«بوينغ» في مأزق رسائل موظفيها عن «الغرور» و«خفض التكاليف بأي ثمن»

موظف في «بوينغ» خلال تجميع طراز 737-ماكس في رنتون بواشنطن، 27 مارس 2019 (أ ف ب)

رسمت سلسلة رسائل محرجة بين موظفي بوينغ، رفع النقاب عنها الخميس، صورة غير لائقة عن صانع الطائرات، وكشفت عن ثقافة داخلية يطبعها «الغرور» والحرص على خفض التكاليف بأي ثمن.

وأظهرت الرسائل التي اتصفت غالبا بنبرة لاذعة أنّ الصعوبات الحالية التي يعاني منها صانع الطائرات تذهب أبعد من أزمة طراز 737 - ماكس، وذلك من خلال تسليط الضوء على أوجه خلل لا يمكن تصورها داخل مجموعة تصنّع طائرة الرئيس الأميركي «إير فورس وان»، وفق «فرانس برس».

وتفيد الرسائل بأنّ بوينغ قللت من أهمية «نظام تعزيز خصائص المناورة» بغية تجنب تدريب الطيارين على جهاز محاكاة يعدّ مكلفا ومن شأنه إطالة مهلة الحصول على إذن فدرالي لاعتماد طراز «ماكس». وهذه البرمجية تحديدا هي التي تسببت بتحطم طائرتي «ليون إير» والخطوط الجوية الإثيوبية، في حادثتين أسفرتا عن مقتل 346 شخصا وأدتا إلى منع الطائرات من طراز «ماكس» من التحليق.

وبعد أشهر من ذلك، تباهى موظف يعمل كطيار تجارب بأنّه «أتاح (لبوينغ) توفير الكثير من الدولارات». وأدرجت هذه الرسائل في ملف من نحو مئة صفحة يشتمل على وثائق يتراوح تاريخها بين 2013 و2018، أرسلته بوينغ إلى البرلمانيين الأميركيين. وجرى حذف أسماء المعنيين، مع بعض الاستثناءات.

تكلفة منخفضة
في عام 2018، أبدى عدد من العاملين على أجهزة محاكاة الطيران المخصصة لطراز ماكس قلقهم حيال عدة صعوبات تقنية يواجهونها. وكتب أحد الموظفين في رسالة في فبراير، أي قبل ثمانية أشهر من المأساة الأولى «هل تضع عائلتك على متن جهاز (مماثل)؟ أنا، لن أفعل ذلك». وأجابه زميل له بـ«لا».

كذلك، أبدى موظفان آخران خشيتهما من التداعيات على صورة بوينغ، في وقت يبدي المسؤولون بحسبهما هوسا بفكرة تدارك التأخير الحاصل عن طائرة «إيه 320 نيو» التابعة لإيرباص المنافسة. وتأسّف أحدهما لأنّ «كل رسائلهم (المسؤولين) لا تتحدث سوى عن احترام المهل الزمنية وقلما تشير إلى النوعية». وتابع زميل له «وضعنا أنفسنا في هذا المأزق، عبر اختيار متعهد ذي تكلفة منخفضة وعبر فرض مهل زمنية لا يمكن تحملها. لماذا فاز المتعهد الأقل تكلفة وخبرة بالعقد؟ ببساطة لأن المسألة كانت تدور حول التكلفة».

وحذّر روبرت كليفورد، محامي عائلات ضحايا الطائرة التابعة للخطوط الجوية الإثيوبية، من أنّ «تقديم تبريرات لن يكفي».

مهزلة
وتظهر الوثائق أيضا تشكيك موظفين في بوينغ بكفاءة مهندسي المجموعة. وكتب موظف في سبتمبر 2016 أنّ «هذه مهزلة»، في إشارة إلى طراز «ماكس». وقال إنّ «هذه الطائرة سخيفة». وندد آخر في أبريل 2017، بـ«تصميم سيء». ويأتي ذلك بعدما جسدت بوينغ لعقود معايير متقدمة على صعيد الهندسة. وسبق للمجموعة أن قدمت طائرة 747 الموصوفة بـ«ملكة السماء»، بالإضافة إلى مساهمتها في برنامج «أبولو» الذي أرسل أول إنسان إلى القمر. وتمثل المجموعة وشبكة متعهديها عملاقا في الاقتصاد الأميركي.

وكتب موظف في مايو 2018 «إنّها أزمة ثقافة. سيتطلب الأمر ما بين 5 أعوام و12 عاما على الأقل لتغييرها». وبعد نحو شهر، رأى آخر أنّ الأزمة «بنيوية»، مضيفا «لدينا فريق إداري لا يفهم كثيرا بالصناعة ولكنه يفرض علينا أهدافا» غير واقعية. كما انتقد واقع أن البعض «لا يخضعون للمحاسبة». ويعتبر مايكل مرلوزو، الخبير لدى «إير انسايت ريسرش» أنّ «بوينغ بحاجة إلى إعادة النظر بثقافة عملانية تعود إلى زمن آخر».

وقال المدير التنفيذي بالنيابة غريغ سميثفي رسالة بعثها الجمعة إلى الموظفين إنّ «هذه الوثائق لا تعكس أفضل ما لدى بوينغ. نبرة الرسائل ولغتها غير لائقتين، خاصة حين يتعلق الأمر بإشكالات بهذه الأهمية».

وتتناول الرسائل أيضا هيئات تنظيم الطيران، بدءا من إدارة الطيران الفدرالية الأميركية التي صادقت على طراز «ماكس». وسخر موظف في فبراير 2016 من أنّ «ليس ثمة يقين بأنّ الإدارة الفدرالية تفهم ما تصادق عليه». كما أنّ طلبات شركات الخطوط الجوية ينظر إليها على أنّها غير عقلانية.

وكتب موظف في يونيو 2017 «الآن، أولئك الأوغاد في شركة ليون إير سيحتاجون على الأرجح لجهاز محاكاة لاختبار ماكس، وذلك بسبب غبائهم«. وتابع «يا لهم من حمقى!». وبشكل أكثر وضوحا، كتب آخر في فبراير 2018 «إنّ غرورنا هو ما يهلكنا».

المزيد من بوابة الوسط