Atwasat

الشلماني والقذافي بين الضوء والظل.. سيرة مخفية (11)

سالم الكبتي الأربعاء 25 مارس 2026, 07:05 مساء
سالم الكبتي

(لا تطلب النار من البحر.
ولا تستمطر الصخرة
إن هذه الأزمان.. عاهرة كبيرة)
محمد الشلطامي

كان العقيد عبدالعزيز الشلحي صاحب مهابة له وزنه داخل الجيش الليبي وخارجه تلك الأعوام. وفي الأصل ظل والده إبراهيم الشلحي رجلا مخلصا أمينا في خدمة الأمير ثم الملك منذ العام 1914. وكان عبدالعزيز أصغر إخوته الذكور.. البوصيري وعمر. ومع شقيقاتهم في الغالب عاشوا في المهجر بمصر مع الأمير والملك إدريس إلى التغيير في سبتمبر 1969. تخرج في الكلية الحربية في مصر العام 1956.

وفقا للمعلومات المتواترة تاريخيا عن الرجل تفيد على وجه العموم بأنه لم يكن بالصورة السوداء التي جسدته من أسباب المشاكل في الجيش. ربما مكانته لدى الملك باعتباره تربى في بيته مع إخوته جعلته محسودا نتيجة لغيرة أو كراهية. لكن ظل في جانب آخر على تقاطع مع الضباط وخاصة الصغار منهم الذين كانوا ينظرون إليه رمزا للسلطة يستغل نفوذه عبرها في الجيش وخارجه أيضا طبقا للعلاقة القديمة مع الملك ويؤثر بهذا المفهوم تأثيرا بالغا في المؤسسة العسكرية الليبية برمتها.

وفي صفحة مقابلة من سيرته ظل كثير من هؤلاء الضباط يقدرون اهتمامه بهم خاصة في السنوات الأخيرة من العهد الملكي. لم يتصادم سواء مع رئيس أركان الجيش اللواء نوري الصديق عدة مرات وربما كان سببا في إخراجه ونقله عضوا بمجلس الشيوخ أواخر العام 1968، حيث حل مكانه صهره اللواء السنوسي شمس الدين. وهذه اللحظة من التصادمات جعلت من رئيس الحكومة حسين مازق يتدخل بينهما لحل ما افترقا بسببه ونجح ذات مرة لكنه أخفق في محاولات تالية.

منذ تخرجه ضابطا حضر عديد الدورات خارج ليبيا وتولى إدارة التدريب في الجيش وأشرف على عدة مناورات أجراها الجيش في أماكن مختلفة من البلاد أشهرها التي تمت جنوب الجبل الأخضر صيف 1964 كما أشرف مباشرة على امتحانات الضباط وقد روى العديد منهم معاملته الحسنة لهم طوال انعقادها. وصار في كل الأوقات محل ثقة كبيرة عند الملك فقد أوفده لبعض العواصم العربية وخاصة مصر. كانت له علاقة جيدة مثل شقيقه الأكبر البوصيري مع الرئيس عبد الناصر وربما هنا مصر ظلت تراهن عليه في تولي زمام الأمور في ليبيا.

سؤال الصحفي محمد حسنين هيكل عنه وقت وصوله إلى بنغازي في اليوم التالي لأول سبتمبر 1969 لم يكن من فراغ وتيقن بأنه بعيد عما وقع وأنه حبيس المعتقل في طرابلس. رافق الملك في أداء فريضة الحج العام 1962 وأرسله في مارس من العام نفسه لإحضار جثمان الشيخ الأخضر العيساوي رفيق الملك في ديار الهجرة وتشييع جنازته في أبورواش بالقاهرة كما رافقه في رحلته الخاصة إلى اليونان صيف 1963. إضافة الى مهام عديدة أخرى.

والواقع يشير على الدوام بأنه كان بعيدا تماما عما تطايرت حوله من أقاويل بعد اغتيال العقيد إدريس العيساوي نائب رئيس أركان الجيش. التي نفتها تحقيقات وشواهد وأدلة كثيرة خلال العهد الملكي وبعده. كان هناك عبر هذه السيرة جانب عاطفي وإنساني ونفسي غائر في أعماق القلب عند العقيد الشلحي لا يمكن تجاهله أو إهماله. هذا الجانب كما رأينا تمثل في العلاقة الإنسانية العريقة والروحية المتأصلة مع شخصية الملك. كان ذلك عاملا مهما ورئيسا يدركه الكثيرون ووقف عليه الشلماني وأصبح يدفعه للاتصال به والتواصل معه حول (تنظيم الضباط الأحرار) الذي كان الشلماني نفسه ينتظمه مع زملائه الآخرين.

العقيد الشلحي كان عسكريا مخلصا في مهامه في الجيش ومدنيا في الحياة السياسية المتصلة بالملك. ومن المؤكد تاريخيا أن الكثيرين راهنوا عليه وصوروا له أشكالا متعددة في تفكيرهم لقيادة البلاد إذا ما حدث فراغ باستقالة الملك بصورة نهائية أو وفاته. اقترب من بعض النخب المثقفة وشعر حيالها بالتقدير مثل علي عبد الله وريث (كان شقيقه عبدالعظيم ضابطا معلما في الكلية العسكرية في بنغازي) ورشاد الهوني وغيرهما ولعله وفقا لما حدثني به رشاد رحمه الله استمع إلى كثير من آرائه ووجهات نظره في مجمل من القضايا عبر لقاءات جمعت بينهما في بنغازي العامين 1968 و1969.

والخلاصة من الناحية التاريخية تشير على نحو جلي إلى أن العقيد الشلحي أضحى يمتلك موقفا (فكريا) خاصا من جهة وسياسيا من جهة أخرى بانتمائه للملك وتجربته وتضحياته التي يراها مضيئة في سبيل البلاد. وعلى هذا كان أيضا له وقفته المشهورة داخل قفص الاتهام في محكمة الشعب دفاعا عن الملك ووفاء له. اعتبره والدا له لا يمكن أن ينال منه أو يقصر في حقه. كان يختلف هنا عن كثير من الضباط وحتى جملة من المسؤولين في الدولة الذين لم يعرفوا الملك حق المعرفة مثله إلا فيما ندر ويستثنى من ذلك بعض الضباط القدامى الذين عاصروا وشاركوا في تأسيس الخطوات الأولى للجيش السنوسي في مصر العام 1940 الذي صار نواة لتشكيل (الجيش الليبي) لاحقا بعد الاستقلال.

أثر هذا كله تغيرت أمور وجاءت مسائل أخرى في واقع البلاد لكن العقيد الشلحي أكد انتماءه لمدرسة الملك ونهجه داخل الجيش ابتعادا عن السياسة وتوجها لحماية البلاد وصون دستورها وحريتها.

إن هذا الواقع الذي كان عليه العقيد الشلحي لم يكن في وارد أذهان العديد من الدارسين أو المنتسبين لصفوف الجيش. أبعدوا الجانب العاطفي والإنساني قوي التأثير ولم يشفع لعبد العزيز في استبعاد اتهامهم المتكرر له بأنه كان يعد انقلاب القصر يوم الجمعة الموافق للخامس من سبتمبر 1969، وأن ذلك سيتم باتفاق مع الملك شخصيا. لقد كان أمرا صعبا. والأقرب أن العقيد الشلحي كان سيتدخل إذا حدث تهديد للنظام.. وهو المأمول منه.. لكنه لم يحدث رغم تحذيرات الشلماني. وتاريخيا هنا تراخى العقيد الشلحي في ذلك كثيرا وظل السبب مجهولا في أعماق التاريخ حتى الآن. تسامحه وتراخيه هذا أخذ منحى آخر. فيما نفى العقيد القذافي بعد وصوله للسلطة في الأيام الأولى ما تردد بأن للعقيد الشلحي تنظيما مستقلا يعد العدة للانقضاض على الأوضاع السائدة.. الذي كان جزءا أصيلا منه. هذه الحساسية الخاصة والمؤثرة والمتداخلة مع جملة من المسائل لم يفهمها الكثيرون ولم يجر وضعها في اطارها التاريخي دون تهويل أو مبالغات.

تلك مداخل وإشارات ضرورية تتعلق بمكانة الشلحي الأثيرة في الجيش وضمن رحاب الملك يتلاقى فيها الجانب الإنساني.. واللوحة الواقعية للرجلين.. الملك والعقيد.

وبهذه النظرة المختلفة عن آخرين للعقيد الشلحي جعلت الشلماني يتواصل منذ مارس 1969 معه وينقل له ما يجري دون أن يكشف صراحة عن أسماء زملائه دفعا للضرر بهم. وبدأ الحوار بمقترح طرحه الشلماني على العقيد الشلحي معالجة للأمور بكامل الهدوء ودون أي ضجيج. لكن في البعيد المطلق ظلت عبر تلك الفترة صراعات وتنافسات غير منظورة للأعين بين المصالح الحيوية في ليبيا تخوضها أطراف دولية كبيرة تود الحفاظ على حصتها من الحلوى والكعك والبترول. الصراع وضع كل الأشياء واضحة فوق أرض صندوق الرمال.. الذي سيتحرك وينطلق غباره بقوة ويتناثر مع الرياح العاصفة.
 



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»