كان مصطلح «نظرية المؤامرة» واحدًا من التعبيرات التي يحلو لعديد المتحدثين استخدامها في المناقشات المتعلقة بما يُطبَّق من سياسات، ويُتَّخذ من إجراءات تختلف حولها الرؤى، ويطال ما يُنفَق عليها من الأموال العامة أكثر من تقدير لحقيقة التكلفة؛ سواء ما يُدفَع مباشرة، أو ما تترتب عليه قلة الدراية بالثغرات التي كثيرًا ما تُغفَل عند وضع شروط السداد، كنوعية الإعفاءات، ومُدَد اتفاقات التنفيذ، ونوعية التشغيل والمواد الخام، وإعفاءات الضرائب، وهي أمور لا سبيل إلى الإحاطة بها من دون وقت كافٍ للدراسة والمراجعة، ووجود هامش مناسب لإعادة النظر، وقبل ذلك كله الاستقرار الإداري، والإحساس بعدم الهشاشة، مع الحرص على سرعة الإنجاز ولو كان الثمن التضحية بهذا القيد أو ذاك، لتحقيق الجدوى عند التنفيذ، وقبل ذلك سلامة التخطيط.
وهي اشتراطات لا مجال لتحقيقها إلا بتوفير المزيد من الوقت، ولا سيما ما يتعلق بالمتغيرات، وقبلها الأغلبية الشعبية التي لا بد منها لاستيعاب المُنجَز من كل جوانبه، من حيث أهميته لدى الناس.
ولقد استدعيتُ، على الصعيد الشخصي، الكثير من هذه الاشتراطات التي طالما رسخت في الذاكرة، وأنا أتابع حوارات عدد من المختصين حول عديد المشاريع، التي كانت محور نقاش التقدميين العرب، وهم ينفذون إلى أسرار مشاريع عديدة نُفِّذت بمبرر الأهمية، فيما كانت – لدى القادرين على النفاذ إلى الأسباب الحقيقية – مجرد مبرر للانتفاع الذاتي لأصحاب القرار، بدءًا من الأفراد وانتهاءً بالمجموعة التي يُطلَق عليها عادة «الطبقة».
وذلك حين كان الصراع على أشده بين اقتصادٍ يرمي إلى إفادة المجموعة، وآخر طالما حملت هوامش مردوده استفادة منفذيه، قبل أن تدخل موارد المعادن ضمن موارد الشعوب. فكان التساهل في شروط التعاقد كثيرًا ما يؤدي إلى غضّ النظر عن أي عيب من عيوب التنفيذ، لقاء استفادات لا تخفى على كل عين بصيرة وصوت ناقد، فتتحول إلى حديث العامة قبل الخاصة، وهو ما يستدعي في أحيان كثيرة المتابعة بالتحقيق أولًا، والمحاسبة ثانيًا.
ولعل من أشهر تلك القضايا ما تردد في دولة الاستقلال بولاية برقة حول مشروع مياه عين الدبوسية، الذي تناوله رئيس الوزراء مصطفى بن حليم في مذكراته، وقضية قمح الإغاثة التي دخلت المحاكم في خمسينيات القرن الماضي، وطريق فزان في ستينياته، حين كان للرأي العام وزنه، ولنظافة اليد دورها، وبالذات لدى من حملوا الحقائب الوزارية ذات النفع، كحقيبة الاقتصاد، التي حفظت أطيب الذكريات لأمثال قاسم شرلالة، ولطفي فرحات، وأبي بكر الشريف، وإبراهيم البشاري، وعلي عمِّيش، ممن نستعذب ذكرهم كلما صرفنا التفكير عن مرارة الحاضر.
أما حين يُقحِم بعض المتحدثين، في مراسم الاحتفال بتوقيع بعض الشراكات، مصطلح «المؤامرة» لتبرير أسئلة تتعلق بشرعية الشراكات الدولية في زمن السلطات المؤقتة، مكانًا وتكلفةً ومصادقةً، فلا بد أن نقول لهم بمصطلح آخر استُشهِدَ به ردًّا على من حاول الاستشهاد بآية قرآنية، حين قيل: «كلمةُ حقٍّ أُريدَ بها باطل».
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات