ما يعلمه الجميع هو كيف أن «الغياب عن المشهد» كان درعه الأقوى. فكانت قوته في كونه شخصًا أو «فكرة» أو «طيفًا» يخشاه الخصوم ولا يطاله الرصاص، بفضل حماية اتسمت بالذكاء والاحترافية لمدة أربعة عشر عامًا بجدارة. ففي سنوات التواري كانت حمايته هي الدرع الأمتن، حيث تحول سيف الإسلام القذافي إلى شخص محاط بسياج من السرية والولاءات التي أدركت قيمة الغياب في زمن الفوضى. كانت تلك الحماية الممتازة ثمرة وعي أمني عميق في بيئة ليبية لا ترحم، حيث الظل هو الملاذ الأخير للنجاة والقدرة على المناورة بعيدًا عن صراعات المحاور المشتعلة.
طوال أربعة عشر عامًا، بقي سيف الإسلام لغزًا عصيًّا على الحل، وقوة كامنة يستمد ثقله من «عدم رؤيته»، فكان حضوره الذهني في وجدان أنصاره أقوى من أي حضور جسدي قد تحرقه شمس الخصومة. لقد وفر هذا الاختفاء الطويل فرصة لإعادة بناء الرمزية بعيدًا عن ضجيج السلاح، وجعل من الصمت استراتيجية دفاعية وهجومية في آن واحد، قبل أن تتدخل الأيدي العابثة لتفسد هذا المشهد، ربما بعلمها أو بدونه، كونها تفتقد للخبرة والتجربة الأمنية التي تجعل الهدف من الحماية أن تكون استباقية لا علاجية، لأنها لن تتكرر مرتين.
من وجهة نظري، التي قد لا تعجب الكثيرين، يقع اللوم الأكبر اليوم على تلك الثلة التي استعجلت قطاف الثمرة قبل نضجها، وأخرجت صورة الرجل إلى العلن بعد سنوات من الحماية الاحترافية، وكأنها تبيع «الهدف» لخصومه على طبق من ذهب. هؤلاء الذين ظنوا أن «اللقطة» التلفزيونية أو الصورة المسربة قد تعيد ملكًا ضائعًا، أو حكمًا مضى وانتهى، لم يدركوا أنهم نزعوا عنه رداء «الأمان» الذي كان يحميه من رصاص الغدر وأعين المتربصين في الداخل والخارج.
إن كسر ستار السرية لم يكن فعلًا سياسيًا حكيمًا، بل كان مقامرة طائشة بأرواح الرموز، وتحويلًا «للقائد المستتر» إلى هدف مرئي سهل المنال في غابة تفتقر إلى أدنى معايير الأمان السياسي. هؤلاء الذين روّجوا لمشهد الظهور يتحملون المسؤولية الأخلاقية والتاريخية عن إنهاء حالة «الحصانة الطبيعية» التي وفرها الغموض، حيث استبدلوا استدامة الحماية بلحظة استعراضية زائلة كلفت الكثير.
كانت المفارقة مؤلمة بين مدرسة «الصمت الاستراتيجي» التي أدارت ملف غيابه بحنكة، ومدرسة «البروباغندا والترند» التي تفتقر إلى النفس الطويل والذكاء الأمني، فأنهت أسطورة الاختفاء بقرار غير مدروس. الحماية الممتازة كانت تدرك أن في ليبيا «من تراه العين تدركه اليد»، وأن التحول من الفكرة إلى الجسد المرئي يعني الدخول في منطقة الرماية المباشرة لخصوم لا يقبلون بوجود منافس. لقد كان الظهور العلني بمثابة دعوة صريحة لكل من يخشى عودة النظام السابق لتصويب سهامه نحو نقطة محددة، بعد أن كانت تلك السهام تائهة في البحث عن طيف لا يُمس. هؤلاء المستشارون الذين دفعوا نحو «كسر العزلة» لم يقرأوا الواقع الليبي جيدًا، فظنوا أن الحشود الافتراضية ستحمي الرجل من الواقع المرير، متناسين أن الرصاص لا تمنعه الإعجابات.
إن الحديث عن مصير ليبيا بعد غياب أي رمز، سواء كان سيف الإسلام أو غيره، يجب أن ينطلق من حقيقة أن الأوطان لا تموت بموت الرجال، بل تعاني حين يرتبط مصيرها بالأفراد. المشهد السياسي الحالي يعج بوجوه تظن أنها خالدة، لكن الحقيقة التاريخية تؤكد أن كل من يتصدرون الواجهة اليوم زائلون لا محالة، وستطويهم صفحات النسيان كما طوت من قبلهم. ليبيا ليست مختزلة في اسم واحد، والتعلق بالأشخاص هو الذي أخّر مخاض الدولة الحقيقية، فكلما سقط شخص أو غاب رمز، وجد الشعب نفسه في تيه جديد يبحث عن «مخلّص» آخر.
إن رحيل الرموز، مهما كان وزنهم، هو جرس إنذار يذكّرنا بأن الأرض باقية واللاعبين متغيرون، وأن الرهان على «الرجل الواحد» هو رهان خاسر في سوق السياسة المتقلبة.
أما عن مستقبلنا، وما يجب علينا فعله، فالبداية تكمن في التوقف عن انتظار «المهدي المنتظر» سياسيًا، فكلهم لصوص بأشكال مختلفة، والبدء في بناء مؤسسات قوية لا تتأثر بظهور شخص أو اختفاء آخر من المشهد. يجب علينا كليبيين أن ندرك أن قوتنا في وحدتنا وتوافقنا على «عقد اجتماعي» جديد، لا في الولاء المطلق لأسماء قد ترحل في لحظة طيش أو غدر من أقرب المقربين.
إن المستقبل يُصنع بالعقول والخبرات والشراكات المتينة التي تؤمن بالدولة والقانون، وليس بالعواطف الجياشة التي تتبع الأطياف والصور. لذا وجب علينا تحويل بوصلة الاهتمام من «من سيحكم؟» إلى «كيف سنحكم؟». فالمسؤولية تقع على عاتق الجميع لرفض التبعية العمياء، والعمل على خلق واقع يضمن استمرار الوطن حتى لو غاب كل من في المشهد اليوم، فليبيا تستحق أن تعيش لأجل أبنائها.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات