قهوة سي عقيلة (39) سنوات التيه

      ما كانت الحاجة وافية تتصور أبدًا أن «الدُقاق» بعد «السورية والسروال»، اللذين تفصلهما له «بافه بوخيط» قبل العيد بأيام، سوف يفصل له «كريستيان ديور» الذي لا تعرفه بالتأكيد بدلاً على مقاسه، فلقد دخلتُ رفقة عبد الله السوسي محلاً في باريس لشراء ثياب، ولا ندري كيف أقنعنا لبناني يعمل بالمحل أن نحضر عرض أزياء سيقام بعد سويعات وننتقي الموديل الذي يعجبني ويتولوا تفصيله. وبالفعل حضرنا العرض وانتقينا بضع بدل وأُخذت مقاييسنا ووصلتنا البدل في الفندق مع تحيات كارت بتوقيع «كريستيان ديور» ورباطة عنق هدية مع كل بدلة.

      وما كان سي عقيلة يتصور أبدًا أن سيارة «رولز رايز» ستنقلني، رفقة رافع جعوده ، من باريس إلى شواطي الريفيرا الفرنسية، ونتناول إفطارا قوامة كبد البط بصلصة الحبق بصالة بمطعم الفندق كل مافيه ابيض كالحليب باستثناء ستائره الحريرية الوردية . ولا أعتقد مطلقًا أنه سمع بفتيات ا)لجيشا( اليابانيات ولا يمكن له أن يتخيلهن يدلكن قدمي ابنه، وقدمي محمد عبارة !

      العالم رأيته خلال الطفرة التي حدثت في مطلع السبعينات، مع مطلع السبعينيات، لا علاقة له بالعالم الذي وصفه هيمنغواي وأرسكين كالدويل وجون شتاينبك ومحمد عبد الحليم عبدالله ونجيب محفوظ ويوسف إدريس وتجارب النيهوم في أوروبا، التي نقلها لنا خلال الستينيات. لم أكن أعرف شيئًا عن جنيف قبل أن أذهب إليها  رفقة محمد إبراهيم السوسي والمرحوم عبد الكريم بالو، والمرحوم عبد الرحمن حويو، وما كان يخطر ببالي أن المرء يغرق في فراش ناعم كفراش فندق «البرزدنت» الذي غرقت فيه ليلة وصولي، ولم يخطر ببالي أبدًا أن تلك السيدة الباذخة التي تنظر إليّ وتتبسم أنها من فتيات شارع زوارة القريب من شارعنا، وهي التي كنت صبيا لم يبلغ الحلم أتحرش بها في كوشة شارع محمد موسى عندما تأتي بطبق خبز أهلها. لقد تبسمت أكثر من مرة، وظننتُ أنها تعتقدني شخصًا آخر، ولكنها قدمت نحو مع زوجها وقدمته لي، واخبرتني من هيا، فعرفتها وقفت لها مرحبا، وكدت أن أمسك بسبابتي وابهامي خدها اليمن، وأهتف: « أوه.. نونا .. نونا المجنونه» وفي الليلة نفسها وجدتها مع زوجها في كازينو ( ديفون الفرنسي) الذي يقع داخل حدود فرنسا، والمرء مهما كانت جنسيته بقدوره أن  يدخل الكازينو فقط ، ويري بعينيه شارعا مسيجا يفصله عن القرية الفرنسية، التي لا يستطيع أن يدخلها .

      ما الذي حدث ؟ومَن يتصور أن أضع رجلاً فوق أخرى، أؤكد أن أفضل وجبة «الفوندو» السويسرية هي تلك التي تتناولها في هوتيل زيوريخ، وهي بالمناسبة ليست أكثر من ربع كيلو لحم ضأن تكلفك ثمن خروف عيدك وعيد امك؟ .

      لم أعد صاحب مقهى، ولا متجر، لا مدرساً، ولا موظفاً، وإنما مشروع رجل أعمال، أضاف له الفاخري في مزحة من مزحاته: «رجل أعمال بطالة». كنت أقتنص بضعة مشاريع بالباطن من خلال علاقاتي بأصدقائي مقاولي الجبل الأخضر، الذين تعرفت عليهم بمكتب عبد الله السوسي، والذين سنتناولهم في حلقات قادمة، وإن كان ابن عمه محمد ابراهيم السوسي، الذي لم ينخرط في اية اعمال لم ينلها من خلال سبل تنفيذها القانونية والنظيفة، ولعل تعاونه المثمر مع عبد الكريم بللو، مؤسسا معه شركة مساهمة، من بعد أن  ترك منصب وزارة الاقتصاد بسبب رعونة وتدخل وتطاول رئيس الوزارة آنذاك عبد السلام جلود، ضمت العديد ممن فضلوا الابتعاد عن فساد المشاريع العسكرية وشبهاتها. لقد ابتعدوا تماما عما يشوههم. وما زالت مشاريعهم، التي نفذت بأمانة وضمير قائمة وتشهد لهم بذلك. أما عبد الرحمن حويو فكان من أوائل الذين ابعدهم  معمر القذافي، الذي كانت الكلية العسكرية تكنيه ( الفقي ) بسبب التزامه الديني. وحاول ان يتعيش في ليبيا، ولكنه لم يستطع، وما زلت أذكر ليلة قال: " المشكلة أنني لم اتعلم في حياتي شيئا سوى أن أكون ضابطا! ولقد فضل الهجرة إلى قرية صغيرة في اسبانيا مازالوا يذكرونها فيها بالخير. لقد وظفت معرفيى الوثيقة به في روايتي ( ورده بنت شفيق ).   

      ولم يطل الأمر حتى غادر محمد السوسي، وظل مَعينا لكل من اقفلت امامه ابواب الرزق الشريف في الخارج . لقد كان امامي مثالين لصديقين شريفين من ايام الطفرة، احدهما غادر ليبيا وهو محمد ابراهيم السوسي ولم تنقطع صلتي به حتى الآن، والثاني مثله ظل شريفا صادقا نقيا ولم يغادر ليبيا ومازالت علاقتي به متصلة. وهو مصطفى عمر الكرامي، الاثنان ظلا سندا لي في بداية حياتي ولم يبخلا علىّ لا بالنصيحة ولا بالتوجيه ولا بالمساعدة العملية في تنفيذ عدد من المشاريع، ولعل بناء اول بيت ملكته ذرية سي عقيلة كان بفضل علاقتي بهما.  وما زلت اذكر ذلك اليوم الذي منحنا فيه محمد السوسي، وكنا اربعة رجال، سندات تمليك اربع قطع اراض سكنية من ارضه من دون أن يشترط قيمة لها، نحن من حدد قيمة الأرض ونحن من سددناه من بعد أن سخر الله وتوفرت قيمها، لا لشيء إلاّ لأننا اصحابه.

      طفرة ما بعد ثورة سبتمبر، التي أكثرت من مغتربين عرب، جاءونا بالكثير من العادات وأنماط سهرات لم نكن معتادين عليها في بداية السبعينات، في الوقت الذي فتح نظام القذافي خزائن البلاد للمقاولين الجدد الذين عرفوا طريقهم نحو هيئة الأشغال العسكرية، وعرفوا كيف يتقربون من مسؤولين في عز شبابهم، مفعمين بالحيوية، مأخوذين بالسلطة والجاه تولوا مناصب من دون خبرة حقيقية في مجال لا يمكن ضبط حجم الإنفاق فيه من دون مقدرة فائقة قادرة على كبح رغبات النفس البشرية. وتمكن المقاولون الجدد، وبعض المخضرمين والمدعين والحذاق، ان يندسوا بين مقاولين مهنيين شرفاء، وأن يصلوا إلى نقاط ضعفهم، فمنهم مَن كانت الأنثى غايته، ومنهم مَن كان المال همه، ومنهم مَن كانت دغدغة غروره وتيهه هي مفتاحه، ولكن الحق أن كثيرين منهم كانوا مدفوعين بشعارات قومية أخذهم القذافي بها، وفيما كانوا مشغولين بالمشاريع كان ينتقي منهم مَن يحكم أمنه وينفذ مشاريعه ومخططاته، فيقربه ويغدق عليه.

       صارت الأشغال العسكرية مجالاً خصبًا للثراء.. كانت بعض المشاريع حقيقية، وإن كانت تكليفها مبالغ فيها.. فتحت البنوك على مصراعيها تمنح تسهيلاتها الائتمانية. وكثر المال في أيدي تلك الفئات، وتسارعت حركة البلاد التجارية، وأعلن عن مشاريع التطوير العمراني وكُلفت البنوك بتمويلها، وكثر المال في أيدي الناس، وصارت تأشيرات السفر إلى أوروبا ميسرة للغاية، وتسابقت شركات الطيران على تسيير رحلات منتظمة يومية من بنغازي وطرابلس مباشرة إلى باريس ولندن وروما فعَمَر رجال تلك الفترة النوادي الليلية، ولم يستطع أحد من أثرياء النفط مجاراة الليبيين في الإنفاق، لا فوق رؤوس الراقصات، ولا على موائد القمار خصوصًا في لندن، وأشهد أنني شاهدت بعيني مقاولاً ليبيًّا خسر في ساعات، على منضدة واحدة مبلغا كبيرا من جنيه أسترليني، وأصر أن يدعوني لمشاركته عشائه في مطعم فندقه الفخم، وظل يضحك و«ينكت» ويغازل مضيفات المطعم، ويغدق عليهن بالإكراميات وكأنه هو الكاسب.

       وصار فندق «هيلتون لندن»، وكأنه نادٍ لليبيين، وببهوه محل جواهرجي، يملكه يهودي من أصل عراقي تخصص في عرض ساعات «الرولكس» الشهيرة، التي طورها لتصير من الذهب الخالص، ثم تفنن في ترصيعها بالألماس، فصار شراء رجل الأعمال الليبي ساعة منه، ومعها خاتم بماسة بحجم بيضة «البوبريص» وكأنه أمر مقرر على النزلاء الليبيين، الذين تباروا في شرائها، ثم خلعها من معاصمهم، وإعطائها - مشفوعة بطلاق ثلاثي - إلى أي مسؤول في الأشغال العسكرية، أو في البنوك يبدي إعجابه بها.

      وفيما كان الناس مشغولين بساعات الرولكس والمال والأعمال، كان القذافي يحكم قبضته على البلاد، ولعل قوة هذه القبضة، بانت عقب خطاب زوارة الذي حل بموجبه سلطة مجلس قيادة الثورة وتعطيل القوانين، وبانت شراسته في مواجهة اعتصام طلبة جامعة بنغازي في مارس 1975 التي أشهد أن الجيش طوقها، وكان السيد سليمان محمود، الذي لا أعرف رتبته في ذلك الوقت يشرف على تطويقها، ولكنه لم يستعمل أي شكل من أشكال العنف، فلقد كان الاعتصام أمام مدخل الجامعة بشارع جمال عبد الناصر، وعندما جئت ذلك اليوم إلى محلي «21 للأحذية» بميدان «9 أغسطس» المقابل للجامعة، وجدته مقفولاً، فقد كان شقيقي عبد القادر معتصمًا مع رفقائه أمام الجامعة. كان يجلس بجانب رضا بن موسى، جلست بجواره وهمست في أذنه أن يقوم من بعدي مباشرة وإلا سوف آخذه بالعافية من بين أصحابه، فلحق بي غاضبًا، فقلت له إن الوطنية أن تربي شقيقاتك وتعتني بأمك وأبيك وتوفر لهم سكنًا. إن العسكر لا يزيحهم إلا عسكر، فاعطني مفتاح المحل، واذهب إلى الكلية العسكرية.

        وتوالت أحداث غريبة على مجتمعنا، لعل أبرزها إقحام الجيش في مغامرات لا شأن لليبيا بها، كإرسالهم إلى أوغندا لحماية عيدي أمين، وكإنشاء المحاكم الثورية بتاريخ 20/8/1975م، وتأسيس اللجان الثورية في 17/9/1976م، بعد أحداث انتفاضة الطلبة في يناير 1976 لتصل قسوة النظام لتأكيد إحكام قبضته ذروتها عندما شاهدت - بالصدفة- وحشية إعدام الشهيدين: عمر دبوب ومحمد الطيب بن سعود يوم 7/4/1977.

       الشهيد عمر دبوب، كما قلت من قبل، كان قد اكترى بعد أن تزوج من ابنة المربي الفاضل محمود دريزه منزلاً بشارع نبوس، يقابل منزلنا. وأشهد أنني رأيته يتصدر مظاهرة في بداية تسلط القذافي أمام مبنى الإذاعة بشارع «أدريان بلت»، حدث ذلك من قبل أن يعلن النظام منع التظاهر والاعتصام. لا أذكر سبب تلك المظاهرة ولكنه من أوائل الذين اعتقلوا بعد انتفاضة يناير 1976م. وفي فبراير سنة 1977م بمطار طرابلس التقيته، فرحتُ به عندما أخبرني أن المحكمة برأت ساحته، وعدنا معًا إلى بنغازي على الطائرة نفسها، ثم نلتقي بعد أيام معًا بمطار بنينا، وأعرف منه أنه اُستُـدعى إلى طرابلس فطار إليها بتذكرة ابتاعها من جيبه الخاص. أعادوا محاكمته، وحكم عليه بالإعدام وعادوا به إلى بنغازي.

      يوم 7/4/ 1977م لم يمضِ على وفاة «سي عقيلة» أكثر من ثلاثة عشر يومًا.. كنت في طريقي وقت الغداء إلى منزلنا.. مررت على «ميدان الكنيسة»، الذي تسمَّت، فيما بعد، «ميدان الاتحاد الأشتراكي»، وصار اسمه الآن «ميدان الشهيدين».. رأيت أناسًا يتجمعون أمام نجارين اتموا منصة. وقفت مستطلعًا لأكتشف من الناسالمتجمهرة أنهم يعدون مشنقة.

      قال الحاضرون إنهم سيشنقون «خونة».  نصبت المشنقة، وعند الساعة الثانية والنصف تقريبًا، أنزل عساكر من سيارة مصفحة شخصين غطوا رأسيهما بغطاءين أسودين. قلت في نفسي أنهم سوف يرهبونهم ولن يتعدى الأمر ذلك. قرأ ضابط كلامًا لم أسمعه جيدًا.. قادوهما فوق المنصة، لفوا حبل المشنقة حول رقبتيهما.. رفعوهما فوق كرسيين.. وظللت مقتنعًا أن الأمر لن يتعدى إرهابهما.. إلى أن دفع أحد العساكر الكرسيين من أسفلهما، فأخذ الشهيدان يكافحان الخنق بتحريك أرجلهما.. انتبه الضابط إلى الخطأ، فما حدث خنقا وليس شنقا ذهب نحو العربة وأخرج سلكاً كهربائيًّا وثق به رجليهما.. غير أن حراكهما استمرا إلى أن همدا.. اكتشفت أنني والناس نبكي من القهر والعجز.

      ظل الشهيدان معلقين طوال يومين.. كانت الرسالة التي يريد القذافي إيصالها للناس واضحة؛ غير أن صدمتهم فيه كانت قوية. فمنذ اندحار إيطاليا، ولعل جريمة شنق الشهيد عمر المختار هي آخر عهد الليبيين بجرائم الشنق في الميادين العامة.. جيلي مثلاً لم يشاهد أبدًا بشاعة إزهاق روح بهذه الوحشية.. ظل الناس أيامًا يتحركون وكأنهم نيام، كانوا مصدومين، مذهولين من هذا المسخ الذي وعدهم قبل سنوات قليلة بالحرية والاشتراكية والوحدة.. يشنق أبناءهم في الميادين العامة.

      كان الحزن يتنفس مع أسرتي، الملتفة حول أمي في محاولة للتخفيف عنها من رحيل سي عقيلة، زادهم خبر الشنق هماً على همّ، ثم زاد صهري خليفة العمامي  من وجعهم فلقد اخبرهم أنه كان في ميناء بنغازي، وشاهدهم يشنقون الشهيد المرحوم عمر الصادق الورفلي «المخزومي» رفقة مواطن مصري. تلك الأيام أحسست وكأن سماء بنغازي تمطر حزنًا وقهرًا.

       ظل الناس يتحركون، لإيام، بذهول. في تلك الأيام تمنيت  أن تصدح أغنية محمد عبد الوهاب، التي سمعناها أوائل ثورة القذافي: «إن فات عليك الأسى والظلم فيك احتار، أنده على الثوار يبيعوا أرواحهم في عز أفراحهم».. ثم توقفت إذاعتها مبكرًا، وعندما بحثت عنها في محلات القاهرة اكتشفت أنها سحبت بالكامل ويتعذر الحصول عليها.

        في تقديري أن يوم 7/4/ 1977 م، يوم مفصلي في تاريخ ليبيا.. فهو، في نظري، البداية الحقيقية لثورة 17 فبراير.

مصطفى عمر الكرامي
الشهيد محمد الطيب بن سعود
الشهيد عمر دبوب
عبدالله مبارك السوسي
محمد ابراهيم السوسي
من اليمين رضا بن موسى وعبد القادر عقيلة العمامي وعبدالباسط العربي عبد القادر التركي واقصى اليسار عارف
محمد أحمد العباره
عبد الرحمن محمد حويو
عبد الكريم بللو اول وزير للتخطيط في حكومة عبد السلام جلود
الشهيد عمر الصادق الورفلي (المخزومي)
رواية وردة بن شفيق
من اليمين خليفه عثمان العمامي وليث بن سعود وحسن طلوبه
رافع عمر جعوده

المزيد من بوابة الوسط