Atwasat

القوى الخفية

منصور بوشناف الخميس 12 فبراير 2026, 03:58 مساء
منصور بوشناف

لا أحد يعرفهم، ولا أحد يحاول التعرف عليهم، لا السياسي ولا الميليشياوي ولا عضو الحزب ولا عضو اللجنة الثورية، لا محرر الأخبار ولا المحلل السياسي، ولا كاتب الرأي ولا دارس العلوم السياسية والاقتصادية ولا حتى مخابراتنا، لا أحد يعرف تلك القوى التي تحكمنا وترسم مصائرنا وتحدد مسارات خرابنا، لا أحد يعرف هذا «الميتا»، هذا «الماوراء» الخفي الذي يشفط ما يسرقه لصوصنا من ثرواتنا، ويقتل أبناءنا في معارك الأوهام والثارات القبلية والجهوية المضحكة، هذا الذي يفتتنا شيعا ومذاهبا وشعوبا وقبائل، ومدنا وأريافا وبدوا وحضرا، بربرا وعربا، سنة وشيعة، طحالبا وجرذانا، شرقا وغربا، شمالا وجنوبا، من هذا الذي يفعل بنا كل هذه الأفاعيل دون أن نعرف من يكون؟

بالتأكيد هو ليس هؤلاء الذين نراهم أمامنا يسرقون ويقتلون ويحكمون، هم ليسوا إلا عصيا لمن عصى، ليسوا إلا دمى يحركها ذاك الخفي الذي لا يعرفون، هم ليسوا إلا مماليك لذاك الخفي، يسرق بهم ويسرقهم، يقتل بهم ليقتلهم، يحكم بهم ويحكمهم، يضعهم في مواجهتنا ومواجهة مصيرهم، إنهم مرغمون لا أبطال وسفلة.

في بريطانيا ظهرت ترجمة إنجليزية لرواية «الشياطين لدوستويفسكي» تحت عنوان «الممسوسون» أو «المملوكون» أي الذين مسهم أو تلبسهم شيطان وامتلكهم فصاروا «مماليك» له، ينفذون أوامره سعيا في البلاد الروسية خرابا، يدمرون العقيدة الدينية الأرثوذكسية الروسية وينشرون أفكار الشيطان الغربي في الديمقراطية والاشتراكية وغيرها من قيم الحداثة الغربية التي بدأت تهدد نظام الكنيسة الروسية ونظامها القيصري أنهم وحسب المصطلح الروسي «نيهالستس» أو «عدميون مخربون فوضويون»، كانوا قد شكلوا تنظيمهم الإرهابي وشرعوا في تنفيذ الاغتيالات بعد أن انتشرت أفكارهم الفوضوية بين الشباب الروسي، إلحادا ورفضا للكنيسة والقيصر، وبالنسبة لدوستويفسكي وعلى الرغم من أنه خرج من معتقل سيبيريا القاسي والقيصري، إلا أنه رأى فيهم تهديدا لقيم وروح الأمة الروسية وكنيستها الأرثوذكسية، فقد كان قوميا أرثوذكسيا حتى العظم، إنهم بالنسبة له «الشياطين» الذين سكنوا عقل وروح الأمة الروسية، وشرعت تلك الشياطين تنطق باللسان الروسي وتبطش باليد الروسية بالأمة الروسية، عنوان الرواية كان «الشياطين» ولكن المترجم الإنجليزي ترجمه «الممسوسون أو المملوكون» الذين تملكهم شيطان أو سكنهم جن، فهم ليسوا فاعلين بل مفعول بهم، مسيرون دونما وعي وفي حالة «سرنمة»، ليسوا شياطين بل خدام شياطين.

في تسعينيات القرن الماضي كتبت مقالا بعنوان «المملوكة» عن فتاة ليبية ظهرت في التلفزيون الليبي بعد أن قدمها المذيع كعبقرية تقول الشعر النبطي الخليجي كخليجية أصيلة أتت سياحة إلى بلد اسمه ليبيا، قلت إنها ممسوسة بجن خليجي، وهذا الجن يجتاح البلاد والعقول ليس في الشعر فقط فلقد جعلهم هذا الجن الخليجي يلبسون خليجياً ويغنون خليجياً ويسبون خليجياً ويسكنون بيوتا خليجية وحتى يتعطرون خليجياً، ويحلمون بمستقبل خليجي، كنت غاضبا حقا من أجل هوية هشة ووطنية تتلاشى تحت سياط الشح وشهوات الاستهلاك. شيطان «دبي» تغلغل وانتصر وسيطر على البلاد بممسوسيه ومماليكه الليبيين وعاث فينا خرابا وحروبا، وكذا فعل الشيطان التركي والروسي والفرنسي والإيطالي وحتى المالطي، حتى صارت بلادنا وعقولنا وأرواحنا وعاداتنا وتقاليدنا وفنوننا وأصوات مطربينا ملاعب لكل تلك الشياطين التي ملكتنا.

الليبيون يقولون عن لصوصهم وقتلتهم وسياسييهم وتجارهم «شياطين» ولكنني أقول إنهم «مملوكون» لقوى خفية، لشياطين حقيقية ووكلاء لذاك «الشيطان الأكبر»، يبدو أن جناً إيرانيا قد مسني أيضا.

أولادنا المملوكون وبلادنا المملوكة لن تتعافى إلا بإخراج تلك الشياطين منها ومن عقولنا، تلك القوى الخفية التي تملكنا وتلهو بنا وبمصائرنا.

المؤسف والجارح لنرجسيتنا الوطنية أن الشياطين التي لعبت بنا، ليست أيضا إلا «مملوكين» لشيطان أكبر، لم يكن بحاجة لتملكنا بل منحنا لمملوكيه الصغار.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»