حراك المجتمع المدني يجمد قرار الحاكم العسكري

شهدت مواقع التواصل الاجتماعي الليبية طوال الأسبوع حملة واسعة من قبل نشطاء المجتمع المدني ورواد هذه المواقع، ضد قرار الحاكم العسكري (أجدابيا - درنة) اللواء عبدالرازق الناظوري، رقم (6) لسنة 2017، الذي يمنع بموجبه النساء الليبيات دون الستين عامًا من السفر دون محرم.

وتصاعدت وتيرة الحملة حد اجتماع عدد من الناشطات باللواء الناظوري، اللائي ناقشن معه أبعاد وتداعيات القرار السلبية على الحقوق العامة، خاصة حقوق المرأة، وأعربن عن استيائهن منه وطالبن بمنحهن ترخيصًا بالتظاهر السلمي ضد القرار، ووفق المديرة التنفيذية لمفوضية المجتمع المدني بالحكومة الموقتة، عبير أمنينة، فإن الناظوري أبلغ الناشطات بأنه «جمّد القرار حاليًّا ووعد بإعادة النظر فيه».

وغطت الضجة الناجمة عن هذا القرار على غيرها من الأحداث السياسية والأمنية التي شهدتها البلاد، بما فيها حادثة إطلاق النار على موكب رئيس المجلس الرئاسي، فائز السراج بطرابلس الاثنين الماضي، وجلسات البرلمان الليبي وإنهاء نواب الجنوب مقاطعتهم لهذه الجلسات، وقبلها مخرجات اجتماع تونس الوزاري الثلاثي (مصر الجزائر تونس).

قرار الحاكم العسكري أحدث ردود فعل واسعة في أوساط المجتمع المدني، ربما لم يتوقعها كثيرون

قرار الحاكم العسكري أحدث ردود فعل واسعة في أوساط المجتمع المدني، ربما لم يتوقعها كثيرون، بما فيهم هو نفسه، وما زاد في ذلك هو تصريحه المتلفز الذي حاول فيه تقديم المبررات التي أوجبت اتخاذ القرار، وأتى برد عكسي وسّع دائرة الاحتجاج ضده حين قال إن القرار «اتخذ من أجل ليبيا»، مضيفًا «اكتشفنا قضايا لعدة سيدات ليبيات يتعاملن مع أجهزة مخابرات أجنبية»، بمعنى أنه وضع الشّريحة المستهدفة بالقرار في موقع الشبهة، واعتبر وفق تغريدات وإدراجات النشطاء المرأة الليبية «مشروع جاسوسة»، وتساءل النشطاء: لماذا تلصق هذه المخاوف بالمرأة وحدها؟ وهل سيزيل (المحرم) هذه المخاوف لمجرد مرافقته لها؟

وعلى الرغم من أن الناظوري حرص على القول «إن القرار لا دخل له بسياسة أو دين»، إلا أن متابعين للشأن الليبي لم يستبعدوا علاقة الإجراء بضغوط «سلفية» على خلفية الظهور البارز للسلفيين خلال الفترة الأخيرة، من التحريض على بعض الكتّاب بمبرر توجههم «العلماني»، إلى مصادرة حاوية الكتب عند بوابة المرج من قبل مجموعة «سلفية» ظهرت في شريط (فيديو) مسجل، وأخيرًا آراء وفتاوى الداعية المثير للجدل أسامة بن عطايا العتيبي التي أطلقها من بعض مساجد المنطقة وعبر التلفزيون، زد على ذلك وجودهم ضمن كتائب الجيش في الحرب على التنظيمات الإرهابية.

التراجع عن القرار يشكل أول نجاح ملموس لحراك المجتمع المدني في دفاع عن مبدأ حقوقي

ولكن هذا الاحتمال قد يبقى مرهونًا بما إذا كان في مقدور الحاكم العسكري التراجع عن قراره بإلغائه نهائيًا، أم بإبقائه في حكم المعلّق، وفي كلا الحالتين فإن التراجع عن القرار يشكل أول نجاح ملموس لحراك المجتمع المدني في دفاع عن مبدأ حقوقي مما يشجع هذا الحراك على النمو والاستمرار في الدفاع عن الحقوق المدنية، بل عن الدولة المدنية المنشودة في ليبيا الجديدة، ويعطي لموقعة «المحرم» شكل الفعل الاستباقي في مواجهة قوى ترفض مبدأ الدولة المدنية بمبررات «دينية» نتاج فتاوى قادمة من وراء الحدود، وهي مواجهة متوقعة في هذه المرحلة الانتقالية التي تمر بها ليبيا، ربما يحسمها مشروع الدستور قيد الإعداد عندما يحدد شكل الدولة ونظامها ومصدر تشريعاتها.

إلى ذلك فإن قرار منع النساء الليبيات دون الستين عامًا من السفر دون محرم طرح من جديد أيضًا السؤال حول حدود صلاحيات الحاكم العسكري، وأين الخط الفاصل بينها وبين صلاحيات الحكومة الموقتة الموجود في نطاقها، لا سيما أن بعض الأصوات رأت وجوب الفصل بين اللواء الناظوري كرئيس أركان يتبع القيادة العامة للجيش وكحاكم عسكري معين من قبل البرلمان باعتبار رئيسه القائد الأعلى للجيش، وهو الجهة التي عينته في هذا المنصب، أي بمعنى أن قراراته كحاكم عسكري لا تُنسب إلى القيادة العامة للجيش.

وتبقى وقفة المجتمع المدني ضد هذا القرار ونجاحها في الدفاع عن حقوقها المدنية التي مسها القرار مفصلاً مهمًا في حركة المجتمع المدني برمتها في ليبيا الجديدة.

المزيد من بوابة الوسط