Atwasat

سلالة قرقوش

منصور بوشناف الخميس 15 يناير 2026, 09:02 مساء
منصور بوشناف

رسم التاريخ الرسمي والتاريخ الشعبي صورتين متناقضتين لأحد القادة الذين شاركوا صلاح الدين الأيوبي منجزاته في البناء وفي الحرب، فهو وفي غالبية كتب التاريخ ذاك المخلص الطموح، والمحارب الشجاع، فلم يكن في البداية إلا مملوكا صغيرا لدى الأيوبيين وجرى عتقه ليعمل بهمة في خدمة الدولة الأيوبية، فكان رجل البناء والإعمار إبان حكم صلاح الدين الأيوبي فهو باني أسوار القاهرة وتحصيناتها وهو باني قلعة الجبل وقناطر الجيزة، ثم هو أحد قادة تحرير عكا من الصليبيين ثم واليها الذي وقع في الأسر بعد أن استعادها الصليبيون ليفديه صلاح الدين بآلاف الجنيهات الذهبية، ويعود إلى مركزه في القيادة.

ذلك هو قرقوش في كتب التاريخ، عدا كتابا واحدا هو «الفاشوش في حكم قرقوش» لكاتب مصري، حيث يظهر هذا القائد طاغية معتوها ومهرجا عابثا بالبلدان وبالتاريخ، يصدر أحكامه العابثة بمصائر البشر ومستهترا بكل القوانين والنواميس والأعراف، فيعبث الفاشوش بالرؤوس، يعدم الضحية المشتكي ويكافئ المعتدي.

ومن أطرف أحكام قرقوش في «الفاشوش» أن رجلا اشتكى رجلا آخر لدى قرقوش لأنه تسبب في إجهاض زوجته الحامل في الشهر السابع، فحكم قرقوش على المعتدي بأن يأخذ زوجة المشتكي إلى بيته، يطعمها ويلبسها ولا يعيدها لزوجها المشتكي إلا وهي حامل في الشهر السابع، عقابا له وجبرا للضرر الذي سببه للزوج المشتكي.

كتب التاريخ الرسمية والرصينة ما كان لها من أثر يذكر في إثبات صورة قرقوش القائد العسكري ورجل الإعمار وذراع صلاح الدين الأيوبي في مواجهة الفتن الداخلية ومحاربة الصليبيين، لم تصمد صورة الطائر الجارح «العقاب» وهو المعنى العربي لاسم «قرقوش» التركي، فحكايات «الفاشوش» غلبت وانتشرت بين الناس ورسخت صورة قرقوش كحاكم مجنون خسيس، يثير السخرية، ويفتح «الفاشوش» مسارا كبيرا لأدب السخرية السياسية، ويؤسس لكوميديا سوداء نعيشها إلى اليوم فعلا ونصا.

«الفاشوش» وما أضافه الناس عليه من حكايات ومن سخرية، انتقل من مصر إلى تركيا وألهم الأتراك بفنٍ مسلٍ وساخر أسموه ولسوء حظ هذا القائد وتاريخه «القرقوز» تأثرا بسيرة «قرقوش» لتترسخ صورة «قرقوش» العابث المجنون والأحمق أيضا.

في بداية سبعينيات القرن العشرين شاهدت مسرحية «قرقوش» للشاعر الفلسطيني «سميح القاسم» بإخراج الكبير «محمد العلاقي» الذي كان عائدا لتوه من فرنسا بعد دراسته للإخراج المسرحي هناك، كان عرضا مبهرا وكان قرقوش القاسم والعلاقي طاغية عابثا يشبه «كاليجولا، البير كامو»، كانت المسرحية أول معرفة لي بهذا القرقوش.

في تسعينيات القرن الماضي وصلت «زويلة» محطة القوافل وعاصمة دولة بني الخطاب، بلد الأشراف وأحد مراكز حضارة الصحراء الليبية حيث أثر الجرمنت وحيث ترقد «سيلابا» أو زويلة الرومانية تحت عمار زويلة الإسلامية، التي فتحها «الفهري» العام 22 هجري ويقال إنه بنى جامعها الأول أو «الأبيض» كما يعرف، لتزدهر زويلة وتبلغ أعلى درجات رقيها مع دولة بني الخطاب وتكون عاصمة ملكهم، بجوامعها ومدارسها وإداراتها وحماماتها العامة والأهم بأسوارها وتحصيناتها المنيعة ودار سك دينارها الزويلي الذهبي. وبأضرحتها الشامخة أهراماتها، أضرحة بني الخطاب، أبنية مستطيلة تعلوها قباب، أنصاب مهيبة تخلد الموتى وتثير الرهبة والإعجاب في الأحياء.

هناك وسط زويلة كان الجامع الأبيض ممسوحا تماما، وكذا الأسوار، كان قرقوش كما عرفت قد داهم زويلة وقتل آخر ملوك بني الخطاب ودمر العاصمة.

قرقوش دمر «سلطان» قرب سرت وواصل عبثه ودماره في البلاد. الغريب أن قرقوش لم يدمر أضرحة بني الخطاب، ربما احتراما للموتى، أو سهوا أو ربما كان وببصيرة غريبة أراد أن يترك لأحفاده ما يدمرون.

ذرية قرقوش وحملة معاوله، نهضوا من مقابرهم كزومبي، وواصلوا ما بدأه، فدمروا ضريح المختار ثم زاوية الجغبوب ثم أخيرا وبعد فبراير طالت لحاهم وقصرت أثوابهم ونسفوا أضرحة بني الخطاب وزاوية عبد السلام الأسمر، وبالتأكيد تكتب الآن التواريخ سير هؤلاء «القراقيش» كقادة وبنائين عظام ولكن سيكون هناك من يكتب كتاب «الفاشوش» الجديد، سجل العبث والتخريب واللعب بالرؤوس المقطوعة، وسرقة دار سك العملة وحرق آلات الموسيقى وتحريم الغناء والتمثيل، فلا تفكر في الرقص ولو في حضرة مجاذيب، ولكن لن يغفل الفاشوش عن شيء مما يعبثون.
 



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»