عبر التاريخ ظلت علاقة الجمهور بالمسرح، استثنائية، دون سائر فنون الفُرجة الأخرى، كالمهرجانات الاستعراضية والموسيقية والغنائية، والسينما.. فهو الاستثناء في التلاقي الذهني، بين العرض والمشاهدة.. ويظل جمهور المسرح، وخصوصاً التراجيدي، يمتلك كيمياء التفاعل الحسي والذهني مع النص في شكله ومضمونه، وهو المشترك بين القيمتين الفنيتين اللتين جعلتا من «المسرح» رسالة ثقافية فاعلة مكنته من السكن في «وسط البلد» حيث تنبض الأحياء الشعبية بروح المكان ورائحته، وحيث تعيش الناس يومياتها المُلهِمة!
كان المسرح القديم الذي نبع من روح ومخيلة ووجدان «الحكواتي»، تأسس بأدواته القديمة، وبرغبة من حملوا هموم الناس وصعدوا بها إلى الركح المضيء، منصة الفعل والانفعال، ليتأثر الجمهور بتفاصيل حياتهم ومعاناتهم التي تجسدت أمامهم على الخشبة، ولخصت معنى وجودهم «الذاتي» المسكوت عنه، وظهر في شخصية من تقمص دورهم وأجاد به التعبير عن لحظات الوجع، إيماءً وبوحاً باللغة الركيزة التي أصابت وجدانهم فصفقوا لها من ذاتهم!
كان المسرح القديم هو البداية التي تعرف خلالها الناس على همومهم، برسم وجوههم وانفعالاتهم، ودارجاتهم الشعبية من صميم تراثهم الذي تشكل من عطائهم في المدينة القديمة، وكون هذا الفضاء التعبيري في كل بيت وزقاق.. وقد برز هذا المسرح «الشعبي» في حياة المُدن القديمة وناسها، فكان المَعْلم الأهم بين الساحات والمقاهي الشعبية التي كان يرتادها جمهور الحكواتي وازدهرت قديماً في مصر وبلاد الشام والمغرب الأقصى.. ويُعد «الحكواتي» ركيزة أساسية وجذراً أصيلاً في تكوين المسرح العربي، حيث وفر مادة درامية تراثية غنية وتقنيات أدائية مهدت لظهور المسرح الحديث وأدوات تطوره اعتماداً على هذا العنصر الأهم.
بوصفه مصدراً أصيلاً للفُرحة الشعبية، كان تأثير «الحكواتي» بارزاً في تأصيل المسرح العربي من خلال ما قدمه من أعمال تراثية مشوقة مزجت بين الحكاية والتمثيل والمونولوج، خاصة في ليالي المناسبات الدينية المضيئة.. ولقد أجاد الحكواتي تقمص شخصياته بأداء مسرحي جذب جمهوره بقدرته على مهارة تقليد الأصوات وحركة الجسد، وإثارة المشاعر في اللحظات الدرامية، وهو ما يعتبره دارسون ممارسة إبداعية ركحية سابقة، مهدت للمسرح التراجيدي.
قبل ظهور السينما والتلفزيون، كانت المقاهي القديمة في الأحياء الشعبية الملتقى الجامع الأثيري لأهل الحي في المساء، وتحت ضوء الشموع ومصابيح الحيطان، كانوا يستقبلون الحكواتي مشدودين بالأسئلة العالقة حول حكاية مساءٍ فات، فيفتح الحكواتي كتابه السميك معللاً سرديته السالفة بهوامش التشويق، ثم يستطرد في استكمال بقية الحكاية، وهي الرواية التي صنعها خيال الراوي واستعانت بالخرافة والحكمة والأمثال، بل استعادت الأسطورة لتحيا ماثلة في مخيلة المتفرجين.. فكانت إن بنت تلك الحكايات مخيلات جمهور متأمل فتح كتاب المعرفة بذهنية الرائي المتمكن، فكان منهم المُنتج في الحياة، والمؤسس للمسرح وللكتابة.
انتقل الحكواتي من المقاهي والساحات الشعبية إلى خشبة المسرح كعنصر تكميلي، جمالي وفرجوي، مستخدماً السرد بتغيير نبرات الصوت والتمثيل الحركي لتجسيد الشخصيات، كما في أداء «القراقوز»، وهو ما وظفه لاحقاً عدد من المسرحيين العرب، مثل «يوسف إدريس» الذي استلهم الحكواتي الشعبي في العديد من مسرحياته من خلال اللغة المحكية والحكاية اليومية والراوي الذي يشبه الحكواتي الشعبي، وقد أسس إدريس في القاهرة القديمة لما يمكن تسميته بـ«مسرح الحارة».. وأيضاً كان هناك «الفريد فرج» وهو من أكثر المسرحيين وعياً بوظيفة الحكواتي حين استعاد السير الشعبية والأساطير واستخدم الراوي بوصفه محور البناء المسرحي.
ويُحسب لفرج أنه جعل الحكواتي جسراً بين التاريخ والواقع السياسي الحديث.. إضافة لمسرحيين آخرين، مثل عبدالرحمن الشرقاوي وسعدالله ونوس ومحمد الماغوط والطيب الصديقي الذي يُعد من أهم من طور الحكواتي مسرحياً حين دمج «الحلقة المغربية» بالحكواتي واستلهم المقامات والسير الشعبية واستخدم الراوي بوصفه مركز العرض كما في مسرحيته «مقامات بديع الزمان الهمذاني».. ولقد نجح المسرح العربي الجاد عندما حمل حضور الحكواتي وقدرته على شد انتباه سامعيه وصولاً إلى ذروة الحكاية.. وإذا كان هؤلاء قد نقلوا الحكواتي من المقهى السمعي إلى مسرح الفُرجة، وجعلوه أداة وعي سياسي، فإنهم بذلك حولوا الحكواتي إلى تقنية درامية، وإلى ضمير جمعي، وآلية أصيلة لكسر وهم المسرح الأوروبي، فكان المسرح العربي الفاعل والمتفاعل مع الزمن، الجسر الرابط بين التراث والحداثة.
من مهارات الحكواتي الذهنية إنه اختبر جمهوره عندما قطع عنهم الحكاية فجأة وجعلهم ينتظرون بشوق حتى الليلة التالية، وهي التربية الذهنية المخيالية التي كانت وراء التأسيس المعرفي بالنص المسرحي، وبكتابة فصول الرواية التراثية، وتقنية الكتابة السينمائية والتلفزيونية المعاصرة باستخدام التقطيع المشهدي واستدعاء الماضي «فلاش باك» لتعزيز بنية النص السردية.. وإذا كان الإنسان قد اكتسب هذا السلوك في حياته بالفطرة، فإن تأثره بفن الحكي المُستقى من التراث الأدبي، قد أكسبه ضبط التخييل أثناء النقاش، والمهارة في طرائق السرد، وإجادة الاختزال في صياغة لغة الإقناع.
لقد تطور فن الحكواتي ليصبح جزءاً من العروض المسرحية المُحكَمة، متجاوزاً أشكال الحكايات التقليدية، إلى مسرحيات تجريبية قصيرة معبرة، ساعدت على إنتاج التراجيديا والمونودراما.. وتاريخياً أسهم الحكواتي في دعم القيم التاريخية وفلسفتها من خلال سرد القصص الشعبية والأمثال التراثية، بالإضافة إلى البُعد التربوي والأخلاقي الذي يضفيه على حكاياته. وهو بهذا الدور كان جوهر «المسرح» بكيانه الأخلاقي في المجتمع وبرسالته الثقافية، قبل أن يعرف العالم العربي الخشبة والديكور والستار وتقنيات الإضاءة والصوت، والانفتاح على تجارب المسرح العالمي. ولقد ساعدت حكاياته المتنوعة، الواقعية والخيالية، في تأسيس قاعدة جماهيرية عريضة تقبلت الدراما السردية ومراحل تطورها التاريخي.
كان تأثير هذا «الفن» كبيراً في تهذيب سلوكيات الإنسان وتنمية مداركه منذ العصر الجاهلي عندما كانت العرب تعتمد على الروايات الشفوية لحفظ التاريخ والأنساب والحروب والأساطير.. ولقد كان «المسرح» الذي شيده الحكواتي في تراثنا العربي، وراء تصميم المنابر والمدرجات الحديثة، حيث وقف خطباء المساجد والشعراء وأساتذة الجامعات والحُكام، يلقون وازن «الكلام» على السامعين من منصة «التأثير» العالية، التي كان لها بالغ الأهمية في حياة المجتمعات العربية، وهي التي تحملت بعد ذلك وقوف الكثيرين دون تمييز!
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات