في هذه الوقائع كان التاريخ ضحية. لم تتضح كثير من جوانبه. لم تطل على المسرح بصورة كاملة. كانت ناقصة في بعض تفاصيلها. وظل الراوي خلف الضوء أو الشاهد الصامت بعيداً في منطقة الظل. كان يقف ويرصد تصرفات مبكرة. يراقب.. يقيم أبعادها وأركانها ويتشوف عبرها إلى ما تنتهي وستؤول بشأنها أحداث مقبلة من وراء الغيوم.. تتحرك لتبقى لاحقا في صفحات التاريخ الذي كان ضحية مثل هذا الراوي والشاهد المتواري.
كنت قريباً منه في سنوات مضت. كان صديقي وكنت أعرف مصداقيته وحرصه ووطنيته وتضحيته من أجل البلاد. حدثني عن الكثير وصحح العديد مما يقال ويكتنف الروايات من لغط وتشويش في أغلبه تعمد مقصود.
شوهت سيرته على الدوام دون أن تصل شهادته وتلحق بالتاريخ. حوصر وحوكم ومع ذلك لم يقل الشهادة المطلوبة كاملة في ساحة التاريخ. قالها نيابة عنه غيره وكانوا جميعاً أطرافاً بارزة في السلطة. وكان هو من بعيد.. من بعيد جداً شاهداً صامتاً لا يروم مكانه ولا يغادر موقفه الثابت. يتواصل معي وأتواصل معه وتجمعنا الجلسات مع الأصدقاء وكان الحديث هو التاريخ والوطن تلك الأيام ولم يكن ثمة آخر سواهما.
كان الخوف يعتريه في لحظات عايشها على بلاد اسمها ليبيا.. أن تسقط فريسة دوامة التغيرات العسكرية العنيفة التي تعصف بالمنطقة وكانت سمة بارزة لعلاج الواقع الراهن. رغم أنه كان ضابطاً في الجيش. الخوف أن ترسف البلاد تحت أغلال مجهولة آتية مع الريح العقيم في فترة يغفل عنها التاريخ وتضع كل الأشياء أمام أمر لا مرد له يفتك بالبلاد وبما فيها وبمستقبلها أيضا.
كان الخوف يحدث ويتسرب ويظل عالقاً في النفس طوال الوقت. لقد خشي ضياع البلاد وكان لتلك السنوات المتلاحقة مفارقات خطها الزمن بخطوط عريضة ومن العسير محوها.
مفارقات تجلت في وجود عنصرين أساسيين من البشر يشكلان محور القضية. اقتربا وتلازما ثم افترقا. كان ثمة ود بينهما في البداية. كلاهما يكاد يقارب عمر الآخر. بينهما فارق عام واحد فقط. العام 1942 (القذافي) و1943 (السليني) وإن اختلفت الروايات في توكيد ذلك للطرف الأول.. من جيل الحرب العالمية الثانية ولدا وكانت نشأتهما في ظلام الحرب. كلاهما مر بنفس الظروف وإن اختلفت. جمعتهما ليبيا بفقرها وتعاستها تلك الأيام.
الحرب انتهت في ليبيا وأقبلت الإدارتان الفرنسية والبريطانية خلال أقاليم البلاد. موقعا ولادتهما معروفان قربهما البحر. النقازة قرب الخمس وبادية سرت. ثمة شاهد قرب الخمس يطل من التاريخ.. لبدة وسبتيموس ومعركة المرقب. النقازة شهدت لاحقا حادثين شهيرين ذوي صيفين بينهما عامان.. الأول عام 1970 توفي عبر طريقها الصحفي علي وريث ثم الحادث الثاني عام 1972 توفي في ذات الطريق امحمد ابوبكر المقريف عضو (مجلس قيادة الثورة).
وشواهد أخرى تبدو في تضاريس سرت.. الوديان وقصور القبيبة الإسلامية وغبار القرضابية. خيط التاريخ الذي يمتد ويتواصل بلا انقطاع. وكلاهما من بعد التقى بالآخر في رحاب الكلية العسكرية الملكية قرب بنغازي. وهناك تاريخ يطل أيضا عبر أسطورة نهر النسيان والليثي وحدائق التفاح. هل يغدو ذلك كله من حكايا ألف ليلة.. وليال قادمة؟!
الأقدار في الغالب تؤلف وتجمع وتلعب دوراً لا يقاوم. الأقدار ليست ضربة حظ ولكنها أحيانا تكون مدخلا إلى تاريخ. مفتتحا لسطور منه بل هي تاريخ نفسه. حدث هذا بأجمعه وفقا لصدفة تاريخية أيضاً سيكون لها أثرها وتأثيرها ولو لم تحدث في الأصل على الإطلاق لكان الامر انتهى عند هذا الحد.
يومها في أواخر العام 1962 التحق محمد محمد الأشهب السليني أو كما عرف بـ(محمد جمعة الشلماني) بصفوف الدفعة السادسة من الكلية. كان من المفترض أن يتخرج في أغسطس 1964. عامان قضاهما مع دفعته المكونة من عشرين طالباً في التدريب والدراسة والضبط والربط والحياة العسكرية الصارمة ضمن قوام تلك الدفعة غير أن التخرج لم يقع. كانت الكلية تحتفل بتخريج طلابها في ذكرى عيد الجيش وهو التاسع من أغسطس من كل عام. الصدفة أو التاريخ أو القدر لعب لعبته التي لا تهزم.
لم يوفق في امتحانات السنة الثانية. بقي للإعادة عاماً آخر ليتخرج في صفوف الدفعة السابعة العام 1965. كانت تقارب في العدد الخمسين طالباً. حضرها وهي مستجدة وكان متقدما عنها ثم وهي في الصف المتقدم. درس هذا الصف مرتين.. واحدة مع السادسة والثانية مع السابعة. ذلك أيضا وقع لآخرين من الزملاء مثله. تأخروا في التخرج في دفعتهم الأصلية ونجحوا عبر الدفعة الموالية ونالوا رتبة ملازم ثان في الجيش الليبي. لم يكن السليني - الشلماني حالة وحيدة فنظام الكلية العسكري بحكم قانونها يسمح بالإعادة وإعطاء الفرصة المطلوبة للطالب في حالة التعثر والتأخر.
القدر هنا تدخل بوضوح أو صنع الحدث منذ لحظاته الأولى. التقى الطرفان في الدفعة السابعة. علاقة البشر. علاقة الدراسة وكانا على نقيض مخفي تحت وقد الجمر بحكم تجربة الأيام رغم الود الظاهر في بعض الأحيان. وكان (السليني - الشلماني) بهذه التجربة قد عاصر الدراسة في الكلية لمدة ثلاث سنوات. السنة الموالية اعتبر من المتقدم مباشرة ولم يعتبر مستجدا. القدر حقق إرادته ليتخرج الطرفان في 9 أغسطس 1965. كان قد مضى على تأسيس الجيش خمسة وعشرون عاما. هناك في البعيد عند صحراء الجيزة وتحت سفح الأهرام. الأجداد في المهجر كونوا الجيش لتحرير وطنهم وأعادوا تنظيمه بعد الاستقلال.
مع أصداء التجربة ظل التاريخ في علاقة الطرفين ضحية. علاقة تظهر في الضوء وتنزاح في الظل. وأضحى الشاهد صامتا طوال الوقت ليكون هو الآخر (ضحية) الأقاويل والاتهامات والمحاكمة.. دون أن يسمعه التاريخ في ساحته العريضة بوضوح.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات