هل تنجح روسيا فيما عجز عنه اللاعبون الإقليميون؟

بزيارته اليوم الخميس إلى موسكو، يكون رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني، فائز السراج، ثالث مسؤول ليبي كبير يصل إلى العاصمة الروسية (موسكو) ليبحث مع مسؤوليها سبل خروج البلاد من أزمتها الراهنة، غير أن مراقبين توقعوا أن تؤتي هذه الرحلة بأثر سريع، كونها تتواكب مع توافق غربي على ضرورة الاستفادة من الدور الروسي في جمع فرقاء السياسة الليبية، بعدما أخفقت جهود دولية وإقليمية في تحقيق ذلك.

وتكتسب زيارة السراج إلى موسكو أهميتها من عدة عوامل، أبرزها أنها تأتي عشية الاشتباكات التي شهدتها العاصمة طرابلس، وكان من تداعياتها أن أظهرت القوى الدولية عناية واضحة بأهمية إخضاع الأجسام المسلحة للسلطة السياسية المنبثقة من الاتفاق السياسي، وكذلك تجديد رفضها أية محاولة للحسم العسكري، وتشديدها على أن الحوار هو السبيل الوحيد المتاح أمام الليبيين لبناء مؤسساتهم المستقبلية، وقبل ذلك فشل مساعي جمع السراج والمشير حفتر في القاهرة قبل أسبوعين.

زاخاروفا، حين قالت: «نسعى لأن تخرج ليبيا من الأزمة في أسرع وقت، وأن تصبح دولة مزدهرة من جديد تعتمد على مؤسسات حكومية قوية وجيش فعال وقوات لتطبيق القانون».

وفي سياق تداعيات اشتباكات طرابلس وحادثة إطلاق النار على موكبه، حظي رئيس حكومة الوفاق بمزيد من المؤازرة الخارجية التي تجلى آخرها في قول رئيس الوزراء الإيطالي باولو جنتيلوني- أمام اجتماع أمني ناقش تقريراً استخباراتياً حديثاً عن الأوضاع في ليبيا-:«إن الشجاعة التي يتحلى بها السراج حقيقة جديدة ومهمة»، وفق ما ذكرت وكالة الأنباء الإيطالية «آكي» الاثنين الماضي، وخلص رئيس الحكومة الإيطالية إلى أن «هذا لا يمحو هشاشة الوضح الليبي»، بل «يخبرنا بأن هناك أرضية يجب العمل عليها».

كما تأتي زيارة السراج إلى موسكو بعد نحو أسبوعين من حوارات منفصلة شهدتها القاهرة بين مختلف أطراف الأزمة الليبية، ووفق محللين سياسيين استطلعت وسائل إعلام غربية أراءهم، فإن زيارة السراج تعكس حقيقتين أولاهما: محاولة من جانب السراج للاستفادة من الدور الروسي المتنامي في تجاوز العقبات التي عاقت محاولات الحلحلة الأخيرة، وثانيهما: استعداد روسيا للتدخل الإيجابي من أجل التقريب بين الأطراف الليبية، عبر توظيف علاقتها المتميزة مع كل من رئيس مجلس النواب، وقائد الجيش حفتر، وكلاهما سبق له زيارة موسكو.

ويعزز تصريح أطلقته الناطقة باسم الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، هذا التوجه، إذ أكدت ضرورة التزام جميع الأطراف الليبية بمسار المفاوضات، كما نوهت إلى أن روسيا تتواصل مع أطراف سياسية مختلفة في ليبيا، وليس حفتر فقط، «من أجل أن تخرج ليبيا من الأزمة في أسرع وقت، وأن تصبح دولة مزدهرة من جديد تعتمد على مؤسسات حكومية قوية وجيش فعال وقوات لتطبيق القانون».

وقال الناطق باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، إن جدول أعمال الرئيس الروسي «لا يتضمن أي لقاء مع أي وزير ليبي»، موضحاً أن «موسكو تريد تشكيل حكومة مستقرة في ليبيا، يمكنها إطلاق عملية إعادة البناء».

وشدد بيسكوف على «أن روسيا مهتمة بأن تصبح ليبيا في نهاية المطاف دولة، وقد ساعدت نفسها بعد تدخل همجي من الخارج، الذي أدى إلى نتائج كارثية من حيث وجود الدولة الليبية ومستقبل الشعب الليبي».

وأضاف: «لذلك نحن مهتمون في ليبيا بإقامة سلطة قوية في أقرب وقت ممكن، والتي سوف تكون قادرة على البدء في عملية التعافي وإعادة بناء الدولة».

زيارة رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني فائز السراج موسكو ربما تكون مفصلية في مسار الأزمة، ومسيرة الاتفاق السياسي، بالنظر إلى الثقل الدولي الذي تمثله روسيا، والدور البارز الذي تلعبه، ما يعيد إلى الأذهان

الدور السوفياتي في المنطقة، واحتمال أن تتعامل رسيا مع ليبيا كورقة تضمها إلى جانب أوراقها في سورية ومناطق أخرى عندما يتعلق الأمر بجولات التفاوض حول المصالح الشاملة مع الولايات المتحدة، من ناحية، ومن ناحية أخرى، فإن المراهنة قوية على قدرة روسيا على تحقيق ما عجز عنه اللاعبون الإقليميون في تضييق الفجوة بين أطراف الأزمة الرئيسيين، وتحديداً بين رئيس حكومة الوفاق والقائد العام للجيش، وربما جمعهما معاً برعايته في وقت قريب، خاصة وقد وجهت موسكو رسائل طمأنة للطرفين، بتأكيدها على الحل السياسي، ودعم الجيش في الحرب على الإرهاب في الوقت ذاته.