العسبلي يروي لـ«الوسط» وقائع 120 يومًا من الاعتقال في سجن قرنادة

كيف استدرجه الخاطفون؟ وكيف وصف الأيام العصيبة داخل ظلمات السجن؟ وما الانتماءات الفكرية للسجانين، لاسيما بعد تعرفه على هوية بعضهم؟ وما نوع الأسئلة التي تلقاها من المحققين؟ وكيف تم إطلاقه بعد 120 يومًا قضاها رهن الاعتقال في سجن قرنادة؟ تلك الأسئلة وغيرها، رد عليها علي العسبلي في حوار مطول مع «بوابة الوسط».

وأكد الناشط الإعلامي، وهو أحد المدونين الثلاثة، الذين اُختُطفوا في مارس الماضي، أنه بات يمتلك عمرًا جديدًا بعد تحريره، ومع عودته إلى منزله بمدينة المرج، عاد بذاكرته إلى الوراء، مشيرًا إلى أن مسلحين اختطفوه من أمام منزله، وأودعوه سيارة نوع «شيفروليه»، بينما اُختُطف رفيقاه «الحواز» و«الميار» من بيوت الشباب بمدينة شحات.

تنفس العسبلي الصعداء، وفتح قلبه لـ«بوابة الوسط»، معبرًا عن الأيام العصيبة التي قضاها في سجن قرنادة، وأشار إلى أنه ذاق ألوانًا من التعذيب والإهانة في السجن، وأرجع فضل تحريره إلى «جهود قبلية» لعبت دورًا كبيرًا في عودته إلى منزله.

وقال العسبلي إنه حتى عودته إلى المنزل لم يعرف مطالب خاطفيه، أو يدرك الخطأ الذي ارتكبه ليلقى هذا المصير، لكنه ربط بين عملية اختطافه وبعض التدوينات التي كتبها على موقعي التواصل الاجتماعي «فيسبوك» و«تويتر»، خصوصًا ما يتعلق بقضايا الاختفاء القسري، التي تحدث في المنطقة الشرقية تحديدًا.

وأزاح العسبلي الستار عن تفاصيل ما تعرض له، بداية من عملية الاختطاف، إلى فرحة إطلاقه، مرورًا بأيام احتجازه التي بلغت 120 يومًا.

مساحة الزنزانة تزيد بقليل على مساحة قبر

صديق ثالث

يقول العسبلي إنه في تمام السادسة مساء يوم 28 مارس، تلقى اتصالاً هاتفيًّا من أحد الأصدقاء، الذي أخبره بأنه ينتظره مع صديق ثالث خارج المنزل، وبعد خروجه لتلبية النداء فوجئ بثلاثة أشخاص مجهولين، يرتدي أحدهم «جاكيت» عسكريًّا مموهًا، والثاني يرتدي جلبابًا، ويطلق لحيته، ورغم أنه لم يستطع تحديد ملامح الشخص الثالث، إلا أنهم هاجموه بقوة، وأغلقوا فمه وكبلوا ذراعيه من الخلف، وألقوه داخل سيارة، بعد أن ضربوه بمؤخرة البنادق التي كانوا يشهرونها.

 

وأضاف العسبلي: «فتشوني ذاتيًّا، إلا أنهم لم يجدوا معي إلا هاتفي، وبطاقة الهوية، وفي حين كانوا يظنون بأنني مسلح، قلت لهم إن سلاحي هو (الكلمة فقط)، لكن أحد الخاطفين الذي كنت أعرف شخصيته أمرني بالسكوت، فكانت هذه أول مرة أسمع فيها صوت الخاطفين».

 

ويشير العسبلي إلى أنه في البداية لم يعرف المنطقة التي اُحتجز فيها، لأن المسلحين نقلوه بسرعة البرق إلى مدينة البيضاء، وتخطوا كافة الحواجز والبوابات التي اعترضت طريقهم.

وتابع العسبلي البالغ من العمر 23 عامًا: «سألتهم عن الجهة التي ينتمون إليها، لكنهم رفضوا الرد على أي استفسار، فبادرت بالقول المهم أنكم لستم من (داعش) على خلفية أن أحدهم كان ملتحيًا، لكن أحد الخاطفين كشف عن اسمه صراحة لأسباب لا أعلمها».

لم تفارق علامات القلق وجه العسبلي، وهو يتحدث عن تلك التجربة المريرة، لكنه تغلب على ذلك حينما قال: «وقفنا عند أول نقطة في مدينة البيضاء، وكانت استراحة لأحد الخاطفين الذي أعرف شخصيته جيدًا، دلفنا إلى داخلها، وتبين لاحقًا أن الغرض من ذلك هو الحديث معي بشكل يميل إلى التحقيق، إلا أن هذا الشخص بدأ في تفتيش هاتفي، فعثر على صور لي في محاور القتال، حينما كنت أنقل الأخبار من هناك، كما عثر على بعض صور الشخصيات العامة المعروفة، ما جعله يعترف صراحة بعد تفتيش الهاتف بعدم وجود شيء يثير الريبة».

وأضاف العسبلي أنه سأل خاطفيه عن تلك الظروف التي مر بها، وكيف يلقى القبض عليه من دون أمر بذلك، أو استدعاء رسمي، ولم يجد الخاطفون مبررا لإقناعه بعملية الاختطاف. وظل الوضع على ما هو عليه في مدينة البيضاء لمدة يومين، تم خلالها اعتقال «الحواز» و«الميار» من بيوت الشباب بمدينة شحات، إلا أنه في صبيحة اليوم الثالث عاد الخاطفون بالعسبلي ورفيقيه إلى المرج على الحال ذاتها، و«أمام مقر القيادة العامة للجيش»، وقفت السيارة التي تقل المخطوفين لدقائق، وهم مكبلو الأذرع ومعصوبو الأعين، وفتح أحد الخاطفين الباب الذي يجلس إلى جواره العسبلي، فسمع الأخير صوت «فلاش كاميرا»، ما جعله يثق بأنه تم تصويرهم، فسأل: «هل ننزل من السيارة»، إلا أن الصوت جاء بالحظر. وبعد تلك الدقائق المعدودة أغلق أحدهم باب السيارة، لتخرج السيارة التي تقلهم من مقر القيادة، وتعود مجددا إلى البيضاء، دون أن يعلم أحد المصير الذي ينتظره.

مياه الشرب من المرحاض.. والطعام وجبتان لا تصلحان لإطعام أي آدمي

رصيد الأيام
من البيضاء بدأت فصول أصعب مراحل عملية الاختطاف، إذ بات العسبلي على يقين بأن رصيد أيام حياته أوشك على النفاد، لاسيما أنه تم اقتياده ومرافقيه إلى سجن قرنادة الذي وصف مرارا بسيئ السمعة، ويضيف العسبلي : «رغم أن عيوننا كانت معصوبة، وكانت أيادينا مكبلة، لكننا فطنا إلى أننا في قرنادة، فعندما أنزلونا من السيارة، أزالوا الغمامة والقيود، ففوجئنا بأننا أمام باب مفتوح، وقذف بي أحد الخاطفين حتى تجاوزته إلى داخل المكان، وسرعان ما تم إغلاق الباب بقوة، لأجدني في زنزانة صغيرة مظلمة، تنبعث منها روائح كريهة. كان الأمر مرعبا جدا، لم أستوعب الفكرة في البداية، ووضعت حراسة السجن سماعات قبالة أبواب الزنازين، ورفعوا صوتها إلى درجة كبيرة تحول دون إمكانية النوم على ذلك الفراش الذي لا تستطيع معرفة لونه من كثافة الأوساخ المتراكمة عليه، وكانت تلك أبشع طرق التعذيب النفسي، فلم يكن هناك حتى مياه للشرب، وكنا نضطر للشرب من المرحاض، الذي ندخله مرة واحدة في اليوم، ومرتين في أحسن الأحوال. أما الطعام فكان وجبتين غير صالحتين لإطعام أي آدمي».

وحول ما يدور داخل سجن قرنادة، وهوية القائمين بمهام الحراسة داخل السجن، يقول العسبلي: «كانت أصوات الصراخ والبكاء والضرب والتعذيب تسمع ليلا نهارا، إلى جانب صوت الإذاعة المعروفة بـ(مشكاة النبوة)، التي تعمل دون كلل طيلة الـ24 ساعة، حلقوا شعرنا 3 مرات، ولم نستبدل ملابسنا بأخرى طيلة 70 يوما، من دون قضية، أو السماح لذوينا بزيارة واحدة، أو الاتصال بنا على الأقل، كما لم يسمح لنا بتوكيل محام، لأنه لعدم وجود إذن نيابة من الأساس. كل شيء كان ممنوعا.

كانوا يقولون لنا إننا مردومون ومدفونون في هذا المكان، أهلكم لا يعرفون عنكم شيئا، لن تروا النور مره أخرى (نحن داسينكم، سوف تتعفنون هنا، سوف يتم تصفيتكم ورميكم في القمامة)، وغيره من العبارات النابية والسباب والشتائم والإهانات، التي كانت جزءا من التعذيب النفسي ، أما التعذيب الجسدي فلم يستعملوه معنا على الإطلاق، وفي الحقيقة لا أعرف سببا لذلك! على عكس بقية السجناء الذين يتم ضربهم بأنابيب المياه والعصي ومواسير الـ(بي بي آر)، وأسلاك الحديد.

وضعوني أمام مكيف لدقائق فكدت أتجمد وهددني المحقق بتحطيم رأسي

كانت أصعب تجربة هي وضع المسدس على رأسي أربع مرات، وإيهامي بأنهم سيقومون بقتلي»، ويضيف العسبلي: «بعد فترة اتضح لنا أننا لسنا في سجن قرنادة المدني ولا العسكري، بل كنا في سجن داخل سجن، لقد كنا في مقر إداري كان يستخدم كمبيت لمدير السجن السابق أيام عهد القذافي، تم الاستيلاء عليه وتحويله فيما بعد إلى سجن سري، ويقوم على إدارته مجموعة من العناصر الإسلامية الموالية للجيش وبعض السجناء المحكومين بجرائم قتل وقليل من العسكريين، ويترأسه ضابطان، وآخرون من مدينة شحات.

أنبوب حديدي
وفي وصفه للسجن، يقول العسبلي: «عندما ترى ذلك المبنى من الخارج لن تتصور أنه سجن تحدث فيه كل تلك الفظائع، فحينما تدلف قدماك إلى المدخل الكبير، تقابلك مساحة مخصصة لوقوف السيارات، وعندما تصل إلى الباب الداخلي تجد ممرا به مكتبين، ويقابلك مخزن ومطبخ، وكأن الأمر طبيعي جدا، عندما تدخل المطبخ تجد باب ألمونيوم صغير، وراءه بعد فتحه باب حديدي كبير خلفه السجن. مع النظر الأولى تجد حائطا مخضبا بالدماء، تعتليه آلة تعذيب بشعة، وهي عبارة عن أنبوب حديدي تعلق به الضحية من يديها، لإجبارها على الاعتراف بما يريد المحققون.

السجن يتكون من ثلاثة غرف صغيرة، و5 زنازين انفرادية، مساحتها تزيد على مساحة القبر بقليل، إلا أنها تستوعب 20 شخصا، ولوحظ أن جميع نزلاء السجن مخطوفون، وغير متهمين في قضية، ولا يخضعون لمحاكمة»، ويضيف العسبلي: «عشت 10 أيام في الزنزانة الانفرادية دون أن أعرف مصيري، فقررت أن أضرب على الطعام، طالبتهم بأني أريد معرفة مصيرنا المجهول، بعد مرور أربعة أيام من الإضراب سقطت مغشيا علي بعد أن خرجت من المرحاض، وفي نفس اليوم تم تغطية عيني وتقييدي وإخراجي من الزنزانة إلى مكان آخر داخل ذلك السجن الصغير، ليتحدث معي المحقق لأول مره».

قبل مقابلة المحقق للمرة الأولى منذ إيداعي في سجن قرنادة، والكلام على لسان العسبلي، وضعوني أمام مكيف لدقائق فكدت أن أتجمد، وبعدها تحدث معي المحقق بأسلوب جاف جدا وبنبرة تهديد، وقال لي إنني أستحق تكسير رأسي، وبدأ يضربني بيده على رأسي يخبط، وتابع قائلا: لدينا أدلة تثبت تورطك في التخابر مع دول أجنبية، وإن عقوبتك ستكون الإعدام، وإنهم سيلقون بك على قارعة الطريق. سألت المحقق عن أي تخابر يتحدثون، فأنا لم أسافر خارج البلاد طيلة حياتي إلا مرة واحدة، وكانت وجهتي فيها إلى مصر حيث زرتها لمدة 10 أيام فقط، فاتهموني بأنني عميل لأكثر من جهاز مخابرات».

استدرجوني من منزلي وضربوني بمؤخرة البنادق وقذفوا بي داخل سيارة

ضباط مخابرات
ويضيف: «بعد ذلك أعادوني إلى الزنزانة، وظللت أسبوعا وبعدها تم التحقيق معي عدة مرات من قبل أشخاص، تعرفت على بعضهم، وكانت الأسئلة تدور حول بعض الضباط والشخصيات والعائلات والوزراء والنشطاء الذين أعرفهم وعلاقتي بهم، وعدد المرات التي التقيت بهم فيها، وحجم قوتهم ومعلومات مفصلة عنهم، وكانت الأسئلة عن مواقفي التي انتقدت فيها الاختطاف والإخفاء القسري والقتل دون محاكمة.

كان متوسط زمن التحقيق في كل مرة ساعة تقريبا خلال عشر جلسات. تم استكمال التحقيق معي بعد 60 يوم تقريبا من الاعتقال وأجبروني على التوقيع على أوراق لا أعرف ماهيتها وأنا مغمض العينين، كانت أوراقا كثيرة ربما كانت أقوالي أو المحاضر أو تنازل على رفع قضية عليهم.. لا أعلم بالضبط».

في بداية شهر رمضان استطعت الاتصال بأمي مرة واحدة ولدقائق معدودة عن طريق أحد العسكريين الذين تعاطفوا معي، بعد ذلك سادت فترة ركود ورتابة في السجن، ولم نسمع فيها إلا أصوات الضرب والصراخ، حتى جاءنا مدير السجن في أحد الأيام، وقال لنا جهزوا أنفسكم ستخرجون غدا، وفي اليوم التالي تم محاصرة السجن من قبل أفراد مسلحين من أبناء عمومة أحد الخاطفين الذي أعرف شخصيته جيدا.

وقال لن تخرجوا من هنا إلا بعد إطلاق  أخيه الذي علمنا أنه قبض عليه من قبل جهاز مكافحة الإرهاب بعد نحو 20 يومًا من اختطافنا، إثر شكوى قدمها أهلنا، وتم التحقيق معه والاعتراف بتورطه في عمليات خطف وقتل بعد خمسة أيام من الخروج، والكلام مازال على لسان العسبلي، "تم استدعائي لأستلم أماناتي، وطلبوا مني الترويج لمظاهرة، تهدف إلى إسقاط حكومة الوفاق، فقلت لهم إنه لازال الوقت مبكرا، وأنا أحتاج لفترة نقاهة قبل العودة للنشاط مرة أخرى. ثم أطلق سراح رفيقي المخطوف بعد أن قدمنا تنازلا عن القضايا التي رفعناها لإطلاق سراحه، تحت ضغوطات قبلية، وهكذا تم إطلاق رفيقي.

المزيد من بوابة الوسط