بخلاف الزعماء ومشاهير التمثيل والغناء في العالم، ظلّت حياة المشاهير من الأدباء والكُتّاب غامضة في معظم جوانبها الشخصية، لعلّ من أهم أسبابها عدم اهتمامهم بالظهور الإعلامي كما في مهرجانات النجوم من الفنانين، وكذلك بسبب عدم معرفة القراء والنقاد والصحافة بالحياة الشخصية لمن كانوا خلف الشمس وأبدعوا بعبقرية فذة دون السؤال عن شريكاتهم وملهماتهم من النساء، وقد عرفنا القليلات منهن وكُنّ صامتات في أغلب ظهورهن الإعلامي، بل وغامضات أيضاً، وكأن الحياة الخاصة بالأدباء يعتريها الغموض وتكتنفها الأسرار وعتمة علاقة تبدو مخيفة في سكونها، كحوار بلا صدى بين اثنين في قصر مهجور.. غير أن بعض العلاقات كانت مضيئة في حميميتها كعلاقة العملاق الكولمبي «ماركيز» بزوجته «مارسيدس» التي وضّفها بصورة مثالية في أجمل رواياته، ولم يندم!
زوجات الأدباء في الأغلب لسنَ تفصيلاً بيتياً في السيرة، بل شرطاً خفياً من شروط الإنتاج الأدبي، وإن جرى التعامل معهن تاريخياً بوصفهن هامشاً لا يستحق السرد مهما بلغنَ من التأثير في حياة أزواجهن وكُنّ المساعدات والملهمات لأشعارهم وقصصهم ورواياتهم!
من الإنصاف اعتبار الزوجة في حياة «الكاتب» ليست شريكة حياة فقط، بل شريكة زمن متكامل، تتقاسم معه بالضرورة الفوضى الداخلية ونوبات الصمت والانفصال عن الواقع، وتدفع ثمن تلك الحالة التي تُسمّى مجازًا «الانغماس في الإبداع»، بينما هي في حقيقتها استنزاف طويل للحياة المشتركة.. وبهذا المستوى كثيراً ما كانت الزوجة القارئة الأولى والناقدة الأولى، وأول من يلتقط هشاشة الكاتب قبل أن تتحوّل إلى لغة، لكنها كانت آخر من يُذكر في العَلَن، ونادراً ما يتناولها النقد، بخلاف زوجات مشاهير الفن!
في التجربة العالمية، تتكشّف هذه العلاقة بوضوح فادح. فـ«صوفيا تولستوي» التي نسخت رواية «الحرب والسلام» مراراً وناقشت تفاصيلها، انتهت متّهمة بالدنيوية حين قرّر تولستوي، باسم الأخلاق، أن يتخلى عنها، لم تُقصَ فقط من حياته، بل من السردية التي صنعتها معه.. والمثال الآخر كان «آنا دوستويفسكايا» التي أنقذت «دوستويفسكي» من القمار والفوضى المالية، ظلت تُذكر بوصفها «زوجة وفية»، لا بوصفها شريكة في إنقاذ مشروع أدبي كامل.. أما الأيرلندية «نورا بارنكل» زوجة «جيمس جويس» فقد عاشت الفقر والترحال وانكشاف الحياة الخاصة لتتحوّل تفاصيلها الحميمة إلى مادة أدبية خالدة، بينما ظل اسمها خارج دائرة الاعتراف الثقافي.
حين تكون الزوجة نفسها مبدعة، كما في حالة الأميركية «سيلفيا بلاث» مع البريطاني «تيد هيوز»، يتحول الزواج إلى معركة غير متكافئة بين ذاتين مبدعتين في عالم لا يحتمل سوى نجم واحدٍ. والنتيجة انتهت «بلاث» منتحرة، وبقي النصّ حيّاً وبقي السؤال الأخلاقي مُعلّقاً كنتيجة لحكم العلاقة: من يدفع ثمن العبقرية حين تتقاطع مع السلطة الذكورية؟!
أما في السياق العربي وبحكم طبيعة المجتمعات ومسافة العلاقات الاجتماعية بينها، وانفتاحها في بعض الظواهر الفنية، تتّخذ المسألة طابعاً آخر أكثر صمتاً، لا لغياب النماذج، بل لغياب التوثيق، فالثقافة العربية نادراً ما منحت زوجات الأدباء حق الظهور الإعلامي، أو حتى الاجتماعي في المناسبات، وفضّلت الحفاظ على صورة الكاتب «المتفرِّغ للفكرة» على حساب الحياة الخاصّة التي جعلت هذا التفرُّغ ممكناً للإبداع دون الانشغال بالهوامش غير الضرورية.. ففي مصر مثلاً تُعتَبَر السيِّدة «عطية الله إبراهيم» زوجة الروائي «نجيب محفوظ» مثالاً صارخاً على هذا الصمت، فلم تظهر في الإعلام ولم تدلِ بتصريح ولم تكتب مذكرات، لكنها أدارت عزلة الرجل الكبير بعناية، وحمت طقوسه اليومية بدقة، ووفرت له استقراراً نادراً في حياة كاتبٍ ملتزمٍ بنظامٍ يوميٍّ صارم، كانت شرطاً ضرورياً لاستمرارية مشروعه الأدبي، ومع ذلك بقي حضورها محصوراً في جملة عابرة داخل السيرة!
أمّا في العراق، فالسيِّدة «إقبال طه العبد» زوجة الشاعر «بدر شاكر السيّاب» فقد عاشت حياتها مع شاعرٍ ممزّق بالمرض والفقر والمنفى الداخلي، وتحمّلت انهياراته الجسدية والنفسية، بينما كانت قصائده تُكتب من جسدٍ يتآكل وحياةٍ تتداعى. وهنا، في هذا المثال مع السيّاب، لم تكن الزوجة شاهدة فقط على حياته، بل جزءاً من المأساة التي غذّت الشعر نفسه!
في تجربة الروائي الفلسطيني «غسان كنفاني»، تحضر الدنماركية «آني هوفر» بوصفها زوجة عاشت مع كاتبٍ محاصر بالقضية، مطارد سياسياً، مهدّد بالموت في كل لحظة. لم تكن «هوفر» شريكة حياة عادية، بل كانت شريكة خطر، عاشت مع رجلٍ لم يكن يملك نفسه، لأن حياته كانت مكرّسة لفلسطين، وانتهت الزوجة شاهدة على اغتيال زوجها، وعلى تحوُّل حياته الخاصة إلى فصل في التاريخ السياسي!
أمّا الشاعرة الفلسطينية «فدوى طوقان» وإن لم تكن زوجة، فإن تجربتها داخل بنية العائلة الذكورية تكشف الوجه الآخر للمسألة: كيف يُخنق الصوت النسوي باسم العبقرية الذكورية؟!.. وهذا يضيء، بالمقابل، موقع زوجات الأدباء داخل منظومة ثقافية ترى المرأة دوماً عنصر ضبط لا عنصر إبداع!
في حالات أخرى، كما مع الشاعر «محمود درويش»، تتوزع العلاقة مع المرأة بين الحُلم والغياب، بين النص والحياة، بما يجعل سؤال «الزوجة» نفسه ملتبساً، ويؤكد أن الأدب العربي كثيراً ما فضّل الأيقونة على الشراكة، والقصيدة على الاستقرار الإنساني.
قياساً، فزوجات الأدباء العرب، في معظم الحالات، اخترن أو أُجبرن على الصمت. لم يكتبن مذكرات، ولم يدخلن السجال الثقافي، لكن حضورهن كان حاسماً في الخلفية المثالية للأديب، مثل إدارة البيت ورعاية الوقت والحاجة، وتحمُّل الفقر أو الخطر أو المرض، والتعايش مع رجلٍ غير عادي، يرى العالم مادة للكتابة، لا مجالاً للطمأنينة!
إن إعادة الاعتبار لزوجات الأدباء ليست فعل شفقة أو بدافع التمظهر الاجتماعي، ولا محاولة لتقويض صورة الكاتب، بل ضرورة ثقافية وأخلاقية. فالأدب الذي لا يعترف بشروطه الإنسانية يتحول إلى أسطورة مريحة، تخفي عنفاً رمزياً مورس باسم العبقرية.. وهنا النص العظيم ليس بريئاً دائماً ، والموهبة لا تعفي صاحبها من المسؤولية الأخلاقية تجاه من شاركه رحلة العطاء والإبداع.
ومن النساء الأديبات المؤثّرات في حياة الأدباء «ميّ زيادة»، فهي لم تتزوج، لكنها كانت «زوجة فكرية» لكثير من الأدباء، وتمثِّل نموذجاً فريداً في علاقاتها مع كبار الأدباء العرب، مثل «جبران وطه حسين والعقّاد والرافعي» وغياب الزواج هنا لا يلغي الاقتران الثقافي.. كما كانت الفرنسية «سوزان بريسو» زوجة «طه حسين» أحد أهم الأسباب العملية والوجدانية الداعمة لمشروعه التنويري، فقد كانت قارئته وذاكرته بسبب فقدانه البصر، ومنسّقة إنتاجه وحارسة مشروعه الفكري، ولا يمكن قراءة طه حسين بعيداً عنها!
أيضاً من النساء الملهمات تحضر العراقية «بلقيس الراوي» زوجة «نزار قباني» بوصفها أشهر زوجة شاعر عربي عندما تحوّلت بعد اغتيالها في تفجير بيروت إلى رمز شعري ومفصل تحوّل في لغة نزار، من الغزل إلى المرثية السياسية، وكان ديوان «بلقيس» وحده كافيا لتخليد اسمها.
ومن الأديبات العربيات نذكر أيضاً المصرية «سهير القلماوي» زوجة الناقد «أحمد أمين»، وهي أديبة وناقدة وأكاديمية ورائدة ثقافية كانت تمثِّل جيل النساء اللواتي انتقلن من «زوجة الأديب» إلى «الأديبة المستقلة» بسبب زواجها القصير.. أيضاً لا ننسى «رجاء الرفاعي» زوجة القاص «يوسف إدريس» التي كانت حاضرة في حياته الاجتماعية والنفسية، وشهدت تحوّلات إدريس الحادّة، وإن لم تكن أديبة، إلّا أن تأثيرها الشخصي كان واضحاً في مراحل مهمّة من إنتاجه القصصي والمسرحي.. كما نذكر هنا الشاعرة العراقية الكبيرة «نازك الملائكة» زوجة الشاعر الدكتور «عبد الهادي محبوبة» وهما أكاديميان مثّل زواجهما مساحة هادئة لشاعرة شديدة الحساسية، بعيداً عن الصخب الذي أحاط بريادة الشعر الحُر.. وكما الروائية والناقدة المصرية «رضوى عاشور» زوجة الشاعر الفلسطيني «مريد البرغوثي» ووالدة الشاعر «تميم البرغوثي» حيث شكّلت واحدة من أنضج الشراكات الثقافية العربية الحديثة.
في حياة بعض الأديبات المستقلّات عديد الأسرار، كالزواج القصير لأسباب تعلّق بعضها بالاشتغال الفكري والتفرُّغ للكتابة كما الحال مع الناقدة «يمنى العيد» التي حجبت حياتها الزوجية عن الفضاء العام، وحرصت على إبقاء التركيز منصبّاً على مشروعها النقدي والفكري، لا على سيرتها الشخصية. لذلك تبقى تفاصيل زواجها محدودة التداول مقارنة بحضورها الثقافي الواسع كإحدى أهم الناقدات العربيات في النقد الأدبي الحديث.. وهذا التحفّظ يتقاطع مع موقف فكري عام عند يمنى العيد، يقدّم العمل المعرفي والالتزام الثقافي على السرد الذاتي أو البوح الشخصي، كما في تجربة الروائية «كوليت خوري» التي عُرفت بتحفّظها النسبي تجاه تفاصيل حياتها الخاصة، مقابل جرأتها الواضحة في طرح القضايا الفكرية والاجتماعية في كتاباتها، وكذلك الروائية «غادة السمّان» التي لم تجعل من زواجها محوراً لسيرتها الأدبية، إذ ظل حضورها الأبرز في الرواية والمقالة والاشتغال الثقافي، ورغم شهرتها الواسعة، عُرفت بتحفّظها الشديد حيال حياتها الخاصة، وحرصها على الفصل بين تجربتها الشخصية ونتاجها الأدبي، وهو ما انعكس في خطابها الدائم عن الحرية والاستقلال الفردي!
وإذا كان الزواج الثقافي، الفني والأدبي، قد أثمر الحياة بالعطاء الإنساني، فإن أهمية زوجات الأدباء العرب لا تكمن في «القرب البيولوجي»، بل في المشاركة في الإنتاج والتأثير النفسي والفكري والتحوّل إلى رمز ثقافي، أو في كونهن أديبات مستقلات بعطائهن الخاصّ.. ومن التجارب الناجحة في الحياة الثقافية العربية ارتباط الناقدة «خالدة السعيد» بالشاعر «أدونيس» وهو عديل الشاعر «محمد الماغوط» زوج الشاعرة «سنية صالح» وأيضاً عديل الممثّل «أسعد فضّة» زوج الممثّلة «مها صالح» لتكتمل صورة نموذجية من ثقافة العائلة!
ربما آن الأوان لإعادة قراءة الأدب من زاوية أخرى. أن نقرأ النصّ ومعه البيت الذي كُتب فيه.. وأن نسمع صوت من عاشوا خارج اللغة ليحيا النص داخلها.. وأن ندرك أن كثيراً من الأعمال الأدبية الخالدة كُتبت فوق حياةٍ صامتة!
زوجات الأدباء وملهماتهم، هُنّ السيرة التي لم تُكتب، لا لأنهن بلا صوت، بل لأن الثقافة اعتادت أن تُصغي إلى العبقرية وحدها.. وحين نمنح هذا الصوت مكانه، بالتأكيد لا نخسر الأدب، بل نعيد إليه إنسانيته كاملة!
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات