الأدب وثورة فبراير.. ما بين الاستعجال وتوثيق الحدث

القاهرة - بوابة الوسط: محمود الغول |
ثورة 17 فبراير ألهمت الكثير من الأدباء (الإنترنت) (photo: )
ثورة 17 فبراير ألهمت الكثير من الأدباء (الإنترنت)

يبقى الأدب وثيقة يمكن الاستناد إليها في تحليل الأحداث السياسية والاجتماعية التي يمر بها أي بلد، خصوصاً تلك التي شهدت ثورات شعبية، غير أنه يمكن النظر للأمر من زاوية أوسع، تتكون من عدة مراحل، فقبيل الثورات قد تكون هناك كتابات ملهمة للشعوب، وبعد قيام الثورات يتأثر الكتَّاب فيكتبون وهم في الغالب متأثرون بروح الثورة وحماستهم لها أو موقفهم منها، ورغم مرور ست سنوات على ثورة فبراير، فإن الأمر قد يشوبه عدم الوضوح، بسبب تأزم الموقف وتأجج الصراع السياسي في بلد يموج بالتغيرات وعدم الاستقرار، مما دفع عدداً كبيراً من أهل الفكر والرأي وأرباب الأدب للخروج، ما منحهم فرصة لرؤية المشهد عن بعد، بما يمكن تسميته بالصورة الكاملة.

ويشهد التاريخ على أن أدب الثورة لا يكتب في أثناء الثورات لكنه يكتب بعدها، فالمثقف يتأثر بما حوله لكن الصورة قد لا تكون مكتملة أمامه، وعواطفه إذ جياشة ما بين فرحة وإحباط، والحالة الليبية هنا ليست فريدة، إنما حدثت من قبل، ولنا أن نطالع ما كتبه عميد الأدب العربي طه حسين تحت عنوان «أدب الثورة وثورة الأدب» بجريدة «الجمهورية» المصرية في٢٣ أكتوبر ١٩٥٤، إذ يقول: «وابحث إنْ شئت عن الأديب الفرنسي الذي عاصر الثورة، وأنشأ في أثنائها أدباً جديراً بالبقاء، فلن تجد هذا الأديب مهما تُطِل في البحث والتنقيب، بل تستطيع أنْ تقرأ ما تركه رجال الثورة أنفسهم من الخُطَب والأحاديث التي ألهبتْ نفوسَ المعاصرين ودفعتهم إلى النهوض بالأعباء الثقال، وتحقيق الأمور العظام، فلن تجد في هذه الخطب ما يلائم ذوقك الفني. بل لن تجد فيه ما يرضي عقلك المستأني وحُكْمك الذي يريد أنْ يتدبر قبل أنْ يصدر؛ لأنها كانت خطباً وأحاديث تلائم الظروف والأوقات التي أغرت بها ودفعت إليها، فلما تغيرت تلك الظروف وانْقَضَت تلك الأوقات، أصبحت تلك الخُطَب والأحاديث تاريخاً من التاريخ، لا تصلح إلا لقراءة الباحثين الذين يريدون أنْ يؤرخوا للأحداث. ولكن انظر بعد ذلك فيما أنشأ الكُتَّاب والشعراء الفرنسيون بعد أن استقرت الأمور في وطنهم، وبعد أنْ تأثرت حياة بلادهم بالثورة، وأصبحت الحرية لهم طبعاً والرقي لهم غاية لا يستطيعون عنها نكولاً، فسترى الأدب الحق والفن الجدير بالبقاء… (وسترى أنَّ أدب الثورة إنما يأتي بعد الثورة لا أثناءها)».

ومنذ فبراير 2011 حتى اليوم، أنتج كم كبير وهائل من الكتابات المتنوعة على المستويات الصحفية أو التاريخية والأكاديمية بلغات مختلفة، وإن تميزت الأعمال التي ظهرت بلغات أجنبية وفي مقدمتها الإنجليزية بعمق في التحليل وغنى في المحتوى بما أماط اللثام عن طبيعة نظام القذافي وتاريخه، مقابل تركيز الكاتب الليبي على الحياة الاجتماعية والسياسية وتأثيرهما في حياة المواطن. ففي روايته «حروب ماريش وثوراتها الثلاث» يتناول الكاتب الليبي، عمر الكدي الفترة الزمنية التي امتدت من أيام الحكم العثماني وصولاً إلى ثورة 17 فبراير، وفيها يتنقل الكدي بين اﻷزمان المختلفة عن طريق شخصياته المترابطة.

وبطل الرواية يدعى نجيب، الذي يقول عنه الكدي: «نجيب خليط من عدة شخصيات فهو يشبهني ويشبه غيري، وحتى عندما نكتب عن أنفسنا تتمرد الشخصية الروائية على الشخصية الحقيقية، وتختار مسارات أخرى. وهذا ما حدث مع نجيب. رواية حروب ماريش ليست سيرة ذاتية، وإن تطرقت إلى بعض خبراتي ومشاهداتي، هي توثيق لفترة من التاريخ الليبي حسبما سمعته شفهياً من أشخاص كثيرين مروا في حياتي، وبالتأكيد فإن الروائي لا يستطيع الابتعاد عن خبراته لذلك عادة ما تشبهنا الشخصيات الروائية، ولكنها في الوقت نفسه تختلف عنا، خاصة عندما تجتمع في الشخصية الواحدة عدة شخصيات».

فيما تتناول رواية «حوليات الخراب» لعمر الكدي أيضاً ثلاثة عشر طاغية توالوا على حكم ليبيا. وتستلهم الرواية أحداثها من تاريخ هؤلاء ولكن بلباس سردي معاصر، وهو ما يقول عنه الكدي: «بقدر ما تتناول الرواية أحداثاً بعيدة في الزمن فإنها تركز على اللحظة الراهنة، وعلى تداعيات ثورة فبراير. بدأت التفكير في كتابة هذه الرواية منذ 15 سنة عندما كنت في ليبيا، وكنت أحدث أصدقائي عن شخصيات الرواية، وخاصة الطغاة الثلاثة الخياليين، ولكن عندما جلست لكتابتها في مدة 23 يوماً تغيرت فيها أشياء كثيرة، فرضها سقوط القذافي وانتصار ثورة فبراير، والتداعيات التي أعقبت هذا الانتصار».

وبعد نحو عام من الثورة، صدر للكاتب إبراهيم الكوني رواية «فرسان الأحلام القتيلة»، ورغم تميزها بالحساسية المرهفة والجمالية في البناء والبراعة في التشكيل والعمق في الفكرة والرؤية، فإن جمهور المتتبعين للشأن الروائي تفاجؤوا بظهور رواية عن «الربيع العربي» الذي لم تكتمل ملابساته ولم تنكشف تمثلاته ونتائجه بعد (حين ظهرت الرواية).

واعتبر البعض أن صدور هذه الرواية، في هذا التوقيت المبكر، فعل متسرع لا يمكن أن يجسد الوضع الإنساني والواقع الاجتماعي لليبيين.

يضاف إلى ذلك رواية «زمن الأخ القائد» للكاتب فرج العشة، التي تناولت ليبيا الماضي والحاضر، وإذا كانت الرواية تتناول سيرة وطن عبر مجموعة من الشخصيات المحملة بالهم الثقافي، فإنها تنفتح بجرأة على سيرة أوطان عدة، وعلى حيوات بشر وجدوا أنفسهم هاربين من الوطن القامع إلى أماكن أكثر قمعاً.

ويبرع الكاتب في تقديم العربي المحاصَر بالتيه النفسي والقمع السياسي، وينفتح السرد على زمنين، سيرة وطن الماضي وسيرة مواطن في الحاضر، وأيضاً على مكانين: ليبيا أو بالأحرى صحراء ليبيا، حيث يترعرع الراوي، ومعسكر اللجوء في مدينة لايبزغ الألمانية.

في العام 2013 صدر كتاب «جداريات ليبيا الثورة» للمصور الليبي أبوديب، وهو عمل توثيقي لثورة 17 فبراير. ويعتبر الكتاب، الذي تضمن نحو 60 صورة للجداريات والرسومات التي قام العديد من مؤيدي ثورة 17 فبراير الليبية برسمها على جدران ومعالم المدن، أول مرحلة توثيقة برؤية فنية خلال فترة الصراع بين الثوار الليبيين وكتائب النظام الليبي السابق.

في العام 2015 صدر كتاب بالإنجليزية بعنوان «الثورة الليبية وتداعياتها»

وفي العام 2015 صدر كتاب بالإنجليزية بعنوان «الثورة الليبية وتداعياتها» يتناول فيه المؤلفان، بيتر كول وبريان مكواين، دور القبائل كرقم مهم في المعادلة الليبية، ويتجول قارئ الكتاب في دهاليز الواقع الليبي الراهن وحركات مثل «فجر ليبيا» وما يسمى «الجهاديين أو الأفغان العرب» الذين قاتلوا يوماً ما في أفغانستان ثم انتشروا في مناطق أخرى على امتداد خارطة العالم العربي والإسلامي من بينها صحراء ليبيا وجبالها.

وفي هذا الكتاب يمكن للقارئ أن يتعرف على طرف من النظرة الغربية لما حدث ويحدث في ليبيا، فيما يرصد محررا الكتاب تفاصيل العمارة مثل الأروقة ذات الأعمدة الإيطالية الضخمة في ميدان الجزائر بقلب طرابلس.

أيضاً، قدم الأديب يونس الفنادي قراءة في عشر قصص قصيرة لعزة المقهور، كتبتها في أثناء ثورة فبراير. واختار الفنادي لكتابه عنوان «ثورة فبراير في الأدب الليبي - قصص عزة كامل المقهور نموذجاً».

وانقسم الكتَّاب إلى «ثورة فبراير في الأدب الليبي» شمل إحصائية قصصية، وقصصاً تعانق الثورة، وقراءات في النصوص القصصية للمقهور: «فاطمة، يانا علي، فشلوم، يادج، قناديل البحر، شجرة الزيتون، ربيع الزاوية، شارع الصريم، أولاد السوق، ميدان الشهداء». والقسم الثاني: «نصوص القصص كما نشرت على شبكة الإنترنت لأول مرة».

ويقول في كتابه: «شكل الإطار البنيوي لهذه القصص وتركيبها الداخلي والخارجي بتوافق كبير، مبرزاً عدم حيادية مضمون هذه النصوص، ومعلناً صراحةً انحيازها إلى مبادئ وأهداف ثورة 17 فبراير. وقد اتسم شكل الهيكل أو البناء العام للقصص بالاستهلال والمدخل من خلال تقديم بسيط للتعريف بالمكان الجغرافي واستعراض أوصافه ومعالمه بمقدمة بليغة جداً في مفرداتها وذاكرتها التاريخية الزاخرة بالمعالم والتفاصيل الدقيقة التي تنقل القارئ إلى بيئة النص وأرض الحدث بهوية المكان وروحه ومعالمه وطقوسه وتاريخه، أو التعريف ببطل القصة وشخصيتها المحورية».

كما صدر للكاتب محمد الأصفر كتاب «ثوار ليبيا الصبورون» الذي بدأ كتابة مادته منذ اندلاع الثورة في 17 فبراير واستمر لسنوات، حيث نشرت أجزاء كبيرة من الكتاب في شكل مقالات صحفية، يرصد فيها التغيرات في نفسية وأخلاق الإنسان الليبي وتعبيراته بعد ثورته على القذافي، فيما يقول الأصفر إنه حاول في هذا الكتاب أن يحوّل نبض الثورة الذي عاشه منذ انطلاقه، إلى كلمات نابعة من وجدانه المؤمن جداً بثورة كان ينتظرها منذ زمن بعيد، نافياً تصنيف كتابه ضمن «الأدب الاستعجالي»، الذي تمليه الظروف الطارئة، مشيراً إلى «... إنه كتاب سريع من حيث إيقاع كتابته، لكنه متمهل في تأملاته، إنه كتاب وجداني بالدرجة الأولى».

وعن دار الفرجاني صدر كتاب للدكتور محمد المفتي وهو السجين السياسي السابق، بعنوان «ذاكرة النار»، والذي يحوي ذكرياته اليومية منذ اندلاع ثورة 17 فبراير.

كما صدر عن دار النهضة بلبنان كتاب «سيرة فبراير» لإدريس المسماري، والمعروف أن إدريس المسماري يعد من الأوائل الذين انطلقوا ليلة ثورة فبراير في بنغازي يهتفون بإسقاط النظام، ولخص ذلك في كتابه، وكذا اعتقاله والإفراج عنه وهروبه إلى تونس.

وكذلك صدر كتاب «سقوط باستيل بنغازي» لمحمد عقيلة العمامي، ويحوي مقالات صاحبت قيام الثورة منذ بدايتها حتى سقوط النظام ثم ألحق به طبعة ثانية.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات