دكان أبي تكية للأحباب والأصدقاء شيباً وشباباً، ومنهم المدرس والطالب في الجامعة، ومنهم رئيس الحرس البلدي «فرج ابريكة» من هويته «أرسين لوبين»، ولهذا يداعك رئيس مركز شرطة الصابري «خليفة الجحاوي» في خلوة الدكان، ومنهم الجزار «موسى سلامة» القارئ للآداب العالمية والشعبية، أما ناظر المدرسة «فتحي الجدي»، من درس لعامين مهنته، في الجامعة الأميركية ببيروت، فكان قبان الخلوة.
دكان أبي بدا كما منصة، تردد أصداء ذلك العالم العامر، بخاصة عبر راديو الترانستور، ما جعل منه، الرئيس جمال عبد الناصر، بوقه ما يصدح بخطابته الرنانة! في الدكانة انحياز حاد لدول عدم الانحياز والزعيم العربي ناصر حبيب الملايين، في المدرسة الابتدائية حيث أدرس لا وجود ظاهرا لذلك. ما شدني في الدكان من أصدقاء أبي: شابان صديقان يدرسان في الجامعة الليبية ببنغازي، أحدهما يدرس القانون والآخر الآداب.
دارس القانون من أتباع «عباس محمود العقاد» وليس له ميل ناصري، دارس الآداب من مناصري «طه حسين» و«جمال عبد الناصر»، كان يعجبني الثاني لكن أحببت «توفيق الحكيم»، من عرفته من خلال مجلة سمير للأطفال، التي نشرت روايته «عودة الروح» مسلسلة مصورة، وذكرت أن عبد الناصر قرأ الرواية وأعجب بها حين كان تلميذا! وفي تصور ذلك الصبي أن هؤلاء كتاب عرب كما كان ناصر أبي.
دكان أبي محطة ثقافية، فيه أرغمت على أن أكون القارئ فلم يكن لديَّ ما أفعل غير ذلك، فالزبائن يأتون عادة في الصباح، وعند الخروج من العمل فالعودة إلى البيوت، بقية الوقت أجلس وحيداً محروماً من اللعب، في انتظار زبون يأتي ولا يأتي. في هذا الحال المتاح النظر في التصاوير في مجلات الكبار أو الحروف في مجلات الصغار، تلك الصور والحروف أليف وحدتي، وميكي وسمير وبندق ولولو وسوبرمان والوطواط وغيرها كثير، عبوا يومياتي وغدوا أصدقائي.
دكان أبي ندوة مفتوحة بين الكبار بمختلف مشاربهم، عندما صرت من الكبار حولته إلى صالون أدبي دون أن أفطن، حيث طفق الأصدقاء والأحباب وزملاء الدراسة من جيلي، يترددون عليّ في الدكان. كنا مراهقين شغفين بالمعرفة، حتى إن منهم من كتب الشعر ومن جنَ بالمسرح مثلي، وغير ذلك من صنوف ثقافية. ومن غرائب الصدف، أني عقب خروجي من السجن استعدت ذاك الدكان، ما أمسى دكاني دون منازع، كان الدكان قد بات مغلقا فقد توفي أبي: «حلمت أن أبي مات. في ساحة السجن بعد سنوات عشر قضيتها فيه، عند لحظة إطلاق سراحي أخبرني أخي أن أبي مات.
الخبز بحاجة الملح كي يكون خبزا، عاش في مدينة تلفها السباخ وعمل خبازا. قال إن صناعة كهذه يتقنها أهل المدن، فتمكن منها وأتقنها علي يد إيطالي» جاء هذا -فيما بعد- كمدخل لروايتي «ألف داحس وليلة غبراء».
أعدت فتح دكان أبي وممارسة مهنته كبقال، جلبت ألعاب أطفال بمبلغ لا يزيد على مئة جنيه، وعرضت بضاعتي، كان ذلك في أواخر شهر رمضان، بعد فترة من خروجي من السجن في 3 مارس 1988م. أي عقب ما اصطلح الليبيون عليه بيوم «أصبح الصبح» الجملة التي كانت مطلع قصيدة الشاعر محمد الفيتوري، ما غناها الفنان السوداني محمد وردي: «أصبح الصبح / فلا السجن ولا السجان باق/ وإذا الفجر جناحان يرفان عليك/ وإذا الحزن الذي كحل هاتيك المآقي/ والذي شد وثاقا لوثاق/ والذي بعثرنا في كل واد/ فرحة نابعة من كل قلب يا بلادي».
من المفارقة أن السجان قائد الثورة معمر القذافي، قد ردد هاتيك القصيدة في خطابه في «سجن بوسليم»، عند هدمه لسور السجن وإطلاق سراح سجنائه، في يوم استثنائي في تاريخ ليبيا في كل حال.
دكان أبي، صغيراً كبل طفولة جسدي، ثم أطلق سراح فكري ومخيلتي، كبيراً، وأثناء مسغبة ما بعد السجن، وفر لي الحد الأدنى من حاجاتي، بما فيها ملتقى الأصدقاء، حيث أصبح صالوني الأدبي، لفترة كنت في حاجة فيها لاسترداد أنفاسي.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات