأحداث هما غرفة عمليات محاربة تنظيم «داعش» بصبراتة، والكتيبة 48 التابعة لرئاسة الأركان، إلا أن كتيبة أنس الدباشي المسمى بـ«العمو» المتهمة بالتورط في تهريب المهاجرين انضمت للاشتباكات، معلنة أنها والكتيبة 48 تابعتان لحكومة الوفاق الوطني لمكافحة تهريب البشر.

مستشفى صبراتة تعرض لقصف صاروخي والهلال الأحمر أخلى 98 % من المدنيين بوسط المدينة

وفي منتصف الأسبوع الجاري أعلن مستشفى صبراتة التعليمي عن استقبال 17 قتيلاً و48 جريحًا منذ بدء الاشتباكات في المدينة، من بينهم مدنيون، حيث قال مدير المستشفى الدكتور هشام لطفي في تصريحات إلى «الوسط»، الاثنين، إن إطلاق الصواريخ العشوائية أدى إلى مقتل عديد المدنيين.

وتحدث لطفي عن تعرض المستشفى لقصف صاروخي اخترق غرفة الإسعاف والطوارئ وأحدث أضرارًا جسيمة، مما أدى إلى خروجها عن الخدمة، واصفًا الوضع داخل المستشفى بـ«السيئ»، مما أدى إلى التنسيق مع وزارة الصحة وتحويل مرضى الغسيل الكلوي إلى المدن المجاورة «صرمان والعجيلات وزوارة»، بسبب القصف المتكرر باتجاه المستشفى.

فشل المصالحة وإخلاء 98 % من المدنيين
أفاد الصحفي عبدالسلام محمد أحد سكان مدينة صبراتة، في اتصال هاتفي مع «الوسط»، بأنه رغم وصول عديد وفود المصالحة وإرسال المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق وفدًا من أجل التوصل لاتفاق لوقف إطلاق النار بين الطرفين، «لكن أحدًا لم يعلن نتيجة إيجابية حتى الآن».

وأضاف أن الهلال الأحمر فرع صبراتة قام بإخلاء 98 % من المدنيين المتواجدين وسط المدينة، مشيرًا إلى أن البعض رفض ترك منزله والنزوح من مناطق الاشتباكات التي تشهد توترًا.
على إثر ذلك استشعرت أطراف سياسية ودولية عدة خطر تطور الفوضى الأمنية، فطالبت بالوقف الفوري لإطلاق النار في المدينة، بالنظر إلى أن الاقتتال الدائر لن يحقق إلا تصعيدًا في حدة التوتر وعدم الاستقرار.

الآثار تحت القصف
وتمركزت معظم الاشتباكات خلال الأسبوع قرب منطقة آثار صبراتة، وهو ما فتح ملفًا آخر أكثر أهمية عندما تعرض المسرح الروماني في المدينة لخطر الاشتباكات، فتدخلت على الفور اليونسكو مطالبة بوقف أعمال العنف وحماية المواقع الأثرية.

غرفة محاربة «داعش» تطرح شروطًا لوقف إطلاق النار أهمها حل السرايا وتأمين المدينة من الجيش والشرطة

وأعربت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة عن قلقها من اندلاع أعمال عسكرية قرب وحول آثار مدينة صبراتة، داعية الأطراف كافة لوقف أعمال العنف، وطالبت السكرتير العام لـ«يونسكو»، إيرينا بوكوفا، الأطراف كافة بضمان حماية التراث الثقافي لمدينة صبراتة، والذي «لا يقدر بثمن» وبشكل خاص متحف صبراتة.

وشددت بوكوفا، في بيان على موقع المنظمة الإلكتروني، على الحاجة لحماية التراث الثقافي الليبي في فترات النزاع، وهو ما حث عليه مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في قراره رقم 2347.

ونقلت «الوسط» عن مصدر بمصلحة الآثار أن المسرح الرئيسي في صبراتة قد أصابته شظية بسبب المعارك، وأشار إلى محاولات مسؤولي المصلحة الوصول إلى منطقة الآثار لتفقد الأضرار، لكنهم فشلوا بسبب تواصل الاشتباكات، لافتًا إلى طلب المصلحة من المجلس الرئاسي التدخل لحماية الآثار الرومانية بالمدينة من القصف العشوائي.

وأوضحت منظمة «يونسكو» أنها علمت من خلال مصادر عدة أن أعمالاً عسكرية تتصاعد حول المواقع الأثرية في مدينة صبراتة، المدرجة على قائمة التراث العالمي منذ العام 1982. لافتة إلى «تقارير تفيد باندلاع عمليات عسكرية داخل وحول المواقع الأثرية».

وقالت بوكوفا: «أطالب جميع الأطراف بضمان حماية التراث الثقافي المميز لصبراتة. وأناشد الجميع التوقف عن أي أعمال عسكرية أو استهداف المواقع الأثرية أو المواقع المجاورة لها، احترامًا لأحكام اتفاقية لاهاي العام 1954 بشأن حماية الممتلكات الثقافية في حالة النزاعات المسلحة».

وأكدت أن «التراث الليبي يجسد التاريخ المشترك للبلد، وبالتالي تعد حمايته حجر أساس لتحقيق مصالحة وطنية وسلام دائمين. ويجب أن تبقى خارج أي نزاعات».

المسرح الروماني يصاب بشظية جراء المعارك وتنديد دولي ومحلي لحماية آثار المدينة

وجددت بوكوفا التزام المنظمة بالعمل مع الجهات الليبية كافة المعنية بالثقافة لتعزيز التدابير الطارئة لحماية التراث الثقافي، وتوفير التقييم العاجل وتوثيق ورصد التراث. وقالت: «لن توفر المنظمة جهدها لدعم الشعب الليبي لحماية تراثهم الثقافي، بوصفه مصدرًا للكرامة والثقة للأجيال الليبية القادمة».

وفي الإطار نفسه طالبت مصلحة الآثار التابعة للحكومة الموقتة القيادة العامة للجيش الليبي بالتدخل للحفاظ على المعالم الأثرية في مدينة صبراتة، واستنكرت المصلحة في بيانٍ لها أعمال التخريب والتدمير التي طالت بعض المعالم الأثرية بمدينة صبراتة، إثر «تعرضها لبعض الأضرار من قبل العصابات الإجرامية التي تسيطر على المدينة، والتي تتخذ قانون الغاب قانونًا لها فلم يسلم من بطشها وطغيانها لا البشر ولا الحجر».

أنصار القذافي في الصورة
إلى ذلك تردد دخول أنصار القذافي على خط الصراع عندما قيل إن غرفة عمليات محاربة تنظيم «داعش» بصبراتة تستعين بهم في القتال الدائر، وهو ما نفته الغرفة في بيان رسمي، متعهدة في الوقت نفسه بعدم الانتقام من أبناء قبيلة الدبابشة.

وأشارت الغرفة إلى أنها «مؤسسة عسكرية تضبطها عديد القوانين والضوابط وهدفها دائمًا هو خدمة الوطن، ولم ولن تكون يومًا ميليشيا»، نافية سعيها لتخريب المدينة والإسهام في خلخلة أمنها، وأن الأحداث الأمنية الأخيرة «فُرضت عليها».

وأضافت أن كل من يقاتل في صفوفها «إما أن يكون عسكريًا نظاميًا أو من الشرطة، أما القوات المساندة فكلها من شباب المنطقة وهم منضبطون تحت أوامر الغرفة»، مشيرة إلى أنهم «لن يقوموا بأية خروقات أو ممارسات انتقامية»، متعهدة في الوقت نفسه لكل ساكني منطقة الدبابشية بأنها «ستوفر لها الحماية»، وأنها «ترد وبقوة على كل من يحاول المساس بأمن المواطنين أو التعدي على ممتلكاتهم».

وبعدما برّأت ساحتها من الاستعانة بأنصار القذافي طرحت الغرفة شروطها لوقف إطلاق النار، حيث قال مدير مكتب الإعلام بغرفة عمليات محاربة تنظيم «داعش»، صالح قريسيعه، إن الوضع بمدينة صبراتة يشهد عمليات كر وفر باستخدام الأسلحة الثقيلة والدبابات.

قريسيعه: تمركز الميليشيات على البحر سهّل تهريب الوقود والعمل بالهجرة غير الشرعية والسيطرة على المصارف والسيولة

وأشار قريسيعه لـ«الوسط» إلى أن الاشتباكات مستمرة ولم تصل وفود المصالحة حتى الآن لأي اتفاق لوقف إطلاق النار، لافتًا إلى أن للغرفة شروطًا لوقف إطلاق النار، أهمها خروج التمركزات التابعة للميليشيات من المدينة، وتسليم السلاح الثقيل والمتوسط وحل السرايا وعودتها إلى مناطقها، وتأمين المدينة من الجيش والشرطة، متابعًا: «ولكن من الواضح أن الطرف الآخر لم يقبل بهذه الشروط لأنهم يستفيدون من الوضع الحالي».

وأوضح قريسيعه أن تمركز الميليشيات على البحر سهّل لها تهريب الوقود، والعمل بالهجرة غير الشرعية والسيطرة على المصارف والسيولة، محذرًا جميع العائلات بمدينة صبراتة من الدخول إلى مناطق الاشتباك لأي ظرف، لأن الاشتباكات لا تزال مستمرة ولم تتوقف، نافيًا وجود اتفاق على أية هدنة، منوهًا بأنه «حال كانت هناك أي هدنة ستعلن عنها الغرفة».

وحول الأضرار المادية قال قريسيعه إن هناك عديد الأضرار المادية بوسط المدينة، أهمها تضرر مصرف الادخار وعمارة الإسكان والمصرف الأهلي، والمسجد العتيق والمجمع الإداري، كما تم قصف بعض منازل المواطنين ووضع قناصة في منطقة الآثار الرومانية.

«الكتيبة 48» والصادق الغرياني
على خلاف ما سبق دخل أيضًا اسم المفتي السابق الصادق الغرياني كأحد المحسوبين على الكتيبة 48، والتي بدروها نفت أيضًا ذلك، وقال مصدر عسكري إن الكتيبة 48 وقّعت على اتفاق لوقف إطلاق النار في مدينة صبراتة، على خلفية اجتماع مع لجنة مصالحة مكونة من أعيان المدينة والمدن المجاورة لإخراج العائلات من أماكن الاشتباكات.

فيما أشار المصدر العسكري بالكتيبة 48 في تصريحات إلى «بوابة الوسط» إلى أن «كتيبة الوادي (الطرف الآخر في القتال) لم توقع على الهدنة وتستمر في المماطلة؛ الأمر الذي يدعو للتخوف على سلامة المواطنين حال استئناف القتال».

وأضاف أن اتفاق الهدنة الذي يستمر 24 ساعة كان أحد مخرجات اجتماع لجنة المصالحة وليس بـ«طلب من المفتي السابق الصادق الغرياني كما جاء في بعض وسائل الإعلام»، مؤكدًا أن «الكتيبة 48 وكتيبة الشهيد أنس الدباشي لا تنتميان لأي تيار سياسي، وهما تتبعان حكومة الوفاق الوطني». وتابع: «ليس لنا علاقة بالمفتي السابق، ونرفض الجر باسمنا في أي تجاذبات أو مصالح أو أغراض سياسية، لأن حربنا ضد الإرهاب والتطرف في المنطقة».

تنديد دولي
الوضع الإنساني الذي شهدته المدينة دفع منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في ليبيا، ماريا فال ريبيرو، إلى التنديد باستمرار القتال، الذي أودى بحياة عديد الأشخاص بينهم مدنيون.

وقالت المسؤولة الأممية في بيان نشرته بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا: «أشعر بعميق الأسى إزاء استمرار القتال في المنطقة السكنية في صبراتة، مما أسفر عن وقوع عدد من الضحايا في صفوف المدنيين، وذلك بسبب استخدام أسلحة ثقيلة وبشكل عشوائي».

ودعت ريبيرو إلى «إيقاف الأعمال العدائية فورًا والامتناع عن استخدام الأسلحة بشكل عشوائي في المناطق السكنية، وزيادة التصعيد العسكري»، مذكرة بمسؤوليتهم في احترام أحكام القانون الإنساني الدولي والقانون الدولي لحقوق الإنسان في جميع الأوقات.

موقف وزارة الدفاع
إزاء ما سبق اكتفت وزارة الدفاع في حكومة الوفاق الوطني بالدعوة لوقف الفوري لإطلاق النار في صبراتة، معربة عن «استيائها البالغ ورفضها التام للاقتتال الدائر ما بين الأشقاء في مدينة صبراتة منذ الأسبوع الماضي».

وقالت الوزارة في بيان نشره مكتبها الإعلامي عبر صفحتها على موقع «فيسبوك»، إن القتال في صبراتة «تسبب في سقوط عدد من القتلى والجرحى وزعزعة الأمن بالمدينة»، وأعلنت أنها «لم تصدر تعليماتها لأي طرف كان لبدء هذا الاقتتال أو الخوض فيه وبأي شكل من الأشكال، وتطالب أطراف النزاع بالوقف الفوري لإطلاق النار وإنهاء كافة أشكال العمليات العسكرية بالمدينة تجنبًا لمزيد الدماء والدمار».

وزارة الدفاع في حكومة الوفاق الوطني تقول إنها «لم تصدر تعليماتها لأي طرف لبدء هذا الاقتتال أو الخوض فيه وبأي شكل من الأشكال»

وأشار البيان إلى أن «الاقتتال الدائر لن يحقق إلا تصعيدًا في حدة التوتر وعدم الاستقرار». وطالبت الوزارة «جميع الأطراف بضرورة تركيز جهودها المشتركة في فرض النظام»، وحملت «المسؤولية القانونية والأخلاقية للطرف الذي لا ينصاع لأوامر الوزارة بالوقف الفوري والتام لإطلاق النار في كافة المناطق بمدينة صبراتة».

داعش والهجرة غير الشرعية
وتأسست غرفة عمليات محاربة تنظيم الدولة (داعش) بصبراتة في مارس 2016، من قبل المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق، ويتكون معظم عناصرها من أفراد عسكريين نظاميين، وتنحصر مهمة الغرفة بملاحقة ورصد أي تحركات لتنظيم داعش في صبراتة وضواحيها.

بينما تعد كتيبة «أنس الدباشي» (العمو)، إحدى أكبر المجموعات أكبر الرئيسية المتهمة في الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين إلى أوروبا، ونقلت صحيفة «ذا صنداي تايمز» البريطانية في أول سبتمبر الجاري، عن الدباشي أنه أبرم اتفاقًا مع حكومة الوفاق الوطني في طرابلس لوقف تدفق المهاجرين إلى أوروبا.

كما نقلت تقارير غربية من بينها تقرير لصحيفة «كورييري ديلا سيرا» الإيطالية، عن عقد السلطات الإيطالية اتفاقًا مع أنس الدباشي تتضمن مكافحة قواته لقوارب الهجرة غير الشرعية المنطلقة من مدينة صبراتة، وإنشاء مركز إيواء بالمدينة مقابل تقديم دعم مالي إيطالي يقدر بخمسة ملايين يورو، غير أنّ الدباشي نفى تلك التقارير كما نفى التهم الموجهة إلى قواته بالتورط في تهريب البشر.

ولأهمية المدينة الاستراتيجية كانت «مصراتة» هدفًا رئيسًا لتنظيم «داعش» الذي حاول كثيرًا السيطرة على المدينة، ففي 10 ديسمبر 2015 أعلن التنظيم أن صبراتة إمارة إسلامية وعاصمة له في ليبيا، وفي 19 ديسمبر 2015، قام عناصر من داعش بتفجير مبنى الاستخبارات في المدينة مما أدى إلى إصابة شخصين، وفي 27 فبراير 2016 أعلن تحرير المدينة ونهاية داعش في صبراتة.

ومنذ ذلك التاريخ لا تزال خلايا التنظيم تسعى للعودة حيث تشير تقارير إلى أن التنظيم مازال يشكل خطرًا على المدينة التي يعتبرها موقعًا استرتيجيًا بالنظر إلى قربها من تونس، كما تُعتبر عصب المنطقة الغربية في الأراضي الليبية، وتضم منطقة مليتة الغنية بالغاز ومركز إنتاج الغاز.

المزيد من بوابة الوسط