القتال في سرت يدخل مرحلة حرب الشوارع

*التنظيم يواجه صعوبة في إنشاء موطن قدم جديد في ليبيا
وسط قصف من السماء والبر وربما البحر، تكبد تنظيم «داعش» في سرت خسائر فادحة، وأمام تضييق الخناق عليه، اضطرت عناصره إلى الانتشار فوق أسطح المباني السكنية، ما خلع على المعارك هوية حرب الشوارع، التي يتطلب حسمها بعض الوقت مقارنة بمعارك الجبهات، فيما يرى رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية، جوزيف دانفورد، أن التنظيم بات عاجزا أمام تقدم قوات عملية «البنيان المرصوص»، وأنه يواجه صعوبة في إنشاء موطئ قدم جديد له داخل ليبيا.

 سلاح الجو يخرج لتنفيذ ضربات محددة، وعدد الطلعات اليومية لا يقل عن ثلاث، بالإضافة إلى دخول الطائرة العمودية أخيرا في استهداف المواقع التابعة لتنظيم داعش

أما تقديرات مدير المكتب الإعلامي لعملية «البنيان المرصوص»، محمد هدية، فتشير إلى أن «داعش» لايزال محاصرا في منطقة تقدر مساحتها من 5 إلى 6 كلم، شكلها الهندسي أقرب إلى القطاع الدائري، مشيرا إلى أن أهم الأحياء التي يتحصن فيها التنظيم في سرت هي الحييين رقمي 1 و2، وقاعات واغادوغو، ومستشفى ابن سينا ومبنى جامعة سرت، وحول طلعات سلاح الجو ومدى مشاركته خاصة بعد انحسار المعركة داخل الأماكن السكنية، أكد هدية في تصريحات لوكالة «آكي» الإيطالية أن «سلاح الجو يخرج لتنفيذ ضربات محددة، وعدد الطلعات اليومية لا يقل عن ثلاث، بالإضافة إلى دخول الطائرة العمودية أخيرا في استهداف المواقع التابعة لتنظيم داعش»، لكنه أضاف أن العدد الكلي لعناصر تنظيم «داعش» وسط سرت في حدود 300 عنصر تقريبا، مازالوا يملكون سلاح الهاون ودبابة واحدة، بالإضافة إلى الأسلحة المتوسطة، ولا يملكون أسلحة ثقيلة.

وفيما يخص الأنباء المتداولة حول تدخل قطع بحرية فرنسية وأميركية ورسوها في ميناء سرت البحري، قال هدية: «هذا الموضوع عليه علامات استفهام كبيرة، أنا لا أنفيه ولا أؤكده، ولكن على من نشر الخبر أن يوضح تفاصيله وكيف تأكد من أن هذه القطع، إن كان الأمر صحيحا، هي قطع فرنسية أو أميركية»، على صعيد ذي صلة، قال مصدر عسكري في غرفة عمليات طوارئ سلاح الجو التابعة لقوات «البنيان المرصوص» إن غارات جوية نفذتها مقاتلات حربية الاثنين، استهدفت مجمع واغادوغو بالصواريخ، حيث سمع دوي القصف في ضواحي سرت.

وقال المصدر لـ«الوسط» إن الطائرات الحربية قصفت مواقع تنظيم «داعش» في العمارات السكنية بجامعة سرت، ومحيط ميناء المدينة حيث يتحصن مسلحون. وأشار المصدر إلى أن طائرة أخرى حلقت فوق المدينة لمراقبة تحركات عناصر التنظيم المحاصرين، بما في ذلك قطع التيار الكهربائي والإمدادات ومياه الشرب عنها.

الجنرال توماس والدهوسر: «لا أعلم ما إذا كانت الولايات المتحدة تمتلك استراتيجية كبرى محددة ضد داعش في ليبيا»

ورغم تأكيد القائد الجديد للقيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا «أفريكوم» الجنرال توماس والدهوسر أنه «لا يعلم ما إذا كانت الولايات المتحدة تمتلك استراتيجية كبرى محددة ضد داعش في ليبيا»، قال رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية، جوزيف دانفورد، إن هناك إشارات على أن الفصائل الليبية المتنافسة بدأت في الاندماج، في خطوة وصفها دانفورد بـ«التوجه الإيجابي لصالح المعركة في سرت».

ولفت دانفورد إلى تراجع أعداد مقاتلي التنظيم في المدينة إلى بضعة مئات فقط، دون توضيح أرقام دقيقة، وفيما يتعلق بالتعزيزات، التي تلقتها قوات «البنيان المرصوص» في المدينة، قال مصدر عسكري من غرفة عمليات القوات، إن دعما عسكريا وإمكانيات بالعتاد والذخيرة وصلت، الأحد، من كتيبة «الرواصد» بتاجوارء إلى محاور القتال بمدينة سرت.

وأضاف المصدر في تصريح خاص إلى «الوسط»، أن أعدادا كبيرة من الكتيبة «الرواصد» بتاجوارء وصلت أيضا إلى محاور القتال بسرت لدعم القوات المشاركة في القتال ضد تنظيم «داعش»، وفي أعقاب تلك التعزيزات، قال المركز الإعلامي إن قوات «البنيان المرصوص» عثرت على مقر «راديو التوحيد» الخاص بتنظيم أنصار الشريعة، الذي كان أحد المراكز الإعلامية التابعة لتنظيم «داعش» أثناء عملية تمشيط واسعة للمناطق التي سيطرت عليها موخرا في مدينة سرت. وأوضح أن عناصر «داعش» حاولت إخفاء معالم المكان بإضرام النار فيه قبل دحرها منه، مشيرا إلى أن المقر كان يضم استوديو للبث المباشر وآخر للتسجيل، ومخزن معدات اتصال، ومكتب برمجة.

عدد الشهداء في صفوف القوات المشاركة في العملية منذ انطلاقها يبلغ 270 قتيلا، وأكثر من 1500 جريح حتى الآن

وعلى صعيد خسائر «البنيان المرصوص»، قالت مصادر طبية إن عدد الشهداء في صفوف القوات المشاركة في العملية منذ انطلاقها يبلغ 270 قتيلا، وأكثر من 1500 جريح حتى الآن، فيما جهز مستشفى معيتيقة قسما خاصا لاستقبال جرحى ومصابي العملية، وفقا لوكالة الأنباء الليبية - طرابلس. وأكد مدير إدارة العلاج بالداخل، محمد التائب، أن تجهيز قسم الجراحة والعناية الفائقة جرى بالتنسيق مع فريق معالجة أزمة طرابلس لتخفيف العبء على مستشفى مصراتة المركزي والمستشفيات الميدانية. وأضاف التائب أن الإدارة أبرمت عقودا مع عدد كبير من الأطباء بمختلف التخصصات والعناصر الطبية المساعدة والفنية ذات الكفاءة العالية.


.. سيناريوهات ما بعد «داعش»
إزاء ما سبق، تتأهب مدينة سرت لاستقبال مصير متوقع بعد تحريرها من تنظيم «داعش» الإرهابي، ففي حين بات انتزاع جذور التنظيم وشيكا على أيدي قوات عملية «البنيان المرصوص»، تشير توقعات أوروبية، نقلتها وكالة «رويترز» إلى أن تحرير المدينة كلية من الإرهاب، سيتمخض عن 4 نتائج على الأرض، أولها: تشجيع قوات الفريق أول ركن خليفة حفتر على التقدم باتجاه المدينة المخلاة من «داعش»، ثانيا: خسارة قاعدة رئيسة للتنظيم في ليبيا، كان يروج أنها قاعدة التنظيم الكبرى في شمال أفريقيا، ثالثا: مزيد من الاقتتال بين فصائل مختلفة في المدينة، رابعا: هروب عناصر التنظيم إلى الجنوب، ووضع نواة جديدة للمقاومة هناك، وفي السياق ذاته، أشارت التوقعات ذاتها إلى تهديد معركة سرت مع التنظيم الإرهابي مستقبل الوحدة السياسية بين الأطراف المتحاربة في ليبيا، باعتبار أن تلعب الانقسامات دورا بارزا حال سيطرت إحدى أكثر الكتائب قوة على المدينة التي تمثل مكسبا كبيرا.

ونقل تقرير الوكالة البريطانية عن ماتيا توالدو، الخبير في الشأن الليبي بالمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، أن تحرير سرت على يد عملية «البنيان المرصوص»، ربما يشجع حفتر على التقدم، ويشجعها على مقاومة الضغط من أجل الوصول إلى تسوية، لكنه قال إن «تحرير سرت يمكن أن ينذر بمزيد من الاقتتال بين فصائل مختلفة»، واصفا غياب العنف نسبيا في الوقت الحالي بليبيا «هش للغاية» في العديد من المناطق وقد ينهار تحت وطأة الضغوط المتعددة.

تحرير سرت على يد عملية «البنيان المرصوص»، ربما يشجع حفتر على التقدم، ويشجعها على مقاومة الضغط من أجل الوصول إلى تسوية

وأشار تقرير الوكالة إلى اقتراب القوات الليبية من الانتصار في معركة السيطرة على معقل التنظيم الإرهابي في سرت، لكنه أبرز التخوف من حدوث انقسامات بشأن مستقبل السيطرة على المدينة عقب دحر «داعش»، لافتا إلى أن حكومة فائز السراج في طرابلس هي السبيل لتوحيد الفصائل كافة، ونقلت الوكالة عن محمد يوسف أحد مقاتلي عملية «البنيان المرصوص» في سرت قوله: «لا نحصل على أي شيء من حكومة الوحدة. من المفترض أنها معركة من أجل ليبيا، ولكن مصراتة تقودها بنسبة 70%، إذا لم يتغير أي شيء فسيحين وقت السراج. ربما يحقق نجاحا.. ولكن إذا لم يتغير شيء؟»، في إشارة واضحة إلى مدى التعويل على دور فائز السراج لتوحيد القوى الليبية.

وألمح التقرير إلى أن قرب نجاح حملة تحرير سرت التي بدأت قبل شهرين، قد تمنح قادة عملية «البنيان المرصوص» أفضلية على الفريق أول ركن خليفة حفتر، الذي رفض مع قادة آخرين في الشرق حكومة السراج. وبينما بين التقرير الخلاف الواضح بين طرفي الخلاف المتمثلين في قوات «البنيان المرصوص» وقوات الفريق أول ركن خليفة حفتر.

وأشار إلى دور إبراهيم الجضران أحد المقاتلين السابقين الذي تقع قاعدته قرب سرت وتسيطر كتائبه التي تحرس المنشآت النفطية على ميناءي رأس لانوف والسدرة النفطيين الرئيسين المهمين، والذي يجد نفسه محاصرا بين الطرفين السابقين، وميدانيا، تطرق التقرير إلى تطويق قوات «البنيان المرصوص» لمسلحي «داعش» الباقين في وسط سرت، بينما يقول قادة، بعد السيطرة على مناطق سكنية قرب وسط المدينة، إن ما يصل إلى 300 متشدد قد يكونون باقين في منطقة صغيرة تضم قاعة مؤتمرات واغادوغو ومستشفى وجامعة.

بعض قادة ومقاتلي التنظيم ربما فروا إلى الجنوب عن طريق التهريب باستخدام الصلات بين التنظيم وجماعة بوكو حرام

خسارة سرت ستحرم تنظيم «داعش» من قاعدة رئيسة في ليبيا كان يروج لها باعتبارها موطئ قدم له في شمال أفريقيا. وكان مسؤولون أميركيون قدروا أوائل العام الجاري أن هناك ستة آلاف من مقاتلي «داعش» في ليبيا.

وقال محمد جنيدي مسؤول المخابرات بـ«عملية البنيان المرصوص» إن بعضا من قادة ومقاتلي التنظيم ربما فروا إلى الجنوب عن طريق التهريب باستخدام الصلات بين التنظيم وجماعة بوكو حرام التي تتخذ من نيجيريا قاعدة لها، لافتا إلى أن بعضا من قادة التنظيم ربما تحركوا جنوبا ليصنعوا جيبا للمقاومة.

وأشار جنيدي لـ«رويترز» إلى أنه بغض النظر عن نتيجة معركة سرت، فقد عززت بالفعل أنهم يستحقون أن يكون لهم نفوذ أكبر خاصة على الفريق أول ركن خليفة حفتر، الذي يعتبرون أنه يفتقر للشرعية، منوها بأن قوات «البنيان المرصوص» تريد ما تستحقه، وأن المجتمع الدولي عليه أن يتعاون مع من يريد بناء ليبيا بحق، معتبرا أنه «لن يكون ثمة مكان لحفتر في الجيش الليبي ولا بعد مئة عام».

المزيد من بوابة الوسط