قهوة سي عقيلة (22) الشرارتان اللتان أوقدتا ثورة سبتمبر 1969

يقول الناس: عندما تبلغ الخمسين تعرف نفسك، وفي الستين يعرفك الناس، وفي السبعين عليك أن تعرف أنك تلعب في الوقت الضائع، وفي هذا الفجر المبارك الهارب من ليالي «قرة العنز».. وأنا ما زلت ملفوفاً كمومياء مغطاة بجلابية شتوية، والناس نيام، وقهوتي أمامي، انتبهت أن ابتسامتي اتسعت وصارت مشروع ضحكة. عندها، وبعد أن ماتت الضحكة، عرفت لماذا السبعينيون يتبسمون دون سبب واضح وعيونهم مغمضة؟ اكتشفت أنهم ينكفئون إلى داخل أنفسهم، يرحلون إلى الماضي، يلتقطون منه صوراً لنماذج مبهجة، نقشها الود على جدران قلوبهم. 

قد ترقص، هذه النماذج أو قد تغني لهم، وغالباً ما تحدثهم عن نوادر وطرائف من ماضيهم السعيد فيتبسمون ويضحكون، وقد يتطور الأمر فيتبادلون الحديث معها، خصوصاً العزيزة عليهم، وأحياناً يتمادون في الانتشاء باستحضار الماضي، فينسون طريق الرجوع، ويبقون هناك. 

لقد خشيت أن التحق بنماذج كانت من رواد قهوة سي عقيلة، كثيراً ما كنت أراقبها، وهي مستغرقة مع ذاتها متبسمة لذكرياتها ولا أحد يعرف متى ذهبوا إلى هناك ولم يعودوا أبدا. صباح ذلك اليوم كانت نشرة الأخبار تتحدث عن تشكيل وزارة جديدة في تونس فتذكرت «الزعيم»، رواد قهوة سي عقيلة يعرفونه جيداً. يقال إن أصوله من تونس، وإنه جاء رفقة الزعيم الحبيب بورقيبة أثناء زياراته المبكرة إلى ليبيا أيام نضاله ضد الاحتلال الفرنسي. ويقال إنه عشق بنغازي فترك النضال واستقر بها، كان مأخوذاً بالزعماء. كان يهوى الخطب الحماسية، والتنظير السياسي لمن يجد منه اهتماماً بتاريخه النضالي. اكترى «الزعيم» دكاناً بشارع نبوس وجعله سكنناً له، فيما صار مقهى سي عقيلة مقره الرسمي. واعتاد سي عقيلة مغادرة المقهى متى يحلو له، ويتركه في عهده أي من كان من رواده، ولعل المرحومين محمد خليفة الترهوني وموسى التاورغي - وهما بالمناسبة أقربهما إلى قلبه - كثيراً ما توليا هذه المهمة. 

وعندما انتقلنا للسكن في شارع نبوس، وفي ليلة رمضانية، بعد الإفطار مباشرة، غادرتُ منزلنا نحو المقهى من أجل سيجارة الإفطار. هناك وجدت الزعيم والرجل الطيب الممسوس «شركة»، وقد كان سي عقيلة يتركه يبيت في المقهى عندما يرغب في ذلك. كان والدي ينتبه لنيته في المبيت عندما يدخل بدراجته التي لا تفارقه، من بعد أن نفق حماره. يركن الدراجة أسفل المذياع، باعتبار أنه أثمن ما في المقهى، فهو راديو إيطالي ماركة «ماركوني» أهداه الإيطالي «الكوليري» لسي عقيلة، فثبته في زاوية المقهى فوق رف صنعه «موسى» لهذا الغرض.

 كان الزعيم يحدثهم عن معركة الثوار التوانسة مع الفرنسيين في المنستير، وكان شركة ينصت كتلميذ مجتهد، وهو يمتص سيجارته بشراهة، أما العجوز، والد المرحوم جمعه سلكات، وهو بالمناسبة رجل الصورة الشهيرة المستغرق في الإنصات للعجوز البنغازية الشهيرة ،الحاجة خويدم الله، ذات الرداء البرتقالي المعروفة بمنطقة سيدي حسين. وفيما كان موسى يعد له شاياً، ولي قهوة، خرج من منزل المرحوم عوض شمام، الرجل الصوفي المبارك «الحاج الزياني» الذي امتنعت عن ذكره بلقب اشتهر به في بنغازي بعد أن عرفت أنه، درويش تقي يحمل كتاب الله، وقد اعتاد أن يشارك عائلة شمام إفطار يوم 27 من كل رمضان، باعتبار أنها عادة واظبت عليها المرحومة فاطمة سيالة- التي كانت بمثابة جدة حقيقية لأبناء شارع نبوس كلهم – منذ أن التقت به في مكة المكرمة. 

وقف الحاج عند مدخل المقهى من ناحية شارع نبوس، عند حفرة «البمبة»، وهي مكان سقوط قنبلة أثناء الحرب العالمية الثانية ولكنها لم تنفجر وأمسك «بشنته» الحمراء وقال لهم ساخراً: «عليّ الطلاق من شنتي هذه؛ لو تشوفكم الملكة «إليزابيث» تشكل منكم وزارة بريطانيا العظمي. فقط جد لها يا زعيم اثنين آخرين من «ضنا عمك»، فسأله الزعيم ساخراً: «وعقيلة؟!»، أجابه سريعاً: «ومن بمقدوره أن يمسك مستشفى (المهبلة) (هضا) غير سيدك عقيله؟!»، ثم التفت نحو النضد وقال: «ديرلي قهوه سادة يا موسى». 

 مع بداية سنة 1963م بدأت غمامة الفقر تنقشع شيئاً فشيئاً عن ليبيا، وعني أيضا؛ فبعد مضاعفة المرتبات، جاءت علاوات العائلة والسكن. وكان لذلك الأثر البالغ في بدء ازدهار البلاد، وتدفق السلع، ناهيك عن حركة عمرانية بدأت تظهر هنا وهناك. لم يكن هناك نظامٌ حزبي، بل لم يكن مسموحاً به أساساً، ولكن كانت هناك إرهاصات وتجمعات بسيطة ذات طابع سري للغاية، لعل فكر البعث، والمد القومي، ثم اليساري أبرزها، ناهيك عن جماعة الإخوان المسلمين التي بدأت تتجمع هنا وهناك، ولكن المد الناصري العربي القومي هو ما كان يلهب مشاعر الشباب، الذين أخذوا بخطابات أحمد سعيد، وإذاعة «صوت العرب»، وكامل البيطار، كما أن تأثير المدرسين المصريين على طلبة المدارس وشباب الجامعات كان في ذروته.

 في أول هذه السنة، في شهر مارس تحديداً، تولى السيد محيي الدين فكيني رئاسة الوزراء، واستهل حكمه بإلغاء النظام الفيدرالي وصارت ليبيا موحدة في 25 أبريل من العام نفسه، وفي عهده أيضاً بنيت في بنغازي العمارات الخمس بشارع عمرو بن العاص بجانب القنصلية الإيطالية في بنغازي، وكانت في حينها مشروعاً ضخماً! والحقيقة أن حكومة فكيني كانت بعيدة عن الفساد، ولكنها لم تستمر أكثر من تسعة أشهر بسبب أحداث 13 و14 يناير من سنة 1964، حينها كنت موظفاً بخزينة المنافع العامة «إحدى مصالح نظارة الأشغال»، التي تقع قريباً من مدرسة بنغازي الثانوية. 

عند الحادية عشرة تقريباً من صباح يوم 13 يناير 1964 دخل بهو صالة الخزينة الكابتن، فيما بعد، مختار عبيده، ومحمود الفيتوري، رفقة طلبة آخرين، كانوا قد رشقوا البوليس بالحجارة، فردَّ عليهم البوليس القوة المتحركة برصاص لم يعتادوه، وتعقبتهم فلجأوا إلى الصالة. وتمكنتُ رفقة موظفي مصلحة المنافع، ومساعدة سعد النوال الذي كان، حينها، رئيساً للخزينة من تمويه البوليس، وإخفاء الطلبة، ثم تهريبهم من جهة الخلف، عبر محطة سكة الحديد القديمة، نحو حافة البحيرة ليخرجوا من مستشفى «بوروزدوشوموا». مساء اليوم التالي، عمَّ بنغازي حزنٌ جليلٌ.. صارت وكأنها سرادق عزاء لطلبة في عمر الزهور فقد قتل الرصاص طالبان هما مسعود النقاز، وعلى لامين البيجو، ثم لحق بهم مفتاح بن حريز، بعد عشرة أيام متأثراً بجراحه. كلهم من طلبة مدرسة بنغازي الثانوية. ثم عمت المظاهرات المدن الليبية ليصل احتقان الناس درجة لم يعتدها النظام، كان الإحساس بمرارة رصاصهم يقتل أبناءهم عميقاً، كانوا ينتظرون من مليكهم مشاركة فاعلة في أول قمة عربية دعا إليها الرئيس الراحل جمال عبد الناصر سنة 1964م، ولكنه أوفد ولي عهده، فلم يرضَ الناس بذلك واعتبروا أن قراره شكلٌ من أشكال الرفض للتوجه العربي. 

 تظاهر طلبة  الجامعة في البداية، ثم التحق بهم طلبة مدرسة بنغازي الثانوية وكادت المظاهرة تنتهي سلمياً لولا غباء بعض رجال البوليس، ثم هاج الشارع  بعد أن اُستشهد الطلبة، ثلاثة طلبة من مدرسة بنغازي الثانوية، وهي التي تسمت فيما بعد «مدرسة شهداء يناير»، والطلبة هم «مفتاح بن حريز علي البيحو وصالح مسعود النقاز»، وجرح عددٌ من الطلبة، وكانت إصابة سالم محمود بوشريدة خطيرة، تعافى منها بعد فترة، اتهم الضابط أحمد حسين بإطلاق الرصاص، وأوقف عن العمل كل من السنوسي الفزاني، وعبد الونيس العبار، وسليمان بوشعالة وسالم هدية. وفي تقديري أن ما حدث يومي 13 و14 يناير سنة 1964 هو القاعدة الأساسية والسبب الرئيسي الذي جعل الأغلبية الساحقة في ليبيا تخرج إلى الشوارع مؤيدة لثورة القذافي، فأحداث يناير هي شرارة تذمر أشعلت نارًا ولكن جمرها ظلَّ تحت الرماد، ثم تسببت هزيمة يونيو 1967 في تأجيجه، ولكنه ظلَّ تحت الرماد عامين كاملين. 

 بررت الهزيمة: «أن الجيوش المصرية كانت تتوقع غزو الطيران الإسرائيلي من الشرق ففوجئوا به من المغرب»، ولكن هذا لم يحدث، إذ لم تؤكده أية وثائق، لا حينها ولا فيما بعد. فلقد كانت «النكسة» مؤلمة للغاية مما جعلنا نتجاهل حقيقة مرة أساسها أن عبد الناصر - رحمه الله - كان مخلصاً في عروبته وقوميته، ولكن إعلامه فقط هو ما نجح في إبراز هذه العروبة، ولكن مراكز قواه، خصوصاً الإعلامية، غيبته تماماً عن حقيقة التسيب الرهيب في قيادات أركانه، ولأننا كنا بعيدين ومغيبين عما يدور في الواقع بأروقة القيادة المصرية، إذ لم نكن نعرف شيئاً سوى أن نتجمع لتلتقط لنا صورة كما كان يغني لنا عبد الحليم حافظ، لنرددها كما لو أنها ملحمة حقيقية. 

 إعلام عبد الناصر كان قوياً بدرجة حجبت عنا حقيقة ما يدور في عهده، تماماً مثلما فشل الإعلام الليبي حينها في إقناع الناس بقيادة الملك الحكيم، ولعل ما ظهر أخيراً من معلومات نؤكد قوة الملك إدريس، رحمه الله، وحكمته، التي اتضحت عندما طلبت أميركا تخصيص نسبة من دخل ليبيا بعد تفجر البترول، للإنفاق منها على فقراء أفريقيا، المنهوبة حينها من الغرب، فيرفض طلبهم، ويرد عليهم، بشهادة الدكتور علي الساحلي، بأن خير بلاده لأبناء وطنه ثم لإخوانه العرب والمسلمين، وإن بقي شيء منه فإنه لا يمانع أن يصل أفريقيا! هكذا تقول الوثائق.

لقد فشل الإعلام الليبي في نقل الصورة الحقيقية للقيادة الليبية الحكيمة سوى على مستوى الديوان الملكي، أو رئاسة الحكومة. ولو قارن المتخصصون كيف تصرف الإعلام الإسرائيلي والإعلام العربي لبانت الهوة الرهيبة بين نجاح الأول وفشل الثاني، إذ لم تمر أشهر معدودة حتى وصل يهود ليبيا، مثلاً، إلى إسرائيل من دون رغبة حقيقية منهم في الهجرة إلى فلسطين، بل ظل معظم القادرين منهم - حتى الآن - في أوروبا. الإعلام العربي هوَّل بقاء اليهود المولودين أساساً في بلادنا، واتهمهم بالخيانة، وحملهم مسؤولية «النكسة» فيما نجح الإعلام الإسرائيلي في تأجيج الرأي العام العالمي ضد العرب بسبب اعتداءاتهم على مواطنيهم اليهود! فنجحوا في ترحيل أعداد كبيرة إلى الأرض الموعودة، بعد أن فشلوا في استقطابهم سنوات طويلة.

أيام هزيمة يونيو 1967م انطلق الناس غاضبين نحو محلات اليهود، وأحرقوها بالكامل فيما اتجه الغوغاء، وكنت لأسفي الشديد منهم، نحو مخازن خمور اليهود، وأفرغوها في ليلتين بالكامل، وتجرعناها مع الهزيمة طوال عمرنا. سنة 1965 غادرتنا نخبة من رفاق قهوة سي عقيلة للدراسة في بريطانيا: محمود الكيخيا، وعلي السمين وإسماعيل الصديق ومحمد الفزاني وفرج البراني وعوض المختار، الذي قام بتجنيد معظم شباب قهوة سي عقيلة، لعل أبرزهم عوض شمسه ومحمد محمود زيو، في توزيع مناشير ضد الحكومة أعدها المحامي أحمد يوسف بورحيل في مكتبه، فقاما بذلك من بعد جنازة شهداء 13 و14 يناير. وفي السنة نفسها غادرنا حسين السلاك إلى أميركا، وكذلك رفيق مخلوف، أما صالح المطردي وفتحي يوسف فغادرا إلى ألمانيا.

وفي سنة 1966 غادرنا إلى بريطانيا محمد اخليف وسليمان الفلاح ومحمد التريكي ومحمود عوض الفيتوري ومختار اعبيدة وفيصل الفيتوري، ثم لحق بهم صالح بودجاجة، الذي كان سي عقيلة يطلب منه أحياناً أن يعزف له ألحاناً من ناي «المقرونة» التي كان يجيدها. يقول له سي عقيلة: «هيا يا لقطش عطينا نوبة» واللقب بسبب قطع في حلمة أذنه، التي أمسكها صالح، ذات يوم، مبرزها نحو سي عقيلة، وقال له: «وراسك يا غالي (لقطش) يقعد طيار ويشيلك إلى الحج» وبالفعل صار صالح طياراً وتصادفت رحلة سي عقيلة رفقة عبد القادر نبوس إلى مكة في طائرة الخطوط الليبية وكان «لقطش» قائدها.

غادرنا أيضاً يونس البرناوي ومبارك الشريف وفوزي المفتي وفائق السنوسي، إلى إيطاليا. وإلى العراق، صديقي محمد علي الشويهدي، الذي فضل الصحافة عن الهندسة الزراعية، فلم يواصل دراسته وعاد إلى جريدة الحقيقة، أما صديقنا محمد المسماري فظل حتى تخرج مهندساً متفوقاً في مجاله، ولكنه لم يستطع مواكبة ما صار بعد سبتمبر 69م فانزوى بعيداً عنهم. غادرنا أيضاً شباب قرروا أن يصنعوا لأنفسهم مستقبلاً خارج البلاد، عبد الله الدرسي، حسن البرغثي «الطرشمانة»، خليفة حامد وعمر جعاكه ومختار التركي وأكيد غيرهم كثيرون، ولكن لأن مواسم الهجرة توالت من بعد سنة1967، وكثرت من بعد تمكن القذافي من السيطرة على البلاد سنة 1969فإنه من الصعب تحديد من غادر للدراسة، ومن غادر بعدما حاصره القمع.

المزيد من بوابة الوسط