1- لا قراءة لنص دون تعاطف معه. ومن هذا فإن كل نص حامل تناقضاته في مجمل مستوياته، ومن ثم، كل نص ناقص، فمهمة القراءة الاستمتاعية، ألا تغفل عن الجمال في القبيح، وعن الخطأ في سياق الصواب. الرواية بالضرورة حمالة أوجه، ليس للقارئ المُؤول فحسب، بل لكل قارئ، فتنوع التلقي لا يأتي بتعدد المتلقين، ولكن يأتي قبلا من الكتابة الصفر، من صنف الكتابة، ومن هذا أيضا كل قراءة لرواية زاوية رؤية، لا يصح النظر إليها من معيار الصحيح والخطأ، ولكن يجب النظر إليها بمعيار الجدية والشغل الدؤوب. والرواية الأولى بنية سردية، تشبه حجر الأساس في البيت، استنتاج من سياقات النصوص ونسقها السردي، وأيضا من تشابك أحداث هاتيك الروايات ودلالة مسرودها، وأي مقاربة في تقديري ستتكشف المشترك الفصيح بينها، وعلى التحديد فيما يخص الخطاب السردي، لكن هذا لن يحجب تنوعها وتفرد كل رواية، وهو ما أسهم في إغناء إمكاناتها السردية، وساهم في توجيه مساراتها الحكائية، وفق ما تقتضيه تحولات النص الدلالية.
الروايات الأولى ما تصادف أن قرأتها تباعا وفي نفس واحد، كرواية «عودة الروح» لتوفيق الحكيم، وقد كنت كعادتي أطالع ما أحب، أثارت عندي معنى الكتابة، ما يشرحها بارت: بـ«أن فعل الكتابة، لا يتم دون أن يصمت الكتّاب. فعل الكتابة كأن يصمت الكاتب، خافت الصوت كالميت، أن يصير للإنسان الذي رفض الإجابة الأخيرة، وأن يكتب يعني أن يهب، منذ اللحظة الأولى، الإجابة الأخيرة للآخر». عند نفسي أني الآخر، القارئ الذي وهبت هذا الحق، والسبب في ذلك يكمل بارت: «أن معنى عمل أدبي (أو نص) لا يمكن أن يتكون وحيدا. فالمؤلف لا ينشئ، أبدا، إلا افتراضات معنى، أو أشكالا، يعود العالم فيملؤها». وما فهمته دائما أن النص يتملص من مؤلفه، من ساعة أن يطالعه الآخر، حتى لو كان الكاتب نفسه، من يعود من العالم الذي يملأ فراغات النص.
2- الإنسان كائن زماني، والزمن أكثر أشكال الوجود خضوعا للخيال، الذي هو الخاصية التي خص بها الكائن الأرقى من كائنات طبيعتنا. لكن هذا الزمان ما هو؟، وإن تفحصنا هذا السؤال فسنجد ركاما هائلا في الموضوعة، تتلخص في هذه العبارة: غرابة الزمان التي لا ريب فيها. لكن ذلكم لم يمنع من محاولة استكناه المسألة، من جانب آخر أكثر بساطة أي مسها في تعين الزمان، في التاريخ الذي هو فكرة الطبيعة السردوية للزمان نفسه. ومن هذا فإن الخطاب التاريخي تمثيل أثير لقدرة الإنسان على ضخ المعنى في تجربة الزمن، لأن المرجع المباشر لهذا الخطاب، هو الأحداث الواقعية لا الأحداث المتخيلة. لكن الخطاب الأدبي المرجع هو الأحداث المتخيلة. من هنا توجب قبل، وضع تحديد ما الفرق بين التاريخ والأدب، أو الكتابة التاريخية والكتابة الأدبية؟
وفي هذا أجد منهج فيلسوف السردية الفرنسي بول ريكور، هو المنهج الذي اختص صاحبه بالمسألة أكثر من غيره، فبول ريكور يرى أن التاريخ والأدب يختلفان عن بعضهما باختلاف مراجعهما المباشرة، وهما الأحداث الواقعية والخيالية، ولكنه يؤكد بأنهما ما داما ينتجان قصصا ذات حبكة، فإن مرجعهما الأخير هو التجربة الإنسانية في الزمن، أو ما يسميه «بنى الزمانية»، ويبدو لي أنه يفرق بين الكتابة السردية والتاريخية في موضوعة الحبكة، فالتاريخ الزمني ليس سردا، أو حكاية لأنه لا يمتلك ذلك النوع من البنية التي لا تمنحها إلا الحبكة، هنا يكون الاختلاف الحاسم بين تجربة الزمن بوصفه مجرد تسلسل، وتجربة الزمانية التي تكتسي فيها الأحداث مظهر عناصر القصص المعيشة، ذات البداية المتميزة والوسط والنهاية.
والخطاب السردي لا يعكس فقط، أو يدون تدوينا سلبيا وحسب، عالما مصنوعا سلفا، ينشئ المادة المعطاة في الإدراك والتأمل ويطوعها، ويخلق منها شيئا جديدا، تماما مثلما يطوع الفاعلون الإنسانيون أفعالهم، ويحولونها إلى صيغ متميزة من الحياة التاريخية، خارج العالم الذي يرثونه بوصفه الماضي الذي عاشوه. إن الكتابة التاريخية والأدبية عند ريكور، يقعان معا تحت طائلة الزمانية، لهذا فالقصص التاريخية والقصص الخيالية متشابهة، ومهما كانت الفروق بين مضامينهما المباشرة – وهما الأحداث الواقعية والأحداث المتخيلة – يظل مضمونهما الأخير واحدا: ألا وهو بنية الزمن الإنساني. وفي الأخير فإنه بصرف النظر عن كون السرد الخيالي نقيضا مقابلا للسرد التاريخي، فإنه مكمله وحليفه في المجهود الإنساني الشامل، للتأمل في سر الزمانية.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات