يكثر الحديث عن الحوار الذي أُنتج عنه الاتفاق السياسي الليبي، والذي تتكرر تسميته بـ«حوار الصخيرات». بدأ هذا الحوار في شهر سبتمبر عام 2014، وقبل لقائي الأول بالمبعوث الدولي آنذاك شهد مجلس النواب نقاشات حامية وصاخبة، تعددت خلالها المواقف بين مؤيد ومعارض ورافض. كما أخذت النقاشات أحيانًا طابعًا سياسيًا وأيديولوجيًا ومناطقيًا، فيما يتعلق بنوعية وكيفية المشاركة فيه. ويمكن فهم ذلك واستيعابه في تلك الظروف، حين كانت البلاد تشهد موجات من العنف ولغة النفي المتبادل.
كان اللقاء التمهيدي مع المبعوث الدولي محاولة للحصول على مزيد من الفهم لهذه الشخصية، وتاريخها وتجاربها السابقة، إضافة إلى ما سبق أن أخبرني به صديقي الشاعر، رحمه الله، محمد الفقيه صالح، عندما كان سفيرًا في إسبانيا. هنا لا أودّ الحديث عن حوار الصخيرات، الذي شاركت فيه أطراف سياسية وجهوية عديدة، سواء في المسار الأساسي أو المسارات الفرعية، ولا عن ظروفه وتطوره ومنعرجاته وما شهده من صراعات شرسة محلية ودولية، والتي يمكن أن تكون موضوعًا لسردية أخرى لاحقًا. لكنني أتوقف هنا عند بعض ملامح القصور والعوائق التي صاحبت الحوار حتى نهايته.
وقبل ذلك، يهمني القول إنني لا أُصدر هنا أحكامًا قيمية، غير أنني أدرك أن بعض الأفكار والأسئلة تمثل بوابة للحقيقة وفهم ما جرى. وبالتأكيد، يصاب المرء بالتردد وربما الخوف عندما يفكر في قول كل ما يرغب في قوله، حيث ينتظره «ثالوث الخوف»: الرقابة الداخلية التي تصحو في داخله بمجرد البدء في التفكير، والسلطة التي تجلس في مكان ما. غير أن أشدّ السلطات قسوة وشراسة هي ما يصفه البعض بـ«الشمولية الاجتماعية»، حيث يغيب الوعي العام في المجتمع. هذه السلطة لا تسجن، لكنها تُحبط المرء من الداخل.
لكل ذلك، فإن ما أورده اليوم هو جملة من العوارض والأعراض التي لا تجعل الحوار إيجابيًا ومنتجًا كما يُفترض، أو محققًا لما هو مأمول منه، خصوصًا في مجتمع لم يشهد أو يجرّب حوارات مفتوحة؛ مفتوحة المكان ومفتوحة الأفكار، بلا سقف لما يُطرح فيها. ففي بنية اجتماعية وسياسية كهذه، لم تتعلم أو تتدرّب على الحوار وقبول التعدد والاختلاف، يصبح من المجحف محاكمة التجربة من منطلق ما يجب أن يكون. لذلك، لا بدّ لهذه التجربة أن تكتسي، كما قلت، جملة من العوارض والأخطاء والقصور. ولا أقصد هنا العوائق اللوجستية، وإنما طبيعة ونوعية المعارك الصغيرة، لكنها المؤثرة.
من ذلك أولًا: التناقض بين الموقف الاجتماعي والموقف السياسي. ففي لحظة خادعة وغير حقيقية، وفي الدقائق الأولى من لقاء غدامس، اندهش المبعوث الدولي ومن رافقه من مشهد مليء بالاحتضانات المتبادلة بين أعضاء الوفدين. غير أن هذا المشهد توارى لاحقًا، حين فوجئ المبعوث ومن معه بعجزهم عن تنظيم جلسة حوارية مباشرة ومشتركة بين الوفدين.
ثانيًا: عدم قدرة المحاور على إظهار انضباط وتدرّج في حديثه؛ إذ يبدأ خطابه في الحوار عن «الآن»، ليعود مباشرة إلى الماضي، ثم ينتقل إلى المستقبل. هنا تتسع دائرة الخلاف والرؤى والأحكام، وحين يعود إلى الحاضر يصبح الخطاب أكثر سخونة وخشونة. عندها يتحول الماضي إلى مسرح للصراع، وهو ما يجعل الحوار ثقيلًا ومربكًا، كما يعكس أن الحاضرين غير متفقين على الماضي القريب ولا البعيد. ويصبح ما يُطرح ترفًا فكريًا لا يخدم الحوار، فضلًا عن كونه يعكس خللًا فكريًا في ترتيب الأولويات لدى المحاور، وابتعادًا عن مبررات الحوار وأهدافه.
ثالثًا: ينحرف الحوار عندما يصبح حلبة لتضخم الذات ونفي الغيرية، في مشهد يبدو فيه المحاور مالكًا للحقيقة المطلقة والمرجعية الأخيرة.
رابعًا: يخرج الحوار عن هدفه عندما تبتلع الأيديولوجيا المغلقة الوطن، ويتبنى المحاور خطابًا تبشيريًا تغيب فيه ليبيا، ويُسخّر فيه كل جهده للبرهنة على صحة معتقده السياسي.
خامسًا: يخرج الحوار عن هدفه الوطني العام ليصبح أداة لإثبات الجهوية والتمترس حولها، وكأن المحاور يشارك مدافعًا عن جهويته الضيقة لا عن الهم الوطني العام.
سادسًا: ينحرف الحوار عندما يغيب العدل في توزيع الأدوار بناءً على الجندر، ولا تُعطى المرأة دورًا فاعلًا، لا لعدم القدرة، بل امتثالًا وإشباعًا لثقافة مجحفة سائدة.
سابعًا: يفقد الحوار وظيفته عندما تكون أدوات المحاور هي الأحكام المسبقة وتنميط الطرف المقابل. حينها يفتقد الحوار أهم مراميه وغاياته، وهي رؤية الذات من خلال الآخر. فنحن لا نستطيع تطوير رؤانا ومواقفنا إلا عبر التواصل مع الآخر، في علاقة مركبة من «أنا» و«أنت»، وفهم الـ«أنت» وإدراك مشاعرها ومطالبها وانشغالاتها.
وأخيرًا، يغيب الحوار الإيجابي عندما لا يدرك المحاور أن الحوار عمل تنويري بامتياز، لأنه المصباح الذي ينير له ذاته وحقيقة الآخر.
حاولتُ فيما سبق رصد ما أعتبره عوارض وعوائق للحوار، والتي ربما يمكن مشاهدتها في الحوارات التي نعيشها اليوم. وفي النهاية، تنضج التجارب عبر التراكم الذي سيخلق الظروف الإيجابية لتجاوز ثِقلٍ تاريخي عميق، ولكن بعد وقت ليس بالقصير.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات