في بلادٍ كانت تُعرّف الثقافة يومًا بأنها سؤالٌ صعب، أصبحت اليوم إجابةً جاهزة تُطبع على بطاقة تعريف: “موظف — شاعر — روائي — خبير استراتيجي - كل شيء”.
لم يعد الطريق إلى الإبداع يمر عبر القراءة أو التجربة أو حتى الفشل النبيل، بل عبر بابٍ جانبي في وزارةٍ ما، حيث تتحول الملفات الإدارية فجأة إلى دواوين شعر، والتقارير السنوية إلى رواياتٍ ملحمية عن “رحلة المعاناة مع ختم الإدارة”.
في الصباح، يوقّع الموظف على الحضور والانصراف، وفي المساء يوقّع كتابه الجديد في ندوةٍ عنوانها: “التحولات العميقة في الوعي الجمعي”… وهو لم يتحول إلا من مكتبٍ إلى منصة.
أما المثقفون الحقيقيون، أولئك الذين ظنّوا يومًا أن الثقافة تحتاج إلى جهدٍ وتراكم، فقد أصبحوا كمن يبحث عن مقعدٍ في قطارٍ انطلق منذ 1969 بلا سائق، ولا حتى وجهة. قطارٌ فتح أبوابه للجميع، لا ليساوي بينهم، بل ليلغي فكرة الفرق أصلًا.
هكذا، لم يعد السؤال: “من يكتب؟” بل “من لم يكتب بعد؟”.
عندما انهار التعليم، لم يسقط السقف على الطلاب فقط، بل سقطت المعايير تحت الأقدام. أصبح "الفشل" هو المؤهل الوحيد لتصدر المشهد. لم نعد بحاجة إلى سيبويه أو إدوارد سعيد؛ فالنظام الميليشياوي يحتاج إلى "واجهة" غبية بما يكفي لتجميل القبح، وذكية بما يكفي لسرقة الميزانيات المخصصة "للطباعة والنشر".
التعليم، الكائن المنقرض، ترك وراءه فراغًا رائعًا - فراغًا يسمح لأي أحد أن يملأه بصوته العالي. لم يعد التفوق ضرورة، بل أحيانًا عائقًا؛ لأن المشهد يحتاج إلى خفةٍ في التنقل بين المواقف، لا إلى ثقل المعرفة.
وهنا يظهر الأبطال القدامى في حُلّةٍ جديدة: وجوهٌ تعرف كيف تقف دائمًا في الاتجاه الصحيح… أو تغيّر الاتجاه بسرعةٍ كافية. خبرةٌ طويلة في التلوّن، من زمن اللجان إلى زمن المليشيات، مرورًا بكل الأنظمة التي لم تدم، لكنهم داموا.
إنهم لا يكتبون التاريخ، بل يعيدون كتابة أنفسهم داخله.
وفي الخلفية، تقف الدولة كمن فقد خريطته في مدينةٍ لا يعرف أسماء شوارعها. أجهزةٌ تعمل، نعم، لكنها لا تعرف لماذا تعمل، ولا كيف. كل شيء يتحرك، لكن لا أحد يعرف إلى أين.
المشهد كله يشبه مسرحيةً عبثية، حيث الجميع على الخشبة، والجمهور أيضًا على الخشبة، والنص مفقود… لكن التصفيق مستمر.
إنها كوميديا سوداء بلا ضحك حقيقي؛ لأن النكتة الوحيدة فيها أننا جميعًا جزءٌ منها، شئنا أم أبينا.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات