Atwasat

لكن المرسل إليه لا يفك الخط!

أحمد الفيتوري الثلاثاء 31 مارس 2026, 04:17 مساء
أحمد الفيتوري

من رسائل العراقيين القدامى
رسالة أولى:

أخبر المرأة اليتم، أبلم أرسل الرسالة التالية: ليحفظك إله الشمس بصحة جيدة. لقد جاءتني المرأتان، لاماسم ونيش إنيشو، باكيتين ومطأطأتي الرأسين، وقالتا لي: «أتريد أن تهجرنا، وتذهب إلى بابل، دون أن تترك لنا طعاما ليوم واحد!». لقد ذرفتا الدموع وناشداني قائلتين: «ساعدنا هذه السنة، لأننا على شفا حفرة من المجاعة».

رسالة ثانية:
أخبر مولاي، خادمك ياكيم ـ آدو، أرسل الرسالة التالية: قبل فترة وجيزة، كتبت إلى مولاي ما يلي: «لقد ألقي القبض على أسد، في مخزن للتبن في بيت في أكاكا. إن على مولاي أن يكتب، ما إذا كان يجب إبقاء الأسد في المتبن، حتى يصل مولاي، أو يجب عليَّ جلب الأسد إلى مولاي. ولكن الرسائل من مولاي بطيئة جدا في الوصول، والأسد ما زال في المتبن لخمسة أيام، لقد رموا له بكلب وخنزير إلا أنه رفض أكلهما. لقد انتابني القلق: «لا سمحت السماء! إن الأسد سيهزل».

تصور أن لم يكن ثمة قارئ: أن الأسد قد هزل، أن المرأتين المستنجدتين في حفرة المجاعة منذ آلاف السنين، ذرفتا الدموع لهذا الخاطر وتوكد قارئا: أن العلاقة غير السهلة، بين الكاتب والقارئ، التي بدأت في بلاد ما بين النهرين، في يوم محفوف بالأسرار، ستبقى قائمة أبد الدهر، إنها علاقة مثمرة، ولكن منطوية على مفارقة، بين خالق بدائي يهب الحياة في لحظة الموت وبين خالق بعد مماته. أو بالأحرى بين أجيال من الخالقين بعد مماتهم، الذين يمكنون ما جرى خلقه من التكلم والذين لولاهم لأصبح كل شيء مكتوب ميتا، القراءة هي إذًا تبجيل الكتاب.

واختنق بعبراته وهو يغلق دفتي الكتاب، ويبعد عنه توهماته، أن لم يكن ثمة قارئ لهذه الرسائل ..؟ المرسل إليه لا يفك الخط! ترحم على والده وغضب من أمه، الأول فك عقدته وعقله بفك الخطوط، الأسطر السوداء والفراغات البيضاء، الموجودة بين الأسطر، تحولت فجأة إلى معان ذات إيقاع، هذا ما استطاع أن يحققه وحده دون معونة أحد، والثانية فعلت ما كانت تفعله أم آلبرتو مانغويل: اذهب إلى الخارج وعش حياتك، كانت أمي تقول دائما عندما تراني أقرأ، كما لو أن انشغالي الصامت هذا كان يتعارض مع تصوراتها عن الحياة. لكن على أي حال، أعطتني القراءة عذرا مقبولا لعزلتي، بل ربما أعطت مغزى لتلك العزلة المفروضة عليَّ.

قبيل أن أتخبل في خيوط المكتبة، كنت أقرأ يافطات شارع عمر المختار وملصاقاته، التي بصقها التجار على حيوطه، تحوطني عزلة عن مشارب الشارع ومشاغل الناس، اندلفت لمكتبة قورينا متخطيا الطريق في تثاقل ضايق السائقين السوقة، تلقتني أقواس ظللتني، وسلتني من خيوط الشمس الحارقة، فما الذي أوقعني في هذا الخبل غير القراءة؟

حين عدت في مبتدئي من المدرسة، وضعت في غرفة وأغلق الباب، كان عليَّ أن أنجز دروسي، أن أقرأ وأقرأ، عزلت كمجذوب، وكمطعون عليه أن يشفى، بترديد وقراءة واجباته المدرسية، وفي ذلكم المعزل تحققت من ذاتي، أحل ما لغز وأفك ما عقد، وأعيد خلق ما لا يوجد، تلك المجردات، ما كنيت بالأحرف، كانت أداة الخلق وكل خالق وحيد. لهذا تحققت مع الأيام، أن القراءة عزلة، وأن القارئ وحيد، رغم أن جدتي كانت تظن أن للأحرف أرواحا، وأن هذا الحرف أوزة وذاك خروف، فعندها الأبجدية خلق الله ولكل مخلوق تعين.

تعينت في الأحرف كل الموجودات، فالرسم العلامة كليم، أنطقت الحجر، وجعلت فراغ الغرفة ضاجا بالكائنات، التي أطلق سراحها مع كل زفير وشهيق مكونا الكلام، ومن النظرات تتخلق معان وحياة. دخلت مرة أمي الغرفة دون أن أنتبه، وكنت أقرأ درس المطالعة عن الأم، فصحت جذلا: لقد خلقتك يا أمي، وأبي شد ما ألح على أن أكون، أول من يفك عقدة لسانه بفكي الخط، أفيق صباحا كى أعمل كمساعد له في متجره أو المخبز، حيث بعدئذ يوصلني حتى باب المدرسة، في المتجر أسجل ديون زبائنه، وفي المخبز عدد ما يوزع من أرغفة.

لكن هذا الأب لم يهتم، بضرورة أن أتعلم أن أقرأ، حتى زار أبي في تلك الأيام مصر، لعلاج أختي الخرساء، لما عاد وصله مظروف بالبريد، حين رغب في قراءة ما حوت الرسالة وجدني ضالته، كانت الرسالة وما تبعها رسائل غرامية، من امرأة توقع بـ«سوسو»، شد ما أذهلني إيقاع هذه الأحرف مكتوبة ومقروءة والتي لم أتبين كنهها، حينها لم أجتز العاشرة وفي السنة الثالثة الابتدائية، قرأت له ما يسره وكتبت الجواب ما يمليه عليَّ. فيما بعد اتخذ خالي مني القارئ، والكاتب لرسائله، وحامل البريد لنسائه، لكن هذا الخال يستعين بكتاب مختص بالرسائل الغرامية، لهذا انحصرت مهمتي في القرأة واعادة كتابة ما يختاره، كرد نموذجي من ذلك الكتاب، أما عمي فكنت أقرأ له أوراقا رسمية، وبعض الكلمات الشارحة لصور غرامية في مجلات مختصة، وأخبار المطربة المصرية نجاة الصغيرة التي كان متيما بها، فيما كنت وفقيه الجامع نقرأ معا في المسجد، قصص ألف ليلة وليلة والبرتو مورافيا، بعد انتهاء الدرس القرآني اليومي وقضاء الصلاة ، ولأن ما أقوم به جهد يفوق قدراتي، لهذا ثقلت القراءة ولم أحب المدرسة البتة.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»