أكاديمي ليبي: هل «خارطة سلامة» حبل النجاة أم الطريق إلى التهلكة؟

قال أستاذ العلاقات الدولية بجامعة تكساس الأميركية الدكتور إبراهيم هيبه، إن الليبيين لا يمتلكون خيارات كثيرة، أمام واقع سياسي واقتصادي واجتماعي سيئ جدا، وأكد تعليقا على خارطة الطريق التي وضعها المبعوث الأممي غسان سلامة، أنه ليس أمام الليبيين من ملاذ إلا القبول بها.

وأوضح الأستاذ الليبي في جامعة تكساس، لـ «بوابة الوسط» تعليقا على المبادرة الدولية الجديدة، أنه لا يرى «في ظل الوضع الراهن إمكانية الذهاب إلى الوضع الدائم، ولا مفر من فترة انتقالية جديدة»، لافتا إلى أن مبادرة سلامة وضعت خارطة طريق واضحة للوصول إلى المرحلة الدائمة.

الاتفاق السياسي الذي بنى على أساس ديمقراطية التوافق كان من الواضح جدًا أنه بني بآلية التعطيل المتبادل

واستعرض الأوضاع السابقة على خارطة سلامة ، قائلا: «إن المشهد السياسي الليبي أصبح أكثر تعقيدا من ذي قبل فالاتفاق السياسي الذي بني على أساس ديمقراطية التوافق كان من الواضح جدًا أنه بني بآلية التعطيل المتبادل التي جذبت الأطراف السياسية للتوقيع عليه، ولكن هذه الأطراف نفسها كانت غافلة عما سينتجه هذا الاتفاق من التزامات تقاسم السلطة».

وقال إن المبادرة الدولية الجديدة التي كان أحد بنودها فتح بنود الاتفاق السياسي وتعديله، قد تكون فرصة تاريخية لتعديل الاتفاق السياسي، لكنه قال «يجب ألا نتفاءل كثيرًا بنتائجه لأن هذا التعديل لن يكون سهلاً وسيأخذ وقتًا طويلاً، وإن تم سيتم تحت وطأة تأثيرات الدول الإقليمية والدولية».

وأشار د. إبراهيم هيبه إلى مبررات قبول خارطة الطريق الدولية، لكنه تحدث أيضا عن أنها ستواجه أربع تحديات عند تطبيقها، هي: عقبة إعادة النظر في الاتفاق السياسي وتعديله، وعقد مؤتمر للمصالحة الشاملة لكل الأحزاب والأطراف السياسية والاجتماعية دون استثناء، ثم الخروج بدستور يليق بالشعب الليبي ويضمن نجاح التجربة الديمقراطية، بالإضافة إلى إجراء انتخابات برلمانية جديدة.

وتنشر« بوابة الوسط» نص تعليق الدكتور إبراهيم هيبه على الوضع الليبي الراهن وتحديات تطبيق بنود المباردة الدولية لحل الأزمة الراهنة.

المبادرة الأممية تستحق التمعن ولا أري في ظل الوضع الراهن إمكانية للذهاب إلى الوضع الدائم ولا مفر من فترة انتقالية جديدة، ولكن يجب أن تضبط بضوابط هذه المرة..في الحقيقة أن المشهد السياسي الليبي اليوم أصبح أكثر تعقيدًا من ذي قبل بعد أن أدخل الليبيون أنفسهم بتشجيع وحث من أطراف إقليمية ودولية في اتفاق سياسي كان إطاره وروحه مبنيًا على أساس ديمقراطية التوافق، التي أعطت حق النقض الفيتو للأطراف السياسية المشاركة في الاتفاق السياسي في السلطتين التنفيذية والتشريعية وخلقت آليات للتعطيل في العمل التشريعي والعمل التنفيذي، ناهيك عن حصر إرادة الشعب الليبي في قلة قليلة لا تمثل الشعب الليبي تمثيلاً شاملاً وكافيًا.

هذا الاتفاق الذي دفع بالليبيين دفعًا للتوقيع عليه ولم يضمن في الإعلان الدستوري ولم تمنح الحكومة المنبثقة عنه الثقة من مجلس النواب وإنما فرض كأمر واقع من المجتمع الإقليمي والدولي ومن المليشيات الداعمة له كان من المتوقع أن يفشل هذا الاتفاق السياسي بسبب آليات اقتسام السلطة وآليات التعطيل الموجودة فيه على المستوى التشريعي والمستوى التنفيذي وعدم رضاء وتوقيع الأطراف الليبية كافة عليه وعدم مشاركة التيارات السياسية كافة فيه.

مبررات قبول خارطة سلامة
بعد مرور قرابة العامين اليوم على هذا الاتفاق وتردي الوضع الاقتصادي والسياسي والأمني في البلاد ووصول البلاد إلى مستويات متدنية جدًا قد تقود إلى حالة الانقسام والتشرذم والانهيار التام عين السيد غسان سلامة كمبعوث دولي جديد ليعطي نفسًا جديدًا لمحاولات الأمم المتحدة لإيجاد آلية لإخراج ليبيا من أزمتها،

في تقديري الليبيون في مأزق حقيقي ولم يعد أمام الليبيين الكثير من الخيارات

تقدم المبعوث الدولي بخارطة طريق جديدة تم الإعلان عنها في نيويورك بحضور عدد من الدول على المستوى الإقليمي وعلى المستوى الدولي. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل خارطة طريق المبعوث الدولي غسان سلامة ستكون حبل النجاة أم الطريق إلى التهلكة؟.... هل سيذكر الليبيون ذات يوم السيد غسان سلامة بخير أم سيذكرونه بشر؟

في تقديري الليبيون في مأزق حقيقي ولم يعد أمام الليبيين الكثير من الخيارات، فالاتفاق السياسي الذي بني على أساس ديمقراطية التوافق كان من الواضح جدًا أنه بني بآلية التعطيل المتبادل التي جذبت الأطراف السياسية للتوقيع عليه ولكن هذه الأطراف نفسها كانت غافلة عما سينتجه هذا الاتفاق من التزامات تقاسم السلطة.

وأحد أهم المخاطر في تقديري هي العجز عن آلية للخروج من آلية التوافق مستقبلاً لأن الأطراف السياسية لن تتنازل عن القدر من السلطة التي تحصلت عليه تحت أي ظرف من الظروف وبالتالي فإن المبادرة الدولية الجديدة التي كان أحد بنودها فتح بنود الاتفاق السياسي وتعديله قد تكون فرصة تاريخية لتعديل الاتفاق السياسي.

المبادرة الجديدة قد تكون فرصة تاريخية لتعديل الاتفاق السياسي

هذا التعديل الذي لا أتصور أنه يجب أن نتفاءل كثيرًا بنتائجه، لأنه لن يكون سهلاً وسيأخذ وقتًا طويلاً، وإن تم سيتم تحت وطأة تأثيرات الدول الإقليمية والدولية، ولن يكون للتأثير الشعبي الليبي تأثير كبير وآليات التوافق ستستمر في بنود وآليات وروح الاتفاق السياسي الجديد.

فالدول الإقليمية ستدافع بقوة بدعم حلفائها السياسيين في ليبيا من أجل ضمان قدر من السلطة وقدر من النفوذ السياسي، هذا الأمر سينعكس بشكل سلبي على مستقبل العملية السياسية في ليبيا وقد ينذر بفشل المرحلة القادمة.

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه ما هو الحل؟ هل هناك بديل آخر؟ هل الجيش الليبي قادر على حسم المعركة والسيطرة على البلاد؟ هل الشعب الليبي قادر على النزول إلى الشارع والحديث بصوت واحد؟

الليبيون لا يمتلكون خيارات كثيرة أمام واقع سياسي واقتصادي واجتماعي سيئ والقوى العسكرية النظامية منقسمة وغير منظمة

يبدو لي أن الليبيين لا يمتلكون خيارات كثيرة فهم أمام واقع سياسي واقتصادي واجتماعي سيئ جدا، والقوى العسكرية النظامية منقسمة وغير منظمة تنظيمًا جيدًا، بل أصبحت طرفًا في الصراع السياسي بعد أن أقحمت قياداتها نفسها بخطأ استراتيجي كبير في الصراع والمفاوضات السياسية، بدلاً عن التركيز على إعادة بناء وهيكلة الجيش وتوحيده وتقويته والالتزام بالواجب الأخلاقي، الذي من المفترض أن يقوم به الجيش وهو إعادة الأمن والاستقرار للبلاد والابتعاد عن التجاذبات السياسية.

اليوم في تصوري ليس أمام الليبيين بسبب عجز الجيش عن السيطرة على البلاد وحالة الانقسام السياسي الكبير والحاد وحالة الانهيار الاقتصادي والاجتماعي من ملاذ إلا القبول بخارطة المبعوث الدولي الجديد، وما من شك أن ليبيا بحاجة ماسة إلى الذهاب إلى المرحلة الدائمة،

ولكن هناك عقبات حالت ولا تزال تحول دون الانتقال إلى المرحلة الدائمة، وفي تصوري أن مبادرة السيد غسان سلامة وضعت خارطة طريق واضحة للوصول إلى المرحلة الدائمة، ولكن يشار إلى أن هناك عقبات كبيرة يجب أخذها في الاعتبار.

التحدي الأول
عقبة إعادة النظر في الاتفاق السياسي، وهذا تحدٍ كبير سيكلف الليبيين وقتًا وجهدًا، وسيكلفهم الذهاب إلى مرحلة انتقالية جديدة بعد الاتفاق على بنود التعديل قد تصل إلى سنة وفق خارطة الطريق، وفي تصوري وبكل أسف لا مفر من ذلك، ولكن يجب الالتزام بجدول زمني محدد وواضح.

التحدي الثاني
عقد مؤتمر للمصالحة الشاملة لكل الأحزاب والأطراف السياسية والاجتماعية دون استثناء أحد، إذ سيتم في هذا المؤتمر المكاشفة والمصارحة والتصالح والاتفاق على مستقبل ليبيا، وقد أشارت مبادرة السيد غسان سلامة إلى ذلك بشكل واضح، ولكن يبقى التحدي حول تحديد وتعريف الأطراف السياسية والاجتماعية التي تمثل كافة الشعب الليبي بشكل كافٍ ومرضٍ.

هذا التحدي ليس بالأمر الهين في ظل هذه الفوضى. كما أنه يجب تطبيق قانون العفو العام وإخراج المعتقلين السياسيين وإعادة المهجرين في الداخل والخارج ليشارك الجميع في التصالح ورسم مستقبل جديد لليبيين.

التحدي الثالث
الخروج بدستور يليق بالشعب الليبي ويضمن نجاح التجربة الديمقراطية، وفي تقديري أن مسودة الدستور الأخيرة التي تبنت النظام المختلط الذي بني على أساس مركزية السلطة التنفيذية، ومركزية السلطة التشريعية والمركزية الإدارية وتضمين ديمقراطية التوافق في روحه، وذلك بخلق آليات للتعطيل في الجسم التشريعي والجسم التنفيذي يجب إعادة النظر فيها بشكل كبير.

كما أرى من منطلق وطني، ضرورة تبني النظام البرلماني بدلا عن النظام الرئاسي أو النظام المختلط، وأن تكون السلطة التشريعية بنظام المجلس الواحد بدلاً عن نظام المجلسين، وتوزيع الدوائر والمقاعد النيابية بشكل أفقي متوازن إلى حد كبير بين طرابلس وفزان وبرقة، وليس بالضرورة بالتساوي ولكن بالتوازي للقضاء على المركزية الإدارية والمركزية السياسية.

بالإضافة إلى ضرورة تبني نظام حكم الأغلبية كنظام انتخابي جديد بدل من نظام التمثيل النسبي الذي تم تبنيه في السابق، وذلك لتفادي وصول المتطرفين الجهويين أو القبليين أو المؤدلجين أو أي نوع من أنواع المتطرفين.

التحدي الرابع
إجراء انتخابات برلمانية جديدة، وهي لا تشكل في رأيي تحديًا كبيرًا، إذ لو تم التغلب على التحديات الأولي التي أشرت إليها سيكون من السهل التغلب على كافة العقبات والتحديات الأمنية والتنظيمية التي يتطلبها إجراء انتخابات برلمانية جديدة.

المخاطر المحدقة بالمرحلة المقبلة
لكن ماهي أعظم المخاطر التي ستواجه الليبيين في المرحلة الانتقالية المقبلة ؟ في تقديري سكون الهجرة غير الشرعية أكبر خطر يواجه ليبيا اليوم و في المرحلة المقبلة، وليس الصراع السياسي أو الانهيار الاقتصادي.

إن مايقلقني كمتابع للمشهد السياسي الليبي عن قرب هو استيطان أعداد كبيرة جدًا من الأفارقة المهاجرين غير الشرعيين في ليبيا، وخصوصًا في الجنوب الشرقي والجنوب الغربي لليبيا، ويمثل هؤلاء الأفارقة في الأساس عوامل عدم استقرار في بلدانهم وبعد انهيار نظام القذافي وجدت دول الجوار كمالي والجزائر والنيجر وتشاد والسودان فرصة ذهبية للتخلص من عوامل عدم الاستقرار تلك بدفع الآلاف من الأفارقة المنتمين خصوصًا إلى القبائل البدوية المتنقلة التي تسكن الصحراء ومنطقة الساحل إلى الانتقال إلى ليبيا والاستقرار فيها.

وبالفعل أصبح هؤلاء (المهاجرون) اليوم جزءًا من الصراع والميليشيات المسلحة، لأن الأطراف السياسية وبدعم من بعض الدول الإقليمية والدولية وجدت في تلك القبائل الأفريقية مصدرًا ووقودًا مهمًا في الحرب الأهلية داخل ليبيا، وبالتالي كانت الاستعانة بهم في الحروب استراتيجية متبعة من كافة الأطراف المتنازعة بدعم وتنسيق من دول الجوار»

الأوروبيون يحاولون معالجة مشكلة الهجرة غير الشرعية على حساب ليبيا ومستقبلها وأمنها واستقرارها

والأوربيون لا ينكرون اليوم رغبتهم في توطين المزيد من الأفارقة في ليبيا بل لديهم رغبة حقيقية في إعادة الكثير من المهاجرين الأفارقة الذين عبروا البحر المتوسط وتوطينهم في ليبيا، ... بل إن الأوروبيين أشاروا في عدة مناسبات دولية وبشكل واضح إلى أنهم يسعون إلى بناء مستوطنات كبيرة للأفارقة في ليبيا تحت ذرائع مختلفة، فهم في الحقيقة يحاولون معالجة مشاكلهم على حساب الدولة الليبية ومستقبلها وأمنها واستقرارها.

ومن الناحية العقلانية، فإن الدولة الليبية غير معنية بتوطين المهاجرين غير الشرعيين في ليبيا بل إن من مصلحة ليبيا ومصلحة الدول العربية، وخصوصًا مصر مساعدة ليبيا والوقوف جنبها من أجل محاربة الهجرة غير الشرعية، ورفض أي مشروع أوروبي يسعى إلى توطين الأفارقة المهاجرين غير الشرعيين، سواء من أولئك الذين ينتمون إلى القبائل الأفريقية التي ترغب في الاستيطان في ليبيا، أو من أولئك الأفارقة الراغبين في الهجرة إلى أوروبا».

مايحرك السياسية الخارجية الأوروبية هو الرغبة الشديدة في توطين الأفارقة المهاجرين داخل ليببا

وهناك جانب مقلق ، وهو أن مايحرك السياسية الخارجية الأوروبية تجاه ليبيا هو رغبة الأوروبيين الشديدة في توطين الأفارقة المهاجرين داخل ليببا.. وأن حكومة الوفاق فتحت المجال للأوروبيين لتنفيذ أجندتهم، وهذا أمر مقلق آخر باتخاذ خطوات عملية لإعادة توطين الأفارقة في ليبيا.

وهنا يجب أن ينتبه الليبيون إلى أن تواطؤ حكومة الوفاق مع الأوروبيين مع الإقدام على مرحلة انتقالية جديدة سيكون تحديًا كبيرًا جدًا، وفي تقديري أن التحدي الأكبر هو مواجهة مخطط الأوروبيين في توطين المهاجرين غير الشرعيين في ليبيا الذي بدأ بالفعل.

وعلى الليبيين أن يدركوا أن من مصلحة الأوروبيين إطالة أمد الاتفاق السياسي وإطالة المراحل الانتقالية في ليبيا، وإيجاد حكومات ضعيفة هزيلة في ليبيا تخضع بشكل كامل لهم، وهذا الأمر تحقق في المرحلة السابقة بتعيين السراج على رأس المجلس الرئاسي، الأمر الذي يجب أن يؤخذ في الحسبان في المرحلة الانتقالية المقبلة عند اختيار أعضاء جدد في المجلس الرئاسي أو رئاسة الوزراء.

المزيد من بوابة الوسط