في مثل هذا اليوم رحل المناضل الأستاذ محمد فرج حمي

في مثل هذا اليوم، منذ اربعين عاما، رحل عنا الأستاذ محمد فرج حمي، الذي ولد في بنغازي العام 1921. كان والده شيخًا لإحدى الطرق الصوفية وللزاوية العيساوية ببنغازي، مما ساعده أن يبدأ تعليمه بالمدارس القرآنية، فحفظ نصيبًا وافرًا من القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة، إذ تتلمذ في صباه على أيدي بعض شيوخ الفقه المشهورين في ذلك الوقت، فتعلم أصول اللغة العربية وقواعدها فأتقنها، ولم يكتفِ في تحصيله العلمي بما تعلمه من شيوخه، فوسَّع مداركه الثقافية بالقراءة والبحث والاطلاع من الثقافات العالمية، وسريعًا ما أتقن اللغة الإيطالية.

بدأ حياته الوظيفية في مقتبل عمره بحقل التدريس بمدرسة الأمير سنة 1945، ثم عين مدرسًا ومشرفًا في مدرسة الأبيار الداخلية سنة 1947. وبعدما عاد ثانية إلى بنغازي، كان يحث الشباب المتعلم على التطوع للتدريس بالمدارس الليلية لقناعته بأن سبيل الحرية والرقي هو العلم.

ساهم مبكرًا في النشاط الوطني، حيث أسس في منطقة الصابري العام 1943 ناديًا ثقافيًّا واجتماعيًّا مع الأستاذين مصطفى بن عامر وعلي بوشناق، وأطلق عليه اسم (أسعد بن عمران ) المؤسس لجمعية عمر المختار، ثم اندمج هذا النادي في جمعية عمر المختار بمجرد إعلانها سنة 1944، ويعد من مؤسسي نادي الكشاف سنة 1947، وأيضًا النادي الأهلي في بنغازي وكذلك نادي الهلال مع المرحوم مصطفى بوستة وآخرين العام 1957.

كان وطنيًّا متميزًا، أحب بلاده فخدمها في مجالات متنوعة؛ أصبح ناقدًا وكاتبًا ومترجمًا نشر إنتاجه الأدبي والفكري في الصحف والمجلات المحلية مثل صحف «الضياء» و«ليبيا» و«الأنوار» وغيرها، كما نشر عدة مقالات أدبية وسياسية أشهرها مقال بعنوان «للفكرة البقاء»، وهي التي نشرها سنة 1957 بمجلة «النور»، بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لاستشهاد شيخ الشهداء عمر المختار، وكتب في صحيفة «الحقيقية» سنة 1968.

كان خطيبًا مفوهًا له وقفاته المتعددة، ناصحًا وناقدًا لرجال الدولة لينتهجوا المسار الصحيح. ظل بتواصل حياته نصيرًا للحرية والعدل وحقوق الإنسان، مساهمًا في نشر الوعي بين المواطنين والدفاع عن وحدة واستقلال بلادهم.

ظلت مواقفه الشجاعة الوطنية العروبية، خصوصًا نصرة القضية الفلسطينية، وثورة المليون شهيد الجزائرية، وكان من بين أبرز الوطنيين الأبرار الذين شكلوا هيئات جمع التبرعات لنصرة هاتين القضيتين البارزتين.

وانتبه الأستاذ الشيخ الوطني الجليل مصطفى بن عامر مبكرًا إلى حماسه وثقافته وحسه الوطني، فأصبح من خلص مساعديه وأقربهم إليه. وكثيرة هي مواقف جمعية عمر المختار المناهضة لتسلط الإدارة البريطانية، وكثيرة هي المظاهرات التي قادها رجال الجمعية، وكان الأستاذ محمد حمي من أبرزهم، حتى أنه اُعتُقل وسُجن، ولم يتوقف نشاطه حتى بعد الإفراج عنه، بل استمر حتى استقلال ليبيا سنة 1951.

بعد قيام دولة المملكة الليبية عُيِّن الأستاذ محمد حمي أمينًا لمكتبة الملك وعندما تأسست الجامعة الليبية سنة 1955عُيِّن الأستاذ حمي مسجلًا عامًّا للجامعة، فساهم باقتدار في إعداد نظامها الإداري .

وفي العام 1961 اُتُّهم الأستاذ محمد حمي ومجموعة من رفاقه البعثيين بتهمة محاولة الانقلاب على نظام الحكم، ورغم هشاشة التهمة حُكم عليهم بالسجن . بعد خروجه من السجن تقدم الأستاذ حمي لامتحان معادلة في القانون واجتازه بامتياز، وعلى أثر ذلك عمل بمكتب مصطفى القنين لتحرير العقود، ولم يمضِ وقت طويل حتى أنشأ مكتبًا قانونيًّا خاصًّا به وأداره بنجاح.

ولما قام نظام القذافي كان الأستاذ محمد حمي يعقد حلقات نقاش تدور حول أمور فكرية وثقافية واجتماعية، وكثيرًا ما يغلب عليها الطابع السياسي لما تتعرض له البلاد من ظروف سيئة، كان يتواجد في هذه اللقاءات نخبة من المثقفين ورجال الفكر وأساتذة الجامعة وأحيانًا بعض الوزراء والسياسيين. واُعتُقل سنة 1973 وأُفرج عنه ليوم واحد، ثم أُعيد ثانية ولم يخرج إلا مطلع سنة 1974.

وكان مهتمًا بالرياضة، ولذلك قبل دعوة نادي الهلال الرياضي، الذي كان على رأس مؤسسيه، لتولي إدارته والإشراف على نشاطه، وأنشأ به صالة للمناشط الثقافية، وكان ذلك سبقًا في تاريخ النوادي الرياضية في ليبيا لممارسة هذا النوع من النشاط، وهكذا نجح الأستاذ حمي في إقامة حركة ثقافية في نادي الهلال ببنغازي تلقى فيها المحاضرات والندوات الشعرية وكانت أمسيات رائعة شارك في أحيائها الأدباء والشعراء.

وكان الأستاذ محمد حمي يرتبط بصداقة حقيقية بالأستاذ الفاضل مؤسس حزب البعث في ليبيا عامر الدغيس، الذي كان يعد من أبرز الشخصيات الوطنية المعروفة في المجتمع المدني الطرابلسي، وهو الذي عرض عليه معمر القذافي تشكيل أول حكومة بعد أن أُسقط النظام الملكي فاشترط عليه الأستاذ الدغيس عودة الجيش إلى ثكناته وحينها يتسنى نقاش تشكيل الحكومة.

لم يقبل القذافي رفض الأستاذ عامر الدغيس عرضه طويلًا حتى اعتقله، وأسلم روحه في السجن تحت التعذيب، فما كان من صديقه الأستاذ محمد حمي، إلاّ أن أبّنه يوم دفنه، مطلقًا صرخة تحدٍ، متهمًا السلطة الغاشمة بتصفيته فاُعتقل يوم 12/3/ 1980 وتحت التعذيب الوحشي، صعدت روحه إلى بارئها، ثم نُـقل جثمانه إلى بنغازي مصحوبًا بإفادة بوفاته صادرة عن بلدية طرابلس مؤرخة في 5/4/ 1980 ليدفن بصمت، ولكن أستاذه ورفيقه الشيخ الجليل مصطفى بن عامر رحمه الله أصر على دفنه في موكب رسمي، وأصرّ أن يكون في مقدمته وفاءً لإنسان مقرب إلى نفسه، وتبعه الكثير من أحباء الأستاذ محمد حمي متحدين الأوامر بدفنه بسرية.

بتلخيص من مقالتين للأستاذ سالم الكبتي والأستاذ عثمان العالم 

 

الاستاذ محمد فرج حمي
الاستاذ محمد فرج حمي أحد مؤسسي نادي الهلال الرياضي
الاستاذ المناضل الشهيد محمد فرج حمي
عائلة المرحوم في مناسبة تكريمه
الاستاذ الشهيد محمد فرج حمي
عائلة الشهيد محمد فرج حمي في مناسبة تكريمه
الناشطة الاعلامية سلوى محمد فرج حمي
الاستاذ محمد فرج حمي مع صديقه بسيلي شفيق خزام
الاستاذ محمد فرج حمي مبتهجا بعقد قرآن الاستاذ رجب الشلطامي
لفيف من وجهاء بنغازي في مناسبة تكريمه

المزيد من بوابة الوسط