Atwasat

البيوت الكفيلة.. بيوتٌ خلاقة

محمد عقيلة العمامي الإثنين 12 يناير 2026, 01:54 مساء
محمد عقيلة العمامي

«البيوت الكفيلة» هي ترجمة لمصطلح غربي لم نسمع عنه كثيرا في مجتمعنا العربي، خصوصا لدوره المعروف في تلك المجتمعات. إنه ما تعارف عليه باسم «Sponsoring homes»، ولا أدري تحديدا هل هي مثل تلك الدور التي نسميها في بلادنا الملاجئ أو المستشفيات أم تختلف عنها؟ ولكنها في الواقع بعيدة كثيرا عن وظائف هاتين المؤسستين، اللتين أصبحتا لهما دور كبير في إيواء ومعالجة المصابين بأمراض العقول. ولا أذكر أيضا أنني سمعت من قبل عن أمراض تصيب العقول، وإنما أعرف أن أصحاء جدا يصابون بالجنون، ففي تقديري أن الجنون ليس مرضا بقدر ما هو حالة ذهنية، وأعرف أصحاء جدا أصيبوا بالجنون، وتعافوا منه.

تجربة هذه البيوت بينت ما يمكن للاهتمام الشخصي والحنان أن يفعله في علاج أحد أخطر أمراض العصر في هذا المجتمع الذي نصطلح على تسميته «الحديث». فلقد أدي الدور الإنساني الذي تقوم به عائلات بسيطة لا تعرف شيئا عن «طب العقول» إلى إعادة مصابين وصمناهم بـ«الجنون»، الذي هو في الواقع مجرد مرض عقلي قابل للشفاء، وغالبا ما تكون أسبابه بسيطة وسطحية للغاية.

«البيوت الكفيلة»، أو دعونا نقول «أصحاب البيوت الكفيلة»، هم من يتكفلون بمن قد يصاب بما يسمى «جنونا»! في حين أنه مجرد حالة نفسية سببها أن يشعر الإنسان بأنه وحيد، وعلى هذا الأساس يقوم أحد أفراد البيت، بعد الاتفاق مع بقية الأسرة، على استضافة أحد المقيمين في المستشفى، باعتبار أنه «حالة» بسبب مرض عقلي، أو بمعني أدق حالة نفسية، ويقضى معه أوقات فراغه كضيف أو كصديق، ويعيش معهم كعضو من أعضاء الأسرة، له حقوقها وعليه واجباتها.

وتقول التقارير إن النتائج في الغالب مثمرة، وعاد الكثيرون من هؤلاء الضيوف إلى حياتهم الطبيعية، بل توثقت علاقاتهم بمن استضافوهم، وأصبحوا كأفراد حقيقيين من الأسرة.

النتائج في عمومها كانت مثمرة، حتى إنها شجعت العديد من الأسر على تكرار استضافة حالات تحتاج لهذا النوع من العلاج، وهو أن يقيم معهم كضيف، وليس كمريض! وفي الغالب يعود إلى أسرته، وليس للمستشفى، وتظل صداقته للأسرة التي استضافته مستمرة.

الفكرة وتنفيذها جهد نساني رائع، ولا أستطيع أن أجزم إن كان مجتمعنا يتقبلها أم لا؟ ولكن هذا لا يجعلنا نفكر أنها فكرة ليست إنسانية، ولكنها في تقديري يصعب علينا -نحن- كثيرا تنفيذها. والحقيقة، إنها فكرة كانت صعبة، حتى في أمريكا، خصوصا ببداياتها.

ففي سنة 1935، حضرت سيدة اسمها «ميس كراتشر»، مديرة للخدمات الاجتماعية في إدارة الصحة العقلية بولاية نيويورك، حفلا أُعلن فيه إمكان وضع بعض المصابين بأمراض عقلية في بيوت خاصة بعد موافقة الطرفين. وهكذا كانت الفرحة غامرة، فلقد تحسنت حالتهم بسبب الجو الأسري، حتى إن أحدهم سريعا ما أصبح عازف «أورغن»! وعمل ثان في بستان، وفاز بجوائز عدة، وأقامت البلدة حفلا بإقامة سوق لمنتجات المرضي، وكانت تجربة فعلا ناجحة للغاية، وشجعت الكثير منهم للمعيشة مع عائلات برضا الطرفين.

ومع الوقت والخبرة، أصبح سنة 1961 نحو 14000 مريض من المستشفيات يعيشون مع أسر، ويقيمون معهم في بيوتهم، وتخرجت من تحت إدارة هذا المشروع الكثير من المواهب البارزة في المجتمع، التي لا يعلم عن بداياتها الكثيرون شيئا. ولقد غادر آلاف من هذا المشروع كمواطنين أصحاء مؤهلين للقيام بالعديد من التخصصات المشرّفة والمهمة في المجتمع.

لقد أثبت هذا المشروع أهمية ما تنتجه العناية والاهتمام والحنان، وتحويل قدرات كانت في حكم الثقل الكبير على عاتق الدولة والناس إلى عناصر خلاقة مؤهلة لخدمة مجتمعهم، ومواصلة حياتهم كعناصر منتجة في المجتمع، وليست عالة عليه. كل ذلك تحقق بالحنان والاهتمام من الأسر المتوسطة، لإعادة الاعتبار لشركائنا في الحياة، ولولا ذلك لأصبحوا عالة على المجتمع، وليس من رواده وصناع تقدمه ورخائه!



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»