من رسائل جنقي والبياتي

من رسائل جنقي وعبدالوهاب البياتي

«جنقي» والشاعر عبدالوهاب البياتي

شاعران لهما تأثير بالغ في ثقافة خليفة الفاخري هما أبو الطيب المتنبي وعبد الوهاب البياتي. عندما بدأ الكتابة والنشر كان خليفة الذي وهبه الله ملكة الحفظ السريع للشعر، خصوصًا المتميز منه، حفظ أشعار المتنبي كافة حتى أنه قدم محاضرة عنه في «نادي التحدي» سنة 1964 علمًا بأنه بدأ نشر إنتاجه سنة 1966. في بنغازي ثلاثة مثقفين معروفين باهتمامهم وفهمهم وحفظهم لشعر المتنبي هم الأستاذ عبدالقادر غوقه والأستاذ مفتاح الدغيلي والمبدع خليفة الفاخري الذي قال له صديقه (أرحيمه) عبدالرحيم فايد الجازوي: «والله يا جنقي لو حفظت من القرآن مثلما حفظت من شعر المتنبي لدخلت الجنة وتركت صادق النيهوم وعلى شويب في النار!» الاثنان صديقا الفاخري وكذلك أرحيمه. كانت قدرة الفاخري على استظهار الشعر فائقة، فلقد قرأ لنا ذات ليلة في (بول) ببريطانيا ديوانين كاملين من دواوين نزار قباني من ذاكرته!

علاقته بالشاعر عبد الوهاب البياتي تعود إلى سنة 1967 عندما قدمه له الأستاذ رشاد الهوني رئيس تحرير جريدة «الحقيقة» في ذلك الوقت، كان ذلك خلال حفل ضم الكثير من الشعراء، منهم عبد المعطي حجازي ومحمد الفيتوري والكاتب رجاء النقاش. ومن تلك الحفلة اقتربا من بعضهما كثيرًا، فمن بعد الحفلة ذهبا معًا إلى شقة الدكتور عمر العفاس الذي كان حينها طالبًا بجامعة القاهرة، ليلتها وجد عنده الأستاذ مفتاح الترهوني وأيضًا خميس الفلاح، وتستمر العلاقة حتى يعود البياتي معه إلى بنغازي ويمكث أيامًا ضيفًا ببيته.

«مسكين جيفارا مطاردًا حيًّا وميتًا!»

ومن الطرائف التي سمعتها منه أنهما جاءا بسيارة عبر الحدود الليبية ولم يسمح له بالدخول بكتاب عن «جيفارا» حينها قال لهم الفاخري: «مسكين جيفارا مطاردًا حيًّا وميتًا!». ويصلان بنغازي وتحتفي به جريدة «الحقيقة»، ويتعرف البياتي من خلال خليفة على رجال من بنغازي سريعي البديهة، كرام، فيقضي البياتي ليالي ساهرًا في جراج الراحل صالح بالتمر بشارع البزار رفقة الراحلين حسين صليح، ويوسف الهدار وهما من رجال ذلك الزمن الجميل سريعي البديهة، وتوطدت علاقتهما بالشاعر الكبير بسبب نقائهما وبساطتهما وصدقهما مثلما قال عنهما، ويختلط اسم البياتي فيأخذ حسين صليح يدعوه «البساسي». ومعروف عن حسين صليح حبه للوجبات الليبية فيقول ذات ليلة للبياتي: «آه با بسباسي لو فيه جواري!»، وكان يقصد «مكرونة جارية» أو «رز جاري»، ولكن البياتي يفهمها بغير قصد صليح فيقول له: «تعال إلى بغداد فليس هناك أبدع من جواريها!» لقد اعتقد البياتي أن «الجواري» جمع جارية! يعني امرأة!  وتتواصل علاقة البياتي سنوات حتى يدعوه بعدما صار الفاخري مستشارًا ثقافيًّا في الدنمارك، ويقدمه إلى المثقفين الدنماركيين في أمسية شعرية تناولتها وسائل الإعلام في ذلك الوقت.

«عيون الكلاب الميتة»

منذ بداية علاقة الفاخري بالبياتي كان حب الكلمة وأسلوب خليفة وصدق كلماته من أهم أساب علاقتهما وذلك ما حدا بالبياتي أن يستأذن الفاخري في استعارة عنوان مقالته المشهورة «عيون الكلاب الميتة» ليجعلها عنوانًا لأحد دواوينه.

وفي حوار أجراه الأستاذ حسين مخلوف مع الفاخري قال عن البياتي: «.. البياتي صديق عزيز جدًّا. إنه عالم شعري قائم بذاته. لقد التقينا في القاهرة سنة 1967 ثم توالت قاءاتنا بعدئذٍ عبر السنين. لقد كان ناقدًا لي. كنت حينها أخوض محاولاتي الأولى في كتابة القصة بروح الشعر وكتابة المقالة بخصائص القصة أو الحكاية. كان عونًا لي لا يحد على تحديد مساري الفني وإدراك طبيعة الصراع الإنساني».

وتجدر الإشارة إلى أن الفاخري بدأ حياته الوظيفية «طباع»، فالطباعة كانت حينها تخصصًا ومهنة يتعلمها المرء لتكون تخصصه، فالكمبيوتر حينها لم يكن معروفًا. ولقد تميز الفاخري في هذه «المهنة»، وظل طويلًا يطبع رسائله، ولقد سبق أن أشرنا إلى أن صادق النيهوم تعلم الطباعة أيضًا وكتب بها رسالة إليه بخط يده اسمها: «رسالة واحدة بالآلة الكاتبة» وقال في مقدمتها: «أخي خليفة، أعني سيدي، ها أنا بدأت أتداعى، ولدي آلة ناقرة ولدي قطعة من تراب الجنة والله وجنيف والليل الخالد ابن العاهرة، وقد وصلت البارحة وتذكرت أني تركتك ورائي وأني هنا بدون وعي.. وافتقدك ثم تحدثت معك وافتقدك مرة أخرى وقلت إني سعدت بكل لحظة قضيتها في صحبتك... ».

والمرء يود دائمًا أن يستمر في قراءة رسائل هذين الأديبين الليبيين المتميزين، ولكن يحتاج ذلك إلى وقت طويل، ونحن في هذه العجالة نريد فقط إلقاء الضوء على نفسية جنقي في تلك الفترة. ولقد انتقيت رسالته هذه إلى البياتي لأنها تعكس على نحو واضح حالته النفسية تقول الرسالة:

«بنغازي في 22/9/1974

أخي وصديقي العزيز الأستاذ عبد الوهاب البياتي

تحية إعزاز وتقدير

لقد ابتهجت كثيرًا حين وجدت رسالتك وهداياك الرائعة في انتظاري. كنت قد عدت منذ يومين من النمسا وألمانيا وقد ذرعت كل الطرقات هناك، ممنيًا النفس بالحصول على عمل ما والتمكن بالتالي من تعلم اللغة الألمانية على نحو جيد، ولكن كان ذلك كالعادة دون جدوى لعدة أسباب قاهرة منها – كما تعلم – سوء الطالع!

عدت إلى بنغازي خائبًا، عدت إلى تابوتي العتيق ولكن عندما وجدت هداياك في الغرفة (107) ألقيت حقيبتي الصغيرة جانبًا على الفور شاعرًا بابتهاج غامر فيما كنت أقلب الصفحات، ولقد بدأ الأمر كما لو أن إنسانًا عزيزًا لديّ كان ينتظر عودتي خلف الباب في أية لحظة.

لم يكن في انتظاري - خلف الباب - أحد «الكل ماتوا رحلوا لكن هداياك جعلت عيون الأحباب تتفتح في قاع قلبي مثل عيون صغار القطط وتتبسم في وجهي بود ثم تصافحني بحرارة. إن الجحيم الشعري الفخم الذي تغرقني كلماتك فيه ظل ولا يزال يمدني بالإصرار والقوة في وجه التتار وأشباه الرجال، ويهبني العزاء عبر إحساسي بالفقر والوحدة، ويورق أحلامي - في النوم واليقظة على السواء – معمقًا إيماني في (سارق النار) عبر الأيام القادمة.

وأنا كنت وحيدًا أيضًا مثل ريشة سقطت من جناح طائر

لقد مضى زمن طويل دون أن أراك، ولكن حين قرأت ديوانك الأخير (السيرة الذاتية) ورأيت ذلك المد الشعري الهائل الممتلئ الأبعاد باتساع السماء، المتوقد العينين في إيمان وثقة عندئذٍ أدركت على نحو اليقين أنني كنت أراك دائمًا طيلة لحظات حياتي. لقد رأيتك تحمل (قاسيون) فوق كتفيك وفي قمته بركان، رأيتك تذرع به كل الأزمنة حاملًا في قلبك (عين الشمس). رأيتك (مسافر في النار والأقوال في عرس نهار الحب). رأيتك تبعث أمواتنا الأحياء تزرعهم في صدرك ثم تنطلق بهم عبر الأرض والسماء وخلف (فراشة المحال). رأيتك (تحرث أرض الحلم). رأيتك تبني (نيسابور) حجرًا حجرًا بمفردك في وهج الظهيرة. رأيتك تقتل تنين الموت أمام مسيرة العشاق الفقراء رأيتك تقبِّل (عشتار) رأيتك وحيدًا - في بعض الأحيان – مثل الله نفسه.

وأنا كنت وحيدًا أيضًا مثل ريشة سقطت من جناح طائر، غير أن الكلمات ظلت تشد من أزري باتصال، وتضخ الدم دفاقًا في عروقي، وتمدني بالحلول في ذات العالم.

لقد طاف كل ذلك بخاطري فيما كنت واقفًا ذات يوم أمام تمثال (شتراوس) في (فيينا). كنت أراك تقف - بطريقة ما- بجانبه وكنت أنظر أليكما معًا باستغراق كامل، متذكرًا كل كلماتك، مثلما أتذكرك، وأرددها الآن وغدًا وبعد غد. ومثلما سترددها كل الأجيال القادمة.

إن قدرتك على التجدد – فكريًّا وفنيًّا – التي أثبتها من جديد في ديوانك الأخير (برهان) يوضح بجلاء مدى المعاناة التي كابدتها في مسيرتك الطويلة من أجل التغلب على مشكلة (موت) الثائر. قدرتك على التجدد دليل على انتصارك العظيم في النفاذ عبر جدار الموت. فمباركة هي مسيرتك، نبيّة هي كلماتك، فقير هو زمنك، غنية هي نفسك. ولتعش ألف سنة وليرعاك الله بعينيه معًا. كل سلامي إليك والأمنيات الطيبة. أخوك خليفة الفاخري».

هناك العديد من الرسائل المتبادلة بينهما، ولكنني اخترت هذه الرسالة بسيب تاريخها وأيضًا التصريح المباشر من خليفة أنه سافر متطلعًا إلى أن يتحصل على عمل في ألمانيا، وبالتأكيد كان يأمل أن يتم ذلك من خلال صديقه جلال، ولكننا لا نعرف العقبات التي حالت دون ذلك. هذا البحث الدؤوب عن عمل يمكنه من العيش في أوروبا ولكن ذلك لم يتسنَ له إلا فيما بعد، وكما سنرى في حلقات قادمة. ولقد تواصلت  علاقة البياتي سنوات حتى يدعوه بعدما صار الفاخري مستشارا ثقافيا في الدنمارك ويقدمه إلى المثقفين الدنماركيين في أمسية شعرية، تناولتها وسائل الأعلام في ذلك الوقت. منذ بداية علاقة الفاخري بالبياتي، كان حب الكلمة وأسلوب خليفة، وصدق كلماته، من اهم أساب علاقتهما، وذلك ما حذا بالبياتي أن يستأذن الفاخري، مثلما ذكرنا،  في استعارة عنوان مقالته المشهورة " عيون الكلاب الميته" ليجعلها عنوانا لأحد دواوينه.

وفي  حوار أجراه الأستاذ حسين مخلوف مع الفاخري، قال عن البياتي: " .. البياتي صديق عزيز جدا. إنه عالم شعري قائم بذاته. لقد التقينا في القاهرة سنة 1967، ثم توالت قاءتنا، بعدئذ ، عبر السنين . لقد كان ناقدا لي. كنت حينها أخوض محاولاتي الأولى في كتابة القصة بروح الشعر، وكتب المقالة بخصائص القصة أو الحكاية. كان عونا لي لا يحد، على تحديد مساري الفني، وإدراك طبيعة الصراع الإنساني . "..

      هناك العديد من الرسائل المتبادلة بينهما ولكنني اخترت هذه الرسالة، بسب تاريخها وأيضا التصريح المباشر من خليفة انه سافر متطلعا أن يتحصل على عمل في المانيا وبالتأكيد كان يأمل أن يتم ذلك من خلال صديقه جلال، ولكننا لا تعرف العقبات التي حالت دون ذلك   البحث الدؤوب عن عمل يمكنه من العيش في أوروبا، ولكن ذلك لم يتسنى له إلاّ فيما بعد ،كما سنرى في حلقات قادمة. 

 

    

رسالة الفاخري إلى عبدالوهاب البياتي
رسالة النيهوم إلى الفاخري
رحالة مع رفاق الفاخري من نادي التحدي
الشاعر عبدالوهاب البياتي والفاخري في الدنمارك
في بيت الفاخري مع البياتي
كولاج من بدايات لقاءات البياتي في القاهرة
المراحيم يوسف الهدار وعلى يساره صالح بالتمر وعلى يمينه حسين صليح
رفاق نادي التحدي
الرحلة كانت من بعد الامسية التي قدمها الفاخري عن المتنبي
الدكتور زياد علي وبداية معرفة الفاخري في القاهرة
وجوه شباب الستينيات الرياضية الخطيطي من التحدي إلى الاهلي والوسيع ، واطلوبة الهلالي والتحداوي والاهلاوي في آن واحد
محاضرة الفاخري عن المتنبي سنة 1962 والصور بعاليه من تداعياتها،إذ كانت وقت النشاط المتكامل

المزيد من بوابة الوسط