نعم… جميلة اللواطي أصبحت عميدةً لبلدية سلوق، تلك البلدة التي يختصرها البعض في كلمة: البدو.
وفي قاموس المتعالين، تعني الكلمة التأخر، وتعني الهامش، وتعني أطراف البلاد التي لا تُنتج سياسة ولا رجال دولة.
لكن ما حدث اليوم يفضح الفكرة أكثر مما يثبتها.
فالمرأة التي خرجت من خيمة القيم قبل أن تدخل مكاتب الإدارة، ومن بيتٍ يُقاس فيه المرء بكرمه لا بنسبه، وصلت إلى موقعٍ تتباهى به عواصم العالم عندما تتولاه امرأة.
هناك، في مدنٍ تُضاء شوارعها بالنيون، يُعد انتخاب امرأة حدثاً حداثياً كبيراً، بينما في سلوق ــ التي يسارع البعض لوصفها بالبدوية ــ حدث الأمر ببساطة، كأنه امتداد طبيعي للحياة.
لم تصل جميلة اللواطي عبر صالونات النخب، ولا عبر حملات العلاقات العامة، بل عبر معرفة الناس بها:
يعرفون بيتها، ويعرفون مجلس أهلها، ويعرفون تاريخ عائلتها في الصلح بين المتخاصمين، وفي نجدة المحتاج، وفي حمل الهم العام قبل المنصب.
المدينة لم تنتخب امرأة فقط…
المدينة انتخبت سيرةً اجتماعية.
في المجتمعات الحديثة تُبنى الثقة عبر استطلاعات الرأي، أما في المجتمعات الأصيلة فتُبنى عبر الذاكرة الجماعية. وسلوق اختارت من تعرفه لا من تسمع عنه، ومن عاش بينها لا من ظهر عليها.
إنها مفارقة لافتة:
كلما ابتعد المجتمع عن فطرته احتاج إلى نظريات ليبرر المساواة، وكلما اقترب منها مارسها دون ضجيج.
جميلة اللواطي لم تنتصر كامرأة على الرجال، بل انتصر المجتمع حين رأى الكفاءة قبل النوع، والخلق قبل الشعار، والتاريخ قبل الدعاية.
ولهذا…
ليس المهم أن امرأة أصبحت عميدة بلدية سلوق،
المهم أن سلوق قالت بهدوء ما تزال مدن كثيرة في العالم تحاول أن تقوله بخطبٍ طويلة:
المنصب لمن يعرف الناس… لا لمن يعرف الميكروفون.
ولا تقف الصورة عند سلوق وحدها.
ففي بلدة زلطن كذلك اختار الناس السيدة الزائرة المقطوف عميدةً لبلديتهم، في مشهد يتكرر بعيداً عن الضجيج، وكأنه قرار اجتماعي هادئ بأن معيار القيادة هو الثقة لا النوع، والسيرة لا الشعار.
لكن ما جرى أعمق من مجرد فوزٍ انتخابي.
إنه إعلان اجتماعي غير مكتوب عن أن السلطة المحلية ليست وظيفة إدارية بقدر ما هي امتداد للوجاهة الأخلاقية. فالمجتمع حين يضع مفاتيح مدينته في يد شخص، فهو في الحقيقة يضع فيها طمأنينته اليومية: ماءه، نظافته، خصوماته الصغيرة، وشكواه التي لا تصل إلى الوزارات.
ولهذا لم يكن اختيار سلوق وزلطن لامرأة مفاجأة لأهلها، بل كان مفاجأة لمن لا يعرفهما.
فالبيئات التي لا تزال تحتفظ ببساطتها الأولى لا تنشغل كثيراً بنقاشات الهوية بقدر ما تنشغل بالسؤال الأهم:
هل نأتمن هذا الشخص علينا أم لا؟
ولهذا تحديداً، لم يكن انتخاب جميلة اللواطي والزائرة المقطوف انتصاراً للمرأة بقدر ما كان انتصاراً لفكرة أقدم من كل النظريات:
أن القيادة تبدأ من السمعة قبل الشهادة، ومن السيرة قبل البرنامج، ومن معرفة الناس قبل معرفة اللوائح.
ربما لن تغيّر رئاسة بلدية واحدة وجه البلاد، لكنها ستغيّر فكرة راسخة في الأذهان:
أن الأطراف تنتظر المركز دائماً ليعطيها الدرس.
هذه المرة، سلوق ـ ومعها زلطن ـ هُما من أعطتا الدرس.. بهدوء.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات