Atwasat

اكتشفت اليوم أنني من الطبقة الفقيرة… أكاديميًا

توفيق عياد الشقروني الخميس 12 مارس 2026, 09:29 مساء
توفيق عياد الشقروني
في صباح اليوم اكتشفت حقيقة اجتماعية جديدة عن نفسي؛ لم يكن الاكتشاف نتيجة دراسة ميدانية أو تحليل إحصائي معقد، بل جاءني في رسالة بريد إلكتروني قصيرة. بعد ستة أشهر من المراسلات والتعديلات وملاحظات المحكمين، وبعد فرحة حقيقية بقبول بحثي للنشر بتقدير «جيد جداً»، وصلتني الرسالة التي وضعت الأمور في نصابها: رسوم النشر 150 دولاراً. عندها فقط أدركت أنني – على ما يبدو – أنتمي رسمياً إلى الطبقة الفقيرة في عالم البحث العلمي.
 
ستة أشهر من القراءة والكتابة والتعديل، وستة أشهر من الانتظار الذي يشبه انتظار نتيجة تحليل طبي حساس، كل ذلك انتهى بجملة بسيطة تقول إن نشر هذا الجهد يحتاج إلى مبلغ يعادل أكثر من نصف راتبي الشهري. وهكذا اكتشفت أن الفرحة الأكاديمية لها سعر محدد بالدولار. الخطأ في الحقيقة خطئي؛ لم أقرأ شروط النشر جيداً قبل إرسال البحث، كنت منشغلاً بأشياء ثانوية مثل أصالة الفكرة والمنهج والمراجع والنتائج، ولم يخطر ببالي أن هناك عنصراً آخر في المنهجية اسمه «القدرة على الدفع».
 
المفارقة أنني أعمل في مؤسسة بحثية، لكن العمل في مؤسسة بحثية لا يعني بالضرورة أن المؤسسة ستدعمك كباحث؛ فهناك في العادة فئات واضحة: أصحاب الدرجات العلمية الكبيرة لهم الامتيازات، أما الباحثون الذين يعملون خارج هذه الدائرة فيكتشفون سريعاً أنهم أقرب إلى متفرجين على النشاط العلمي منهم إلى مشاركين فيه. الدعم المؤسسي فكرة جميلة في الخطب والمؤتمرات، لكنه في الواقع يشبه بعض المشاريع التي نقرأ عنها في الصحف أكثر مما نراها في الحياة.
 
أما المجلات العلمية المحلية فحالها – مع استثناءات محترمة – يشبه حال كثير من القطاعات الثقافية: إمكانيات محدودة، وانتشار محدود، وتأثير محدود. ولهذا تعتمد بعض المجلات على رسوم النشر كوسيلة للبقاء. وهكذا تتحول العملية إلى معادلة بسيطة: الباحث يكتب البحث، ويعد الدراسة، ويقرأ المراجع، ويصحح النسخ، ثم يدفع في النهاية مقابل نشر عمله. نموذج اقتصادي مثير للاهتمام؛ الكاتب يدفع لينشر، والقارئ قد يدفع ليقرأ، والناشر يدير العملية بين الطرفين، بينما تقف المعرفة في المنتصف تحاول أن تجد طريقها.
 
الباحث الفقير يعيش مفارقة غريبة؛ يقضي شهوراً في إعداد دراسة لن تحقق له أي عائد مادي تقريباً. لا أرباح، ولا مكافآت، وربما لن يقرأ البحث سوى عدد محدود من المتخصصين. ومع ذلك يستمر في الكتابة بدافع قد يكون حب المعرفة، أو الفضول العلمي، أو الرغبة في ترك أثر صغير في هذا العالم. لكن في لحظة ما يكتشف أن نشر هذا الجهد يحتاج إلى ميزانية، فيبدأ في مراجعة أولوياته المالية، وكأن البحث العلمي أصبح بنداً من بنود المصروفات.
 
ومن طرائف القدر أنني بالأمس فقط تلقيت رسالة من شخص يسأل عن كتابي «المجمل في الأمثال العامية الليبية». أرسلت له رابطاً يضم كتبي الرقمية كلها مجاناً، لأنني اعتدت نشرها دون مقابل. لكنه عاد وكتب مرة أخرى أنه يريد نسخة ورقية. ترددت قليلاً، ثم أخبرته أن النسخة الورقية تكلف أربعين ديناراً، أي ما يقارب أربعة دولارات، وحددت له المكان والموعد إن أراد استلامها، فجاء الرد بسيطاً ومباشراً: «تمام».
 
اليوم، بعد قصة رسوم النشر، بدأت أفكر في الاعتذار لذلك الرجل؛ ربما كان عليّ أن أخبره أن يحتفظ بالمال لنفسه، فنحن – على ما يبدو – في القارب نفسه. والحقيقة أن اهتمام شخص بكتاب كتبته كان يستحق احتفالاً صغيراً؛ ربما كان عليّ أن «أزغرد» بدل أن أذكر السعر. ففي زمن يدفع فيه الباحث مئة وخمسين دولاراً لينشر بحثه، يبدو طلب أربعة دولارات مقابل كتاب نوعاً من الجرأة الاقتصادية.
 
البحث العلمي في عالمنا يشبه إلى حد بعيد عملاً تطوعياً طويل الأمد. تكتب لأنك تحب الكتابة، وتبحث لأنك تحب المعرفة، وتنشر لأنك تريد أن تضيف شيئاً صغيراً إلى هذا العالم. لكن التجارب اليومية تذكرك أحياناً بأن طريق المعرفة لا يمر فقط عبر المكتبات والمراجع، بل قد يمر أيضاً عبر فاتورة صغيرة تنتظرك في نهاية الطريق.


مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»