الكاتب قد يصوم عن الكتابة، هذا اعتيادي، قد يكون فرضا أو اختيارا، لكن أن تحرن الكتابة وتتملص وتختل الكاتب، فتجعله في «حيص بيص»، ذلكم لا يطاق، بخاصة عندما يبدأ المقالة، فينشئ فقرة دسمة مشبعة، وأحيانا فقرتين، ثم ينسد الأفق بغيوم سوداء حالكة لا بصيص فيها، عندئذ لا مناص من رفع الراية البيضاء، فيتدثر بالاكتئاب للانفكاك من الخيبة! والعجب العجاب أن هكذا حال مصاب بها الكاتب كما وجع الأنثى مع الطمث.
الفقرات التالية النموذج القريب لي لتبيان ما حدث ويحدث معي. فقرات متفرقة كثر راهنت عليها وخسرت، تركتها في الحفظ والصون بحاسوبي وما نفع. لقد جفت عروقها ولم تنمُ، حافظت على حال الساق الجاف العاري. فكرت نكاية بها ولمغالبتها، أن أشاركك هذه الفقرات المتفرقة، التي تبدو كقصار الأفكار أو ما عُرف بـ«الشذرات».. وثمة سؤال: هل هناك ترابط ما بين هكذا فقرات متفرقة؟
• الحلول تأتي جملة وقطاعي في المسألة الليبية منذ مارس 2011 وحتى الساعة، من الأمم المتحدة ومجلس أمنها، والاتحاد الأوروبي أو الإفريقي، فالجامعة العربية ودول الجوار واللا جوار، من تونس ومصر والجزائر والمغرب وباريس وروما وموسكو ولندن والإمارات وأديس أبابا والكونغو برازفيل.
يقدمها مارتن ومتري وليون وكوبلر وغسان وغيرهم. تأتي هذه الحلول الجمة، لتحقق «اللا حل»، ومهمة كل الأطراف في الداخل تنفيذ ذلك، وبتأييد شعبي مضطرد، حيث يبان كل مرة أن المراد هو هذا الحل العبقري «اللا حل».
• احتار صديقي في أمره، لقد سُجن بتهمة تأسيس حزب، وكانت العقوبة عند «معمر القذافي»، القائد الليبي، الإعدام الذي قد يُخفف للمؤبد. حيرة الصديق مأتاها من أنه المتهم الوحيد في ذلك الحزب. ثم ما زاد الطين بلة، أن طُلب منه اختيار هوية الحزب بين شيوعي وإخواني، وفي الأخير حُكم عليه بالبراءة، ثم ضم إلى قسم البراءة بالسجن، حيث قضى أكثر من عقد من الزمان وهو يسمع الحرس وإدارة السجن يرددون قسم البراءة، فأمسى كل السجناء يرددون هذه الكنية على القسم الذي قضى فيه ردحا من العمر، دون أن يتبين دلالة كنيته: سجين البراءة.
• حكاية من التراث الليبي: صديقان قررا أن يسافرا ويترافقا في رحلة معاً، وفيما هما يقطعان الصحراء، خطر ببال أحدهما أن يتخلص من صديقه بقتله. فسأله: ما رأيك لو أنني قتلتك الآن؟ من سيشهد على فعلتي هذه، ونحن في هذه الصحراء الخالية؟ فرد عليه صاحبه: في ظنك أنت كلامك صحيح، من سيشهد غيري وغيرك، وهذه الطيور فوقنا؟ ولكني أعلم أن ربنا الكبير شاهد على فعلك، وقادر على إعلام الرب الصغير. رد عليه صاحبه ساخراً: لا شاهد ولا حاضر في هذا الخلاء، وقتل صاحبه ودفنه، وقفل عائداً إلى ديارهما. استغرقت عودته سنة كاملة، وعندما وصل إلى أهل صديقه المغدور، سألوه عن رفيقه، ولماذا لم يرجع معه وقد خرجا معا؟! فتحجج كاذباً بأن رفيقه اختار ألا يعود، لأنه التحق بعمل، وأنه بخير، وقد حمله سلاما لأسرته.
ومع بداية السنة، فكر الصاحب أن يتفقد مكان جريمته، وعندما وصل إلى مكانيهما السابق، وجد دالية في ذلك الخلاء والقفر، فقطف منها عنقوداً كبيرا، وفكر في إهدائه لصديقه القاضي، فهو عنب في غير موسمه، ووضعه في مخلاته، ومضى متجهاً إلى مقر المحكمة، لمقابلة صديقه القاضي، وأستأذنه في الدخول عليه، وبعد التحايا والسلام أخرج الهدية، عنقود العنب من مخلاته، فإذا به يتحول إلى رأس صديقه المغدور، فما كان منه من هول المفاجأة إلا الاعتراف بجريمته بين يدي القاضي، الذي حكم عليه بجنس عمله، بقتله وفصل رأسه، ثم دفنه مع جثته.
• نتزاحم، الأطفال والمراهقين ومن في حالهم، عند باب العزاء، لنشاهد تداعك النادبات والنائحات والمعددات، بصراخهن ثم ضربهن صدورهن وتمزيق خدودهن بأظافرهن، تفجعا وألما لفراق الفقيد، بل ورميهن على شعورهن رماد الكانون إن وجدن في دار الميت.
النادبات من آل المتوفى فالجارات، وحتى عابرات السبيل. المناسبة مسرح للتفجع والتوجع من البكاء والندب حتى الإغماء أحيانا. كل هذا وأكثر متاح للجمع، ولمن لم يتح له أن يندب حاله وأحواله، متاح ما ليس متاحا خلال التوجع لفقد الفقيد. وهكذا من نسج على المنوال، يمسني شيء من حال النادبات في دار الميت كلما تابعت، راغبا أو مضطرا، ردود الفعل تجاه أزمة مستجدة، حيث الاعتيادي أن الخروج من أزمة يتم عبر أزمة أخرى، وحيث تتداعك النادبات والنائحات والمعددات، بصراخهن ثم ضربهن صدورهن، وتمزيق خدودهن بأظافرهن.
• دون شطط الفهرسة والمفتتح كما المؤخرة، شيء مريح وجميل، هذا التداعي جلب لي نقد ألبيرتو ايكو للتأويل المفرط في كتابه «التأويل والتأويل المفرط»، وهو من اعتبر التأويل اتزانا والإفراط شططا عقليا ومبالغة عاطفية. هكذا يبدو لي أن التجريب والجري «جري الوحوش» وراء التحديث سراب، وكأن المرء تطارده أشباح الماضي. وقد قيل في التأني السلامة أو المتعة الرائقة. أما التحديث جزافا فهو فعل مرهق ومراهق، يستغله تجار الموضة، فيكون هكذا تحديث تقليعة، كما بعد الحداثة، التي هي عند كثيرين حصيلة فوضى الحواس، وصياغة لعبث مقنع، فصيحة أن لا شيء في أي شيء، وبالتالي فإن ما بعد الحداثة مثلما ما بعد، لا شيء فيها غير أنها لا شيء، وهذه الملاحظة التهكمية تبيحها وتفعلها ما بعد الحداثة نفسها.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات