في ذكراها السادسة « 17 فبراير» في مفترق طرق.. تأييد وتردد وحسرة!

يستعدّ الليبيون غدا للاحتفال بالذكرى السادسة لثورة 17 فبراير، التي أطاحت بنظام العقيد القذافي، الذي انقلب على النظام الملكي في البلاد في سبتمبر من عام 1969، وظل يحكم ليبيا مدّة 42 سنة. وفي العاصمة طرابلس بدأت مظاهر الاحتفال مبكرا، حيث اتخذت مديرية الأمن مجموعة من الإجراءات مستبقة الاحتفالات بإعلان اعتزامها غلق جميع الطرق المؤدية إلى ميدان الشهداء، كما منعت المديرية نصب الخيام وتركيب منصات في الميدان، وأوعزت باقتصار الاحتفالات داخل الميدان والحدائق المجاورة له حسب البرنامج المقدم من لجنة الاحتفالات، وطلبت مديرية العاصمة من الجميع التعاون مع رجال الأمن ولجنة الاحتفالات حتى تكون الاحتفالات في العاصمة منظمة وبأجمل صورة.

وتحل ذكرى ثورة 17 فبراير السادسة، في وقت تمرّ فيه ليبيا بمنعطف هو الأهم والأخطر تقريبا في تاريخها بعد اعلان الاستقلال في 24 ديسمبر عام 1951 ، إذ تشهد البلاد أزمة سياسيّة، فشلت معظم الجهود الاقليمية والدولية في حلحلتها حتى الآن بسبب تشدد أطرافها وعدم تقديم تنازلات من أجل البلاد، ما خلق تجاذبات وانقسامات بين عديد الليبيين ففي حين أكد المؤيدون للثورة أنها وضعت حدًا لأربعة عقود من حكم ديكتاتوري خنق الحريات وفكك مؤسسات الدولة العصرية، رأى المتمردون أنها سُرقت في كواليس المؤتمر الوطني العام على أيدي التكتلات ذات التوجه الديني، وأن ما يؤخذ عليها أنها كانت من دون قيادة، فيما ذهب الفريق الثالث «المتحسرون» إلى أن البلاد كانت تنعم باستقرار أمني على الرغم من معاناة المواطنين من ضعف المرتبات وهشاشة البنية التحتية.

ومع حلول الذكرى السادسة لثورة 17 فبراير التي أطاحت نظام العقيد معمر القذافي، وقف الحدث المثير للجدل في مفترق طرق التأييد والتمرد والحسرة، ففي حين أكد المؤيدون للثورة أنها وضعت حدا لأربعة عقود من حكم ديكتاتوري خنق الحريات وفكك مؤسسات الدولة العصرية، رأى المترددون أنها سرقت في كواليس المؤتمر الوطني العام على أيدي التكتلات ذات التوجه الديني، فيما ذهب الفريق الثالث «المتحسرون» إلى أن البلاد كانت تنعم باستقرار أمني على الرغم من معاناة المواطنين من ضعف المرتبات وهشاشة البنية التحتية.

ويرى الأستاذ الجامعي بلقاسم مسعود: «إن ثورة 17 فبراير كانت ثورة شعب بكل معاني الكلمة وأنها جاءت بدعوة أطلقت عبر مواقع التواصل الاجتماعي لوضع حد لعقود طويلة من الديكتاتورية المطلقة والتهميش ومحاربة الفكر وخنق الحريات والعبث بمقدرات الليبيين، وتعطيل مشاريع التنمية وفق سياسة ممنهجة».

مؤيدون: وضعت حدا لأربعة عقود من حكم ديكتاتوري خنق الحريات وفكك مؤسسات الدولة

وذكر بلقاسم من أسماهم بـ«المتباكين على النظام السابق» بإعدام الطلبة شنقا داخل الحرم الجامعي، والعبث بالمناهج الدراسية وعسكرة المؤسسات التعليمية، وملاحقة المعارضين السياسيين في عواصم العالم وتصفيتهم وضرب مؤسسات الدولة بما عرف بـ«الإدارة الشعبية»، ومحاصرة النخب والزج بهم في السجون أو إجبارهم على ترك وطنهم.

وغرقت ليبيا بعد الإطاحة بنظام معمر القذافي في فوضى أمنية بسبب رفض بعض التشكيلات المسلحة التي قاتلت النظام السابق تسليم أسلحتها وعرقلت جميع محاولات دمج «الثوار» إلى جانب بروز ميليشيات مسلحة لم تشارك في «الثورة» في جميع المدن والقرى، خاصة في العاصمة ومحيطها بعد أن استحوذت على الأسلحة التي تعمد النظام السابق نشرها في مختلف الأحياء السكنية وفي المدارس والمستشفيات في إطار استراتيجية مزدوجة الأهداف، قامت على حماية هذه الترسانة الضخمة من غارات حلف شمال الأطلسي في حالة استمرار النظام أو إغراق البلاد في فوضى أمنية في حالة سقوطه. وهذا ما حدث بالفعل.

أما الدكتور علي المسعودي (35 عاما–مدير شركة للتأمين الصحي في طرابلس وشارك في جبهات القتال للإطاحة بالنظام السابق) فقال إن الثورة كانت ضرورية، إلا أنه كما يعتقد تأخر وقتها كثيرا مما مكن النظام السابق من تفكيك النسيج الاجتماعي الليبي والقضاء على التعليم والصحة وضرب الثقافة الوطنية، الأمر الذي أنتج جيلا من الشباب يحملون شهادات في معظمها مزورة بعلم النظام استولوا على الأسلحة وقفزوا على ظهر الثورة لتشكيل عصابات إجرامية.

مترددون: سرقتها كواليس المؤتمر الوطني العام على أيدي التكتلات ذات التوجه الديني

وأضاف المسعودي أن «هؤلاء» برزوا على السطح بعد 20 أكتوبر 2011 تاريخ مقتل القذافي وهو التاريخ بحسب قوله الذي انتهت فيه ثورة فبراير التي قامت من أجل هدف واحد هو القضاء على النظام الديكتاتوري.
واتهم هذا «الثائر» السابق الذي ترك السلاح وعاد إلى عمله مباشرة، بعد الإعلان عن مقتل القذافي، المجلس الوطني الانتقالي برئاسة مصطفى عبدالجليل بالرضوخ لضغوط الجماعات الدينية المؤدلجة التي عرفت فيما بعد بـ«تيار الإسلام السياسي»، وأغرقت البلاد في الفوضى، بحسب قوله.

ويعتقد المتابعون للشأن الليبي أن الحكومات التي تعاقبت على الحكم في ليبيا فشلت في معالجة ملف الانفلات الأمني وانتشار الجماعات المسلحة وغرقت في الفساد، مما وضع البلاد بعد ست سنوات من رحيل النظام السابق على حافة الإفلاس، في حين أن احتياطي مصرف ليبيا المركزي تجاوز بحسب تأكيدات رئيس المؤسسة الليبية للاستثمارات الخارجية، عبدالمجيد بريش، في مقابلة سابقة مع جريدة «الوسط» قبل أن يقصيه قرار للمجلس الرئاسي، 300 مليار دولار في ديسمبر 2011، علاوة على مداخيل النفط في العامين 2012 و2013 حيث كان سعر البرميل يفوق 100 دولار وقتذاك.

ويرجع هؤلاء تعثر الثورة الليبية إلى عدة أسباب منها خصوصية النظام الذي أرساه العقيد القذافي ودور القبيلة والتحالفات القبلية فيه، والتدخل العسكري لحلف شمال الأطلسي الذي ضرب الجيش الليبي وفكك المنظومة الأمنية الليبية دون أن تكون له استراتيجيات واضحة لمرحلة ما بعد إسقاط النظام عن قصد أو من دونه، وتدخل دول الجوار ودول إقليمية أخرى كل حسب مصالحه الشخصية في الشأن الليبي، ودعم أطراف النزاع في المشهد الليبي بالسلاح والأموال الأمر الذي أجج الصراع وعقده.

فيما أعرب الصحفي الليبي محمد الرحيبي في اتصال هاتفي مع جريدة «الوسط» عن اعتقاده بأن الثورة الليبية هي حلقة في سلسلة مؤامرة لمرحلة ما بعد الحرب الباردة، مؤكدا أن الولايات المتحدة تعمل على إغراق ليبيا في الفوضى وتحويلها إلى دولة فاشلة لتبقى ممرا لـ«تسونامي» الهجرة غير الشرعية للضغط على أوروبا، وأعاد إلى الأذهان في هذا الخصوص ما جاء في كتاب «صدام الحضارات» الذي نشر منتصف تسعينات القرن الماضي والجدل الواسع الذي لا يزال يثيره إلى اليوم.

ويرى د. أحمد سليمان المناعي (38 عاما طبيب أسنان شارك في جبهات القتال للإطاحة بالنظام السابق) أن الثورة سرقت في كواليس المؤتمر الوطني العام على أيدي التكتلات ذات التوجه الديني والتكتلات المتشددة التي انقلبت على خيار الشعب الليبي في مناسبتين، الأولى عند إقصاء تحالف القوى الوطنية والثانية عند عرقلة الانتقال السلمي للسلطة إلى البرلمان الذي انتخبه الشعب الليبي وتشكيل ما عرف بقوات «فجر ليبيا» التي أغرقت البلاد في دوامة صراع دموي كانت نتيجته قوافل من القتلى والجرحى وتدمير البنى التحتية الهشة أصلا، وغلق النفط المورد الرئيسي للاقتصاد الليبي وتعطيل الدراسة في أكثر من مناسبة وإغراق البلاد في الظلام.

وتتنازع السلطة في ليبيا اليوم ثلاث حكومات هي «الوفاق» التي يدعمها المجتمع الدولي و«الموقتة» المنبثقة عن مجلس النواب، و«الإنقاذ» التي شكلها المؤتمر الوطني العام.

وتستند كل حكومة من الحكومات الثلاث إلى قوة عسكرية تدعمها؛ حيث قبلت حكومة الوفاق بشكل أو بآخر بسطوة بعض الميليشيات المسلحة خلافا للاتفاق السياسي المتعثر الموقع في الصخيرات، والذي تدعمه الأمم المتحدة وتسعى لتشكيل حرس رئاسي، وتواصل الحكومة الموقتة عملها من البيضاء تحت لواء الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر، فيما تعول حكومة الإنقاذ التي يتزعمها خليفة الغويل على قوات تشكلت حديثا تحت مسمى «الحرس الوطني» قامت أخيرا باستعراض للقوة في طرابلس يدعمها المفتي السابق الشيخ الصادق الغرياني.

متحسرون: البلاد كانت تنعم باستقرار على الرغم من المعاناة من ضعف المرتبات وهشاشة البنية التحتية

من جهته يؤكد مهندس الاتصالات إبراهيم العمراني أن الأهداف التي قامت عليها ثورة 17 فبراير تم القفز عليها بسبب الصراع على السلطة بين رأسين، أحدهما يؤمن إلى حد ما بقيام دولة المؤسسات والقانون وبناء الجيش والشرطة والمؤسسات الأمنية الأخرى، وتفكيك الميليشيات المسلحة مهما كانت أيديولوجيتها وانتماءاتها، ودمج عناصرها في مؤسسات الدولة المختلفة أو كأفراد في قوات الجيش والشرطة، في حين يسعى الرأس الآخر إلى إقامة دولة ثيوقراطية، وهذه الأخيرة يتنازعها تيار الإسلام السياسي الذي يهيمن عليه حزب العدالة والبناء، الذراع السياسية لجماعة «الإخوان المسلمين» وجماعة السلفية وتنظيمات متشددة أخرى.

وتساءل العمراني قائلا: «أين نحن اليوم من أهداف الثورة التي أعلنها المحامي والناشط السياسي الليبي عبدالسلام المسماري؟، الذي خرج في المظاهرات الأولى ضد نظام القذافي وطالب ببناء دولة مدنية وكان من المعارضين لسطوة الإخوان المسلمين والتنظيمات المتشددة الأخرى، والذي تم اغتياله في 26 يوليو 2013 بإطلاق النار عليه لدى خروجه من أحد مساجد بنغازي».

وللتذكير تتلخص هذه الأهداف في: بناء دولة ليبيا الموحدة الحرة المدنية كاملة السيادة، ووضع دستور يستمد شرعيته من إرادة الشعب وثورة 17 فبراير، ويستند إلى احترام حقوق الإنسان وضمان الحريات العامة، والفصل بين السلطات واستقلال القضاء وبناء المؤسسات الوطنية على أسس تكفل المشاركة الواسعة والتعددية والتداول السلمي الديمقراطي للسلطة، وحق التمثيل لكل فئات وشرائح الشعب الليبي والتأكيد على وحدة الشعب الليبي والتراب الوطني وتماسك نسيجه الاجتماعي، واحترام جميع الاتفاقيات والمواثيق الدولية أسوة بأعضاء المجتمع الدولي، وحماية وصيانة أرواح وممتلكات كل الموجودين على أرض ليبيا من مواطنين وأجانب.

لا شك أن معظم الليبيين على الرغم من تعثر الثورة حتى اليوم والمعاناة التي طالت كل أسرة ما انفكوا يؤمنون بغد مشرق لأن النظام السابق لم يكن بإمكانه الاستمرار أكثر من ذلك، نظرا لتفكيك مؤسسة الدولة وخنق جميع الحريات وقمع مؤسسات المجتمع المدني وهيمنة سلطة الفرد.

ومن هنا يتساءل المراقبون هل يبعث بيان اللجنة المصرية برئاسة رئيس الأركان المصري محمود حجازي المعنية بليبيا، الذي أعلن عن توافق بين رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج وقائد الجيش الليبي المشير خليفة حفتر، على العمل لإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية في موعد أقصاه فبراير 2018 اتساقا مع ما نص عليه الاتفاق السياسي الليبي، بعض الأمل بعد الإحباط الذي عم الشارع الليبي في أعقاب الإعلان يوم الثلاثاء عن فشل لقاء القاهرة بين السراج وحفتر.

المزيد من بوابة الوسط