وحملته نسوره التي أعدها لذلك عاليا، مرت به على أعالي الجبال ونزلت به قيعان الوديان، كل ذلك ومرافقه يلقي باللحم لها عاليا فتصعد وأسفلا فتنزل، رأى الجبال والأنهار والبلدان، ثم رأى الكواكب والنجوم مر محلّقا بنسوره فوق أقوام وشعوب، رأى أسراب الطيور وكائنات لا يعرفها.
كان نمرود يحلّق عاليا بنسوره التي رباها وأعدها لتلك المهمة، مهمة أن يصعد السماء متحديا «رب إبراهيم» ثم هبط على أعلى الجبال ثم بنى برجا كي يصل منه إلى قمته، ولكنه لم يصل فالنسور هبطت والجبل والبرج انهارا، قتل وعفا معتقدا أنه يحي ويميت.
جيش جيوشه ومد سلطانه دون أن يستطيع أحد إيقافه، ملك كل ما على الأرض من مشرقها إلى مغربها، لاهيا، عابثا بكل شيء ولكن الشمس ظلت تشرق من الشرق وتغرب في المغرب دون أن يملك من أمرها شيئا.
عرف التنجيم وحركات الكواكب والأفلاك ودورة الحياة من الميلاد إلى الموت، عرف طرح النخل وأزهار الرمان وعرف القطاف والنهايات دون أن يملك من أفعالها شيئا، ولكنه ظل يرى أنه يملك مصائر كل ذلك وأنه ربها الذي أحياها ويميتها إن شاء.
إنه القوة المطلقة، الإرادة الكاملة التي لا يعترضها معترض، الخالد الذي لا يموت، الجبار القادر على تحريك كل ما في مملكته حيثما شاء، ولكن الشمس ظلت تشرق من الشرق وتغرب في المغرب دون أن يملك من أمرها شيئا.
ويا لجناح البعوضة الواهن الضعيف، ويا لجبروته المهلك، نمرود الإله كما رأى نفسه الذي لا يهزمه رب آخر.
ولكن جناح البعوض الواهن الضعيف يثير عاصفة مدمرة تدك القلاع وتهدم الأسوار وتلتهم الجنود نتفة نتفة فلا تبقي من الجيش إلا الرميم.
وتقتحم بعوضة صغيرة تكاد لا ترى لضآلة حجمها أنف النمرود الإله الطاغي المتجبر مالك البلاد والعباد، الذي يحي ويميت، لتحتل رأسه تزن وتزن لينهار بأس الطاغية بأوهن الأسلحة وأضعف المخلوقات.
كان الجبار قد تحول بطنين تلك البعوضة في رأسه إلى كائن هش ضعيف يستجدي عبيده أن يطرقوا رأسه بالعصي والحجر علَّ البعوضة تهدأ، ظل يلهث مستجديا أفراد شعبه الضرب على رأسه، البصق في وجهه، تعذيبه علَّ التعذيب ينسيه طنين البعوضة في رأسه.
يا لنهايات الطغاة المتألهين.
تمثل سيرة النمرود أقدم التواريخ والسير للطغاة الذين طغوا في الأرض، والذين لم يطغوا على البشر فقط بل تطاولوا على الله، مدعين الألوهية والقدرة على الإحياء والإماتة، كانت السلطة المطلقة التي نالها قد أوهمته بأن سلطانه لا حدود له، وأن مصائر البشر والحجر بيده، وأنه إله على الأرض يحلل ويحرم ما يشاء وكيفما يشاء.
النمرود، الملك مطلق السلطات وحر النزوات، الذي أراد أن يفرض شريعته على شريعة الكون وموازينه، وأن يهندس الكون وفق أهوائه وأن يفرض على البشر ربوبيته، كان واهنا كبيت عنكبوت.
الطغيان والتجبر يبدو ممارسة مطلقة للحرية، أن أفعل ما أشاء وكيفما أشاء أقتل وأستعبد من أريد، أبطل كل نواميس الحياة لأمارس رغباتي وأهوائي ببساطة أن أصادر حقوق كل الكائنات في الحياة لأحيا بها.
فكرة مصادرة الأملاك والحقوق وحتى المصائر ظلت مدخل تأله الطغاة، أن يصادر الطاغية منك كل شيء ليضمه لأملاكه ولحقوقه وليمارس ما تمنع من ممارسته، ويحول نزواته وأهواءه إلى شرائع وقوانين تحكمك، أن يمنحك بعض الأشياء ويصادرها منك عندما يشاء، دون أن يرف جناح البعوضة، تلك هي شريعة النمرود.
لقد حلقت نسور نماريدنا بهم عاليا وما زالت تحلق، ألا ترون نسور الحديد اللامعة وهي تجاور نجوم الحديد على أكتافهم دونما رفة لجناح البعوضة.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات