لماذا تخزن بولندا دم الحبل السري؟

عالم الأحياء كشيستوف ماخاي يظهر عينات من الخلايا الجذعية المحفوظة في البنك البولندي لدم الحبل السري في وارسو في 26 نوفمبر 2019 (أ ف ب)

أصبحت بولندا بمثابة حارسة الخلايا الجذعية في أوروبا، التي تشكل عنصرًا أساسيًّا في علاج قادر على الشفاء من ابيضاض الدم (اللوكيميا)، لكنه يثير آمالًا مفرطة.

ويضم مركز في ضاحية وارسو مئات آلاف الخلايا الجذعية الآتية من سائر أنحاء أوروبا، والموضوعة داخل حاويات فولاذية ضخمة، حيث تُغطس في بخار النيتروجين السائل على حرارة تقل عن 175 درجة مئوية، وفق «فرانس برس».

وهذه الخلايا الموجودة في الدم المسحوب من الحبل السري للمواليد الجدد عند الولادة، قد تساعد في الشفاء من أمراض خطيرة في الدم كاللوكيميا والليمفوما والورم النخاعي، إضافة إلى أمراض وراثية وحالات الضعف في جهاز المناعة.

وفي بولندا، البلد الذي يضم نسبة كبيرة من المسيحيين الكاثوليك، من غير الوارد الاستعانة بخلايا جذعية جنينية في ظل المشكلات الأخلاقية المترتبة عن هذه التقنية المتفلتة من الضوابط.

وأصبح بنك دم الحبل السري البولندي الرائد في أوروبا في هذا المجال، إثر إفلاس شركة «كريو - سايف» السويسرية في مطلع 2019. وتحتل هذه المؤسسة المرتبة الخامسة عالميًّا بحسب مديريها، بعد مؤسستين أميركيتين وأخرى صينية ورابعة مقرها في سنغافورة.

ومنذ عملية الزرع الأولى لدم الحبل السري في فرنسا سنة 1988، شهد القطاع تطورًا كبيرًا ما أثار آمالًا قوية.

تأمين صحي
وتشهد تيريزا برشيبوروفسكا والدة الفتى ميخال (9 سنوات)، على هذا الأمر. وتشير رئيسة الشركة في شمال شرق بولندا هذه إلى تشخيص إصابة ابنها باللوكيميا اللمفاوية في سن الخامسة ما يستوجب إخضاعه لزرع للنخاع العظمي.

والواهب الأكثر ملاءمة لهذه العملية هي طفلتها الصغرى ماغدالينا. إذ أودع الوالدان عند ولادتها كيسًا من دم الحبل السري في البنك المخصص لهذا السائل في وارسو. إلا أن الكمية الموجودة لم تسد حاجة ميخال، لكنها كانت كافية لسحب نخاع العظم.

وبنتيجة ذلك، «بات ميخال اليوم فتى بكامل صحته العقلية والجسدية»، بحسب الوالدة. وأصبح زرع دم الحبل السري بديلًا لزرع نخاع العظام في حال عدم توافر واهب، مع خطر مضاعفات أدنى.

وتشبه الخلايا الجذعية المتأتية من دم الحبل السري تلك الموجودة في نخاع العظم، وهي قادرة على إنتاج كل خلايا الدم من كريات حمراء وصفائح دموية وخلايا جهاز مناعي. وفي حال الاستخدام، يجري تركيزها ثم حقنها للمريض. وفور نقلها، هي تنتج كريات بيضاء وحمراء وصفائح دم جديدة.

طالع: أول تجربة سريرية لزرع خلايا جذعية مستحثة بالعمود الفقري

وفي مختبر بنك دم الحبل السري في وارسو، «كل حاوية تخزن عشرة آلاف جيب الدم، بانتظار استخدامها بأمان في المستقبل»، وفق رئيس هذه الوحدة كريشتوف ماخاي لوكالة «فرانس برس».

وفي المحصلة، يضم هذا البنك نحو 440 ألف وحدة تخزين من هذا النوع، من دون احتساب تلك العائدة لـ«كريو - سايف» التي استحوذت عليها المؤسسة البولندية بعيد إفلاسها العام الماضي في إطار اتفاق «دعم» بين الجانبين.

وفي حال الحاجة، يكون دم المريض «جاهزًا للاستخدام من دون الحاجة إلى البحث عن واهب متجانس وإجراء كل الفحوص اللازمة».

وللعائلات التي دفعت ما يقرب من 700 دولار في بادئ الأمر، إضافة إلى اشتراك سنوي تقرب قيمته من 140 دولارًا للحفاظ على الخلايا لفترة تقرب من عقدين، هذه الخطوة أشبه بالتأمين الصحي، وهي تثير آمالًا بعلاج أسرع وأكثر فعالية في حال دعت الحاجة.

لكن الباحثين يحذرون من الاسترسال في الآمال الكاذبة التي يولدها هذا القطاع الذي يدر أرباحًا بالمليارات.

مستحضرات تجميل
ويصف الأخصائي في أمراض الدم فيشلاو يدرشيتشاك، الرائد في زرع نخاع العظم في بولندا، المروجين لمثل هذه العلاجات بـ«بائعي الأمل» الذين «يقطعون وعودًا يستحيل تحقيقها إما لأنها غير واردة في المستقبل القريب أو لأسباب بيولوجية».

وهو يشبه هؤلاء بمصنعي مستحضرات التجميل الذين «يعدون بأن المسحوق الذي ينتجونه قادر على تصغير الزبونة عشرين عامًا».

أُجريت دراسات كثيرة بشأن استخدام هذه الخلايا الجذعية في معالجة أمراض أخرى، خصوصًا تلك العصبية. إلا أن هذه الجهود البحثية لم تصل إلى نتيجة حاسمة بعد، بحسب شبكة «يورو ستيم سل» العلمية.

ويقول خبير أمراض الدم الأميركي روجر مروفييك، مدير المختبر السريري لبرنامج دم الحبل السري «فيتالانت» في نيوجيرزي، «ثمة قائمة بنحو ثمانين مرضًا، يمكن أن تقدم الخلايا الجذعية علاجًا شافيًا منها. لكن في وضع الطب الحالي، تقتصر فعاليتها على نحوالى اثني عشر مرضًا منها اللوكيميا والشلل الدماغي».

ويضيف: «ثمة كلام غير دقيق يجري تسويقه أحيانًا مفاده بأنه في الإمكان استخدام هذه الخلايا في محاربة باركنسون والزهايمر والسكري».

كذلك تحذر «يورو ستيم سل» من بنوك الدم الخاصة التي «تروج لنفسها لدى الأهل لكي يدفعوا أموالًا لتجميد دم الحبل السري لطفلهم (...) لاستخدامه لاحقًا».

وتؤكد الشبكة أن «دراسات أظهرت أنه من المستبعد بشدة أن يتم استخدام دم الحبل السري يومًا لطفلهم»، لأن ذلك يعني إعادة المرض عينه إلى الجسم.

وتعتمد بلدان عدة مثل فرنسا وبلجيكا، مقاربة حذرة وهي تمنع تخزين دم الحبل السري لغايات شخصية، خلافًا لأكثرية بلدان الاتحاد الأوروبي.

المزيد من بوابة الوسط