الجنوب المستباح: منافذ ومهابط للتهريب وانتشار العصابات والجماعات المسلحة

في ظل غياب الدولة ومؤسساتها الأمنية والعسكرية على وجه الخصوص، يتحول الجنوب الليبي الممتد بين الحدود الجزائرية غربًا والحدود المصرية شرقًا، ومن تحتها حدود كل من السودان والنيجر وتشاد، إلى ساحة مفتوحة أمام نشاط عصابات الإجرام وتهريب السلع والبشر والسلاح، والتنظيمات المسلحة، من عناصر تنظيم «داعش» إلى حركات التمرد السودانية، وعلى رأسها الجماعات الدارفورية، التي بدأ ظهورها العلني في بعض مناطق الجنوب الليبي أمرًا مألوفًا من قبل سكان تلك المناطق.

وفي فبراير الماضي شهدت منطقة بوزريق القريبة من مدينة الكفرة مواجهات مسلحة بين كتيبة من الجيش الليبي مسنودة من أهل المدينة ومجموعة مسلحة تابعة لـ«حركة تحرير السودان»، جنوب المدينة بنحو 100 كلم، تكبدت فيها الأخيرة خسائر كبيرة، انسحبت إثرها من المناطق القريبة من المدينة التي كانت تتمركز فيها.

صحيفة «الانتباهة» السودانية كشفت أن القوات التي استهدفها الجيش الليبي تتبع حركتي «مني أركو مناوي»، و«العدل والمساواة»

وكشفت صحيفة «الانتباهة» السودانية في تعليق لها على تلك المواجهات، أن القوات التي استهدفها الجيش الليبي تتبع حركتي «مني أركو مناوي»، و«العدل والمساواة» السودانيتين، اللتين كانتا تتمركزان في مواقع قرب مدينة الكفرة جنوب شرق ليبيا.

وكان ليبيون من سكان مناطق الجنوب، ومسؤولون محليون اشتكوا من وجود مجموعات من متمردي دارفور يمارسون عمليات الخطف والسّطو وترهيب المواطنين.

للاطلاع على العدد (36) من «جريدة الوسط» اضغط هنا (ملف بصيغة pdf)

وفي تصريح لـ«الوسط» قال عميد بلدية الكفرة مفتاح بوخليل «خاطبنا الجهات الرسمية للمساعدة في تأمين المدينة، والتصدّي لمتمرّدي دار فور، ومكافحة الهجرة غير الشرعية دون جدوى».

غير أن خطورة الأمر، تجاوزت مسألة النهب والسرقة والسطو إلى تخوفات مبنية على وقائع على الأرض من أطماع تلك الجماعات في الوصول إلى حقول النفط، من ناحية، ومن ناحية أخرى تحويل ليبيا عبر جنوبها إلى مستودع للمهاجرين غير الشرعيين وسوق للتجارة غير المشروعة بأنواعها.

مهابط للطيران
وقال أعيان من مدينة سبها التقتهم «الوسط» وتحفظوا على ذكر أسمائهم لأسباب أمنية أن مدينتهم على سبيل المثال أصبحت ساحة للجريمة نتيجة وجود منظمات إجرامية في غياب الدولة وانتشار السلاح، في غياب أي شكل للدولة، وكشف هؤلاء وجود مهابط للطيران في المنطقة لا يعرف السكان ماذا تحمل الطائرات التي تحط فيها وتقلع منها.

أعيان من مدينة سبها كشفوا عن وجود مهابط للطيران في المنطقة لا يعرف السكان

وأضافوا أن هناك إغراقًا للمنطقة بالمهاجرين غير الشرعيين، بعلم الجهات الرسمية في دول المصدر، مشيرين إلى أن السلطات الأمنية للنيجر مثلاً تقوم بالإشراف على أمواج المهاجرين إلى غاية وصولهم منفذ (التوم) الحدودي مع ليبيا بحجة الخوف عليهم من قطاع الطرق.

وأوضح أحد أعيان سبها أن مهربي البشر من الأفارقة والليبيين يتقاضون مبلغ 800 دينار على المهاجر الواحد؛ حيث يتم استقبال المهاجرين لدى وصولهم في مستودعات، قبل أن يتفرقوا داخل الأراضي الليبية.

تمركز حركات دارفورية
وقال سكان من بلدة زلة اتصلت بهم «الوسط» إن عناصر مسلحة قادمة من إقليم دارفور توجد بالفعل جنوب البلدة، وهو ما أكدته مصادر سودانية، وفي السياق، ذاته أكد المركز السوداني للخدمات الصحفية أن حركات التمرد الدارفورية أعادت تمركزها في عدد من المناطق داخل الأراضي الليبية، في وقت عززت فيه تحالفها مع بعض القبائل المحلية في المناطق الليبية الغنية بالنفط، بعد طردها من منطقة الكفرة، مطلع العام الحالي.

ونقل المركز عن مصادر لم يسمها أن القوة السودانية «المتمردة» التي يقودها جابر إسحق ورجب جو، التي تتمركز بمنطقة زلة جنوب شرق طرابلس بنحو 750 كلم يصل عدد أفرادها نحو 1000 فرد، فيما يصل عدد المركبات التي بحوزتها نحو 110 عربات، بينما تتمركز في منطقتي أوباري والقطرون قوة أخرى يقودها جبريل إسحق بنحو 20 سيارة.

وكان الرئيس السوداني عمر حسن البشير أعلن خلال زيارته الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور في أول أبريل الماضي «إن دارفور صارت خالية من حركات التمرد، بعد أن أصبح المتمردون (مرتزقة) يحاربون في ليبيا وجنوب السودان من أجل (الدولارات)»، حسب تعبيره.

اهتمام أممي
وأثار وجود مسلحين من دارفور داخل الأراضي الليبية اهتمام الأمم المتحدة من خلال تقرير خبرائها المقدم إلى مجلس الأمن مطلع العام الحالي، الذي جاء فيه: «تلقى الفريق أدلة قوية على تورط جماعات دارفورية مسلحة في أوباري، لا سيما في الكفرة، وأفاد أشخاص من دارفور أُجريت مقابلات معهم بوجود أفراد مقاتلين من كل من حركة العدل والمساواة وفصيل جيش تحرير السودان بقيادة على كاربينو، فصيل ميني ميناوي».

ناطق باسم «الحركة الشبابية لتحرير السودان» في دارفور أكد وجود بعض قوات الحركة متمركزة داخل الأراضي الليبية

وفي حديث نشرته صحيفة «الحياة» اللندنية في فبراير الماضي، أكد ناطق باسم «الحركة الشبابية لتحرير السودان» في دارفور وجود «بعض قوات الحركة متمركزة داخل الأراضي الليبية»، غير أنه نفى مشاركة هذه القوات في القتال مع أي طرف ليبي.

وترجع علاقة الحركات المتمردة بليبيا إلى العام 2003، وهو العام الذي تأسست فيه وتلقت الدعم من نظام العقيد القذافي مقابل محاربة نظام البشير، ثم حاول القذافي الاستعانة بها في مواجهة الثورة ضد نظامه العام 2011.

مخاوف من تغيير ديموغرافي
ولفت المثقف الليبي، محمد عبدالمطلب الهوني، في حوار سابق مع صحيفة «الوسط» إلى أن «في الجنوب تقع دارفور الملتهبة وتشاد والنيجر وفيها ملايين من البشر يعانون المجاعة وشح الغذاء وهي كتل بشرية تتحرك في اتجاه الشمال. وقد وصلت طلائعها على خطين متوازيين، خط يستعمل ليبيا كمعبر لأوروبا وخط آخر اندمج في ميليشيات تقاتل بعضها بعضًا، والهدف هو الاعتراف بها كأمر واقع باحتلالها الجنوب الليبي، وقد بدأ الجنوب يتغير ديمغرافيًا وعرقيًا لمصلحة هؤلاء بفعل الهجرة».

ويشارك كثير من الليبيين رؤية الهوني، ويصفون تدفق المهاجرين والمسلحين نحو الجنوب الليبي كالقنابل الموقوتة التي ستنفجر لا محالة في شكل فوضى عارمة تتجاوز السياسة والأمن والاقتصاد، إلى النسيج الليبي الاجتماعي نفسه، وسيبقى الجنوب مستباحًا، إذا ما ظلت البلاد رهينة الانسداد السياسي وغياب الدولة بكل مؤسساتها.