غات.. لؤلؤة الصحراء ضحية وعود الحكومات

الوسط - رمضان كرنفودة |
منظر عام لمدينة غات. (أرشيفية: الإنترنت). (photo: )
منظر عام لمدينة غات. (أرشيفية: الإنترنت).

اختلف الأمس عن البارحة فمدينة غات التي كانت تستقبل قبل خمس سنوات رحلتين جويتين كل أسبوع، تقلان أفواجًا سياحية من باريس ومارسيليا، انحدر بها الحال وبعد أن كان الازدهار الاقتصادي عنوانًا عريضًا لكل تفاصيلها، لاسيما في ظل انتعاش المرافق السياحية في مختلف الأركان، أصبح سكانها يعانون نقص السلع الغذائية وفقدان الخدمات الصحية والتعليمية وكذلك الأمنية؛ ولم يعد أمام المدينة صاحبة لقب «السحر والجمال» سوى الارتكان إلى وعود جوفاء تطلقها الحكومة الموقتة تارة وتمنِي بها حكومة الوفاق الوطني أخرى.

وفي محاولة لرصد واقع الحال في غات تجولت «الوسط» في مختلف زوايا المدينة، والتقت في البداية مدير مديرية الأمن العقيد مدني عبدالله مرتضى، الذي أسهب في حديثه عن الوضع الأمني في المدينة، مشيرًا إلى أن غات تعد من المدن الآمنة مما يعطيها أفضلية في استضافة الاجتماعات والمهرجانات وغيرها من المناسبات، نظرًا لطبيعة جغرافيتها وتجانس السكان بمختلف مكوناتهم الاجتماعية، فضلاً عن شبه غياب الجرائم الكبرى.

4 مراكز
وفيما يتعلق بعدد المراكز والنقاط الشرطية التابعة لمديرية أمن غات أشار مرتضى إلى وجود 4 مراكز شرطية، وهي مراكز شرطة لعوينات وتهالاء وغات المدينة ومركز في منطقة البركت؛ إضافة إلى عدة نقاط منها نقطة أمن مطار غات وأخرى في المنطقة الحدودية ايسين، فضلاً عن وجود قسم للبحث الجنائي وآخر للمرور.

مديرية الأمن تعاني نقصًا في الجانب البشري ويقتصر عدد عناصرها الأمنية على 600 عنصر فقط

إلا أن مرتضى ألمح إلى قلة إمكانات مديرية الأمن في المدينة، مؤكدًا أنها تعاني نقصًا في الجانب البشري إذ يبلغ عدد عناصر المديرية 600 عنصر فقط، موزعة على جميع الأقسام والمراكز والإدارات من منطقة لعوينات إلى ايسين، وأضاف: «في الحقيقة نحتاج دعم عناصر جديدة»، مشيرًا إلى افتقار المديرية إلى المعدات والأجهزة ناهيك عن الدعم المالي، مثلها في ذلك مثل باقي المديريات في ليبيا، فمديرية أمن غات بحسب مرتضى تحتاج إلى سلاح وملابس، لكن الأمل في الحصول على كل هذه الاحتياجات معلق بأهداب وعود أمطرت بها الحكومة الموقتة مديرية الأمن، وعلى الرغم من أن تلك الوعود جاءت على لسان رئيس الوزراء عبدالله الثني، الذي شدد على ضرورة دعم المناطق الحدودية إلا أنها لم تخرج إلى حيز التنفيذ حتى الآن.

مدير أمن غات عقيد المدني عبدالله مرتضى. (تصوير رمضان كرنفودة).

مدير أمن غات عقيد المدني عبدالله مرتضى. (تصوير رمضان كرنفودة).

وحول آليات عمل المديرية يقول مرتضى في حديثه إلى «الوسط»: «نحن نعمل ونؤدي واجبنا على أكمل وجه، والعناصر الأمنية تعمل هي الأخرى، لكن لا يخلو الأمر من غياب بعض العناصر نتيجة وضع البلاد؛ وغياب العناصر الأمنية لا يقتصر على غات فقط وإنما يشمل المديريات الليبية كافة، إلا أن ذلك لا يتعارض مع الاعتراف بمساهمة مديرية أمن غات في تشكيل الغرف الأمنية في المدينة بالإمكانات المتاحة».

مشكلة الانفلات
وحول الوضع الأمني في المنطقة الجنوبية يرى مرتضى أنه معقول جدًّا باستثناء سبها، لكن مشكلة الانفلات الأمني الموجود في سبها تعود بالأساس إلى تفشي الجرائم بشكل لافت في المدينة، إلا أنه ينبغي التأكيد في الوقت ذاته على أن جميع مديريات أمن الجنوب تستطيع المساهمة في المصالحة، لأن جميع أفرادها وعناصرها ينتمون إلى تلك المكونات مما يضفي عليهم اهتمامًا بمناطقهم خلال تأدية واجبهم الوطني.

مركز إيواء المهاجرين يفتقر إلى التجهيزات اللازمة.. وطرق ربط المدينة بجيرانها غير صالحة للسفر

وفيما يخص مراكز إيواء المهاجرين في المدينة أكد مدير مديرية أمن غات وجود مركز من هذا النوع، لكنه أقر بأن المركز يفتقر إلى الإمكانات والتجهيزات اللازمة، مؤكدًا أنه يستحيل تقديم الخدمات للمهاجرين في المركز من دون توفير الإمكانات.

وتقع مدينة غات في أقصى الجنوب الليبي المحاذي للحدود الجزائرية، وتبعد المدينة عن سبها بنحو570 كلم، لكن أغلب الطرق التي تربط المدينة بجيرانها من المدن أصبحت غير صالحة للسفر، ويصف الليبيون غات بمدينة السحر والجمال، نظرًا لعاصمة المدينة القديمة، فضلاً عن موقعها الجغرافي المتميز، إذ يحدها من اليسار جبال اكاكوس، التي تحمل على جدرانها حضارة عمرها 5000 سنة قبل الميلاد، بينما تقع على يمينها جبال تاسيلي ذات الطبيعة الجمالية الخلابة والنقوش العريقة.

قبل خمس سنوات غات كانت مزدهرة اقتصاديًّا من خلال انتعاش حركتها السياحية، فكانت المدينة تستقبل يومي السبت والأحد من كل أسبوع طائرتين من باريس ومارسيليا، تحملان في كل رحلة قرابة 400 سائح، تتضمن برامجهم السياحية التجول في مدينة غات، والاستمتاع بالمشاهد الطبيعية في جبال اكاكوس أو تاسيلي، فضلاً عن ركوب الإبل، ولعل تلك الأنشطة كان لها بالغ الأثر في إنعاش مصادر أرزاق سكان المدينة الذين كان معظمهم يعمل في بيع المقتنيات الشعبية وتأجير الإبل والسيارات، إضافة إلى انتعاش المطاعم والخيام السياحية. لكن تلك المظاهر اختفت تمامًا وأصبح السكان يعانون ضيق سبل الرزق ونقص الإمكانات المعيشية والصحية والتعليمية.

الأوضاع العامة
واستنادًا إلى تلك التطورات التقت «الوسط» مواطنين من مدينة غات ولم تلحظ تباينًا يذكر في آرائهم ذات الصلة بالأوضاع العامة في المدينة، إذ أجمعوا على المعاناة من قلة الدواء والرعاية الطبية.

استقبال  مستشفى غات العام. (تصوير رمضان كرنفودة).

استقبال مستشفى غات العام. (تصوير رمضان كرنفودة).

فمستشفى غات لا يوجد به سوى طبيب متخصص واحد، ويغيب عن المستشفى أية مظاهر للخدمات الطبية منذ أكثر من عام باستثناء بعض القوافل الطبية التطوعية بين الفينة والأخرى، مما اضطر الأهالي إلى تلقي الرعاية الطبية في مدينة جات الجزائرية القريبة من الحدود مع ليبيا، لكن السلطات الجزائرية أقفلت الحدود، فبات أقرب مستشفى لأهالي غات هو أوباري، على الرغم من أنه يبعد عن المدينة 250 كلم، كما أنه يعاني هو الآخر نفس المعاناة التي تعانيها مستشفيات غات، ويسافر الأهالي بفعل ضغوطات الحاجة إلى الرعاية الطبية إلى العاصمة طرابلس، وقد يضطرهم الأمر وفقًا للحالة إلى السفر لتونس على الرغم من ارتفاع الأسعار وشح السيولة.

ارتفاع الأسعار وشح السيولة وقلة الدواء ومحدودية الإمكانات ونقص الأطباء آفات تهدد حياة الأهالي

وحتى الحياة المعيشية في مدينة غات يرى الأهالي أنها أصبحت مكلفة للغاية، سواء في أسعار المواد الغذائية، أو المستلزمات المنزلية أو غيرها، خصوصًا في موسم الدراسة، فكل الأغراض في هذا الموسم مرتفعة الأسعار بالأضعاف، فالسلعة التي من الممكن شراؤها من سبها بـ5 دينارات تجدها في غات بـ 7 دينارات، ولا يرى التجار مبررًا لارتفاع الأسعار سوى التذرع بارتفاع تكلفة نقل البضائع، وأن تجار الجملة هم من يتحكم في الأسعار.

النساء والولادة
ومن الحديث مع أهالي المدينة انتقلت «الوسط» في جولتها إلى مستشفى غات لتقف على واقع الأمور فيه، وكان أول لقاء مع الدكتورة صفية امبارك يحي، فعلى الرغم من أنها طالب طبيب عام، إلا أنها تجري الكثير من الفحوصات الطبية في قسم النساء والولادة، فضلاً عن بعض حالات الاستدعاء، فالمستشفى على حد قول امبارك في حالة متردية للغاية، ولا يحمل مواصفات مستشفى للعلاج وغير مؤهل لعلاج المرضى، نظرًا لعدم وجود أطباء متخصصين أو غيرهم.

العمل في مستشفى غات العام يقتصر على «كشك» للولادة الطبيعية.. ولا يوجد بالمستشفى إلا حضانتين

وأضافت: «نحن في قسم الولادة نعالج الحالات التي نستطيع علاجها، أما التي نعجز أمامها فنحولها إلى جانت في دولة الجزائر، وهو أقرب مستشفى يتمتع بالإمكانات اللازمة للعلاج، إلا أنه بعد غلق الحدود يتم تحويل بعض الحالات إلى مستشفى أوباري الذي يبعد عن غات 250 كلم، وهناك البعض الذي يفضل سبها أو طرابلس». وعادت امبارك للحديث عن مستشفى غات، مشيرة إلى أنه لا توجد بالمستشفى غرفة عمليات جراحية للولادة، ويقتصر العمل الطبي على «كشك» للولادة الطبيعية، بالإضافة إلى نقص حاد في الحضانات، فلا يوجد بالمستشفى إلا 3 حضانات فقط، لا تعمل منها إلا حضانتان».

خارج غات
وخلال جولة المستشفى التقت «الوسط» عددًا من الممرضات اللاتي أكدن خلو المستشفى من أية أسرة صالحة للاستقبال، نظرًا لعدم وجود أطباء في المستشفى، ويتم إحالة المرضى إلى خارج غات واقتصار العلاج في المستشفى على الحالات البسيطة مثل الجروح والتحاليل وحقن المرضى. أما رواد مستشفى غات من المواطنين والمواطنات فأجمعوا على المعاناة من غياب الأطباء، إلا حال وجود أطباء زائرين من طرابلس أو مصراتة، وتزداد المعاناة في ظل شح السيولة وارتفاع الأسعار، مما يحول دون الانتقال إلى خارج المدينة لتلقي الرعاية الطبية.

معمل تحاليل مستشفى غات العام. (تصوير رمضان كرنفودة).

معمل تحاليل مستشفى غات العام. (تصوير رمضان كرنفودة).

وتعقيبًا على ذلك يرى مدير مستشفى غات العام، المهندس عبدالرسول أحمد امبارك إن معاناة مستشفى غات لا تختلف عن معاناة باقي مستشفيات ليبيا في هذه المرحلة، فكان المستشفى يضم كوادر طبية أجنبية من كوريا ومصر والسودان، إلا أنه في العام 2015، غادرت تلك الكوادر المدينة نتيجة الظروف الأمنية التي تشهدها ليبيا في الأمن والاقتصاد، وربما يعود هذا الحال إلى اعتماد المستشفى منذ البداية على العناصر الأجنبية.

أول قافلة
وأضاف المدير العام: «قمنا بزيارة وزارة الصحة في مدينتي البيضاء وطرابلس، وشرحنا لهم وضع المستشفى وما يعانيه الناس من نقص في الأطباء والتشخيص الطبي، فوصلت أول قافلة طبية إلى غات من جمعية الهلال الأحمر الليبي مكونة من أطباء ليبين، بلغ عددهم حوالي 13 طبيبًا، ونحن في حقيقة الأمر نواجه صعوبات في التعامل مع المرضى لعدم وجود الإمكانات اللازمة، فجهاز الأشعة معطل، فضلاً عن أن إمكانات إيواء المرضى محدودة للغاية إلا في الضرورة، وأقل ما يمكن قوله هو إن مستشفى غات تعيش واقعًا كارثيًا، ولولا أهل الخير والقوافل الطبية لكان الوضع أكثر سوءًا».

مدير مستشفى غات عبدالرسول أحمد امبارك. (تصوير رمضان كرنفودة).

مدير مستشفى غات عبدالرسول أحمد امبارك. (تصوير رمضان كرنفودة).

واستطرد عبدالرسول مبارك قائلاً: «قام بزيارتنا أخيرًا رئيس حكومة الوفاق فائز السراج، وتجول في المستشفى، وختم زيارته بوعود تفضي إلى صرف مبلغ للطوارئ يقدر بمليون ونصف المليون دينار، ونحن في الانتظار. أما ما يعرف بحكومة الإنقاذ، فوافقت على استجلاب طواقم طبية من أوكرانيا في السابق لكن لم ينفد القرار بسبب عدم وجود تغطية مالية، أما الحكومة الموقتة فقد تحصلنا على وعود منها لكنها لم تحقق هي الأخرى».

للاطلاع على العدد (59) من «جريدة الوسط» اضغط هنا (ملف بصيغة pdf)

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات