في منتصف ديسمبر 2025 أعلنت «القيادة العامة»، بقيادة المشير خليفة حفتر، إبرام صفقة تسليح ضخمة مع باكستان تتجاوز قيمتها أربعة مليارات دولار، وذلك عقب زيارة رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير إلى بنغازي ولقائه صدام حفتر نجل القائد العسكري الليبي.
هذه الصفقة التي وصفها الجانب الليبي بأنها تدشين لمرحلة جديدة من التعاون العسكري الاستراتيجي تأتي في سياق إقليمي ودولي بالغ التعقيد، حيث تخضع ليبيا لحظر سلاح أممي منذ العام 2011 وتعاني من انقسام سياسي حاد بين شرق تسيطر عليه القيادة العامة، وغرب تابع لحكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس.
طبيعة الصفقة وحجمها
تتضمن الصفقة شراء 16 مقاتلة من طراز «جيه إف سبعة عشر ثاندر» وهي طائرة متعددة المهام من الجيل الرابع طورتها باكستان بالشراكة مع الصين، إضافة إلى 12 طائرة تدريب سوبر مشاق ومعدات برية وبحرية متنوعة وبرامج تدريب وصيانة ممتدة على فترة ثلاثين شهراً.
القيمة الإجمالية التي تتراوح بين أربعة وأربعة فاصلة ستة مليار دولار تجعلها أكبر صفقة سلاح في تاريخ باكستان التصديري، وتمثل نقلة نوعية من تصدير الذخائر والمدرعات الخفيفة إلى تصدير منظومات قتالية متكاملة تشمل الطيران المقاتل المتطور.
ما يميز هذه الصفقة عن صادرات باكستان السابقة ليس حجمها المالي فحسب بل طبيعتها الاستراتيجية، فهي تتضمن نقل تكنولوجيا وبناء قدرات وليس مجرد بيع عتاد.
والقيمة المالية المرتفعة تشير إلى أن الحزمة تشمل التدريب الكامل للطيارين والفنيين وتوفير قطع الغيار وربما إقامة خطوط صيانة محلية، مما يعني شراكة طويلة الأمد تتجاوز علاقة البائع والمشتري التقليدية.
الشراكة الصينية الحاسمة
البعد الأكثر تعقيداً في هذه الصفقة يتعلق بكون المقاتلة «جيه إف 17» مشروعاً مشتركاً بين باكستان والصين، حيث تصنع معظم مكونات الرادار والإلكترونيات المتقدمة في مصانع شركة «تشنغدو» الصينية. هذا يعني أن باكستان لا تستطيع قانونياً وتقنياً إعادة تصدير هذه المقاتلات دون موافقة بكين، مما يجعل الصين شريكاً ضمنياً في الصفقة حتى لو لم تظهر اسمها علناً.
موافقة الصين على هذه الصفقة تفتح لها نافذة مباشرة للحضور في شمال أفريقيا ضمن مبادرة الحزام والطريق، وتعزز انتشار سلاحها في أسواق جديدة حيث تمثل باكستان 63 % من صادرات السلاح الصينية.
التحليلات تشير إلى أن بكين أكدت لإسلام آباد أن تقاربها مع واشنطن في ملفات أخرى لن يضر بالشراكة الاستراتيجية الصينية الباكستانية، مما يدل على حرص الصين على استغلال هذه الصفقة لتوسيع نفوذها.
إمكان تمرير الصفقة
يبقى إمكان تنفيذ الصفقة كاملة مرهون بعدة عوامل معقدة:
فهناك حظر السلاح الأممي المفروض على ليبيا يمنع نظرياً أي توريد دون موافقة مجلس الأمن، لكن باكستان تبرر موقفها بأن الحظر غير فعال وأن دولاً عديدة خرقته سابقاً بما فيها تركيا وروسيا والإمارات.
هذا التبرير قد لا يعالج جوهر المشكلة القانونية لكنه يعكس واقعاً دولياً براغماتياً حيث تحولت ليبيا إلى ساحة تنافس مفتوحة.
الأرجح أن تنفيذ الصفقة سيجرى على مراحل مع إمكان تأخير بعض المكونات الحساسة بحسب الضغوط الدولية، لكن الإلغاء الكامل يبدو مستبعداً في ظل الدعم الصيني والموقف الأميركي الغامض.
تعزيز القدرات القتالية
على صعيد التأثير العسكري ستمنح هذه الصفقة القيادة العامة في شرق ليبيا قفزة نوعية غير مسبوقة.
القوة الجوية الليبية تدمرت بالكامل تقريباً بعد أحداث 2011 وما تبقى منها طائرات قديمة من الحقبة السوفيتية بقدرات تشغيلية محدودة جداً. امتلاك 16 مقاتلة حديثة من الجيل الرابع يعني بناء جناح جوي قادر على تنفيذ مهام السيطرة الجوية والاعتراض والدوريات البعيدة وحماية منشآت النفط الممتدة على مساحات شاسعة في حوض سرت والجفرة.
طائرات التدريب سوبر مشاق تكتسب أهمية استراتيجية موازية لأنها تؤسس لخط إنتاج مستدام للطيارين المحليين وتقلل الاعتماد على أطقم أجنبية.
هذا يعني أن القيادة العامة ستمتلك للمرة الأولى منذ سقوط نظام القذافي قدرة جوية حقيقية مستقلة تمنحها ميزة ردع واضحة أمام خصومها وتعزز موقفها التفاوضي في أي حوار لتوحيد المؤسسة العسكرية.
أي تغيير وأي عقيدة؟
بعيدا عن السياسة، أكبر عقبة هي تغيير العقيدة القتالية وما يرافقه من «جحيم» لوجستي. الانتقال من منظومة روسية/سوفيتية راسخة إلى عقيدة تشغيل صينية-باكستانية مع «JF-17» ليس شراء طائرات بل إعادة بناء المنظومة من الصفر: صيانة وقطع غيار وأدوات وبنية دعم لا تتطابق مع الترسانة القديمة، مع تدريب الطيارين والأطقم على قمرة قيادة وأنظمة توجيه مختلفة بالكامل.
الأكثر خطورة هو التكامل: إدخال طائرات حديثة إلى شبكة رادارات ودفاع جوي سوفيتية قديمة قد ينتج فجوات تشغيلية تجعلها معزولة عن القيادة والسيطرة أو محدودة الوعي الميداني. لهذا، الوصول إلى جاهزية قتالية كاملة مرجح أن يكون مسارا لسنوات لا أشهر.
لماذا باكستان تحديداً؟
اختيار القيادة العامة لباكستان كشريك تسليح استراتيجي ليس عشوائياً، بل يعكس حسابات دقيقة. باكستان تقدم سلاحاً متطوراً بتكلفة أقل بكثير من المنافسين الغربيين حيث يبلغ سعر المقاتلة نحو 25 مليون دولار مقارنة بـ80 مليوناً أو أكثر للطائرات الغربية، ودون شروط سياسية معقدة تتعلق بحقوق الإنسان أو الاستخدام النهائي.
علاقات باكستان الوثيقة مع دول الخليج الداعمة لحفتر وخاصة الإمارات والسعودية تسهل التمويل وتوفر ضمانات مالية. واتفاقية الدفاع المتبادل التي وقعتها إسلام آباد مع الرياض في سبتمبر 2025 والموصوفة بأنها إطار دفاعي شبيه بـ«ناتو»، تؤكد عمق هذه الشراكة.
كما أن رغبة المشير حفتر في تنويع مصادر السلاح بعيداً عن الاعتماد الكلي على روسيا المنشغلة بحربها في أوكرانيا، والمحاصرة بالعقوبات تجعل باكستان خياراً منطقياً، يجمع بين القدرة التقنية، والمرونة السياسية، والدعم الخليجي.
موقف مصر المتناقض
موقف القاهرة من هذه الصفقة يحمل تناقضاً جوهرياً بين المصلحة الأمنية المباشرة والقلق الاستراتيجي البعيد. مصر تاريخياً تدعم المشير حفتر، وتعتبر شرق ليبيا منطقة عازلة لأمنها القومي ضد الجماعات المتطرفة، والهجرة غير القانونية، لذا فإن تقوية حليفها تخدم مصالحها في ضبط الحدود الغربية الممتدة ألفا ومئتي كيلومتر.
لكن المعادلة أعقد من ذلك. كلما ازدادت قدرة حفتر على عقد صفقات استراتيجية ضخمة مع قوى خارجية كلما تراجع نفوذ القاهرة عليه وتعاظمت استقلاليته. مصر تريد القيادة العامة قوية بما يكفي لضبط الشرق، لكن ليس قوياً إلى حد التحول إلى لاعب مستقل، يفاوض من فوق، ويرفض الانصياع للمظلة المصرية.
المنحى الجزائري
لا يمكن قراءة الصفقة - كذلك - بعيدا عن الجزائر، التي ترى في أي قفزة عسكرية بشرق ليبيا تهديدا مباشرا لتوازن هش على حدودها. من زاويتها، تتحول الصفقة إلى أزمة مزدوجة:
أولا: كسر التوازن. امتلاك حفتر لقدرات جوية أوسع يعني ذراعا أطول واحتمالا أعلى لفرض وقائع أو ابتزاز امني على التخوم، ما قد يدفع الجزائر للخروج من حيادها العملي نحو دعم أوضح لخصومه لإعادة ضبط الميزان.
ثانيا: مزاحمة النفوذ. الجزائر لا تقبل عادة بتحول جوارها المباشر إلى منصة نفوذ أجنبي دائم، خصوصا إذا بدا كممر باكستاني-صيني يضغط من الشرق. لهذا قد ترد بتشديد منظومات الدفاع والرقابة على الحدود، وبخطوات سياسية-أمنية مع طرابلس (تفاهمات أو ترتيبات دفاعية) كرسالة ردع استباقية.
التعقيد السوداني المرتبط
ملف السودان يضيف طبقة أخرى من التوتر. مصر تدعم الجيش السوداني بقيادة الرئيس عبد الفتاح البرهان بينما تتهم تقارير متواترة قوات القيادة العامة بتسهيل نقل الأسلحة والوقود إلى قوات الدعم السريع عبر الحدود الجنوبية الليبية بدعم إماراتي.
هذا التعارض دفع القاهرة للسعي نحو وساطة بين حفتر والبرهان لإصلاح العلاقات، لكن صفقة بهذا الحجم قد تمنح حفتر ثقة أكبر في الاستمرار بسياساته المستقلة.
الإمارات تقف في موقع مركب، فهي أقرب حليف خليجي للمشير حفتر ومولت جزءاً من قواعده الجوية والعمليات العسكرية، وفي الوقت نفسه تدعم قوات الدعم السريع في السودان. أبوظبي سترحب بالصفقة لأنها تعزز شريكها الإقليمي وتفتح قناة نفوذ عبر باكستان دون تورط مباشر في خرق الحظر، لكنها ستحرص على إدارة التوازن مع مصر لتجنب تصدع التحالف.
موقف تركيا الإشكالي
تركيا تقف في الموقع الأكثر تأثراً سلبياً بهذه الصفقة. أنقرة هي الراعي العسكري الرئيسي لحكومة طرابلس وتمتلك قواعد في مصراتة والوطية وآلاف الجنود والمرتزقة على الأرض، وقد أحبطت هجوم حفتر على العاصمة العام 2019 بتدخلها العسكري المباشر باستخدام مسيرات بيرقدار التي غيرت موازين المعركة.
امتلاك حفتر لمقاتلات حديثة يهدد هذا التفوق الجوي التركي ويعقد حسابات أنقرة الاستراتيجية. ثمة ثلاث إشكاليات رئيسية تواجه تركيا: أولاً كسر احتكارها للتفوق الجوي في المسرح الليبي.
ثانياً احتمال اندلاع سباق تسلح يدفع حكومة طرابلس لطلب مزيد من الدعم التركي.
ثالثاً تعقيد سياسة ليبيا الموحدة التي تحاول أنقرة الترويج لها أخيراً عبر التقارب مع صدام حفتر.
المفارقة أن تركيا وباكستان حليفتان تاريخياً وليستا خصمين. أنقرة ثالث أكبر مورد للسلاح لإسلام آباد وتدعمها في قضية كشمير، وبين البلدين تعاون دفاعي واسع.
المناورات البحرية المشتركة التي جرت في ديسمبر 2025 قد تكون محاولة لاحتواء التوتر أو قناة للتنسيق غير المعلن، لكنها لن تلغي التناقض الجوهري في الملف الليبي، وستضطر أنقرة لمراجعة علاقتها مع إسلام آباد بحذر.
الموقف الأميركي الغامض
الصمت الأميركي الرسمي تجاه الصفقة يثير تساؤلات حول وجود موافقة ضمنية. باكستان أعادت بناء علاقاتها مع واشنطن في عهد ترامب الثاني، ورئيس أركان جيشها التقى الرئيس الأميركي مرتين خلال 2025 ويتوقع زيارة ثالثة للبيت الأبيض لمناقشة ملف غزة. هذا التقارب يجعل من المستبعد أن تقدم باكستان على صفقة بهذا الحجم دون تنسيق ما مع واشنطن.
التفسير الأرجح أن واشنطن ترى في الصفقة أداة لتحقيق هدف استراتيجي تسعى إليه منذ سنوات، وهو إبعاد شرق ليبيا عن النفوذ الروسي.
وروسيا من جهتها تمتلك شبكة قواعد ووجوداً عسكرياً في شرق ليبيا، عبر مجموعة «فاغنر» وتستخدم الأراضي الليبية منصة لعملياتها في الساحل الأفريقي.
استبدال روسيا وبيلاروسيا بباكستان كمورد سلاح لحفتر يقلل اعتماده على موسكو ويفتح قناة غربية غير مباشرة للتأثير عليه، خاصة أن باكستان تحافظ على توازن دقيق بين علاقاتها مع الصين وأميركا.
موقف مجلس الأمن
في مجلس الأمن تملك الصين حق الفيتو وهي الشريك الأكبر لباكستان في تصنيع المقاتلة موضوع الصفقة. هذا يعني أن أي محاولة لفرض عقوبات جدية ستواجه معارضة صينية مؤكدة.
روسيا قد تصمت رغم خسارتها جزءاً من نفوذها على حفتر لأنها مشغولة بأوكرانيا وتحتاج لعدم استفزاز الصين، كما أن معارضتها العلنية ستكشف تناقض موقفها كخارقة سابقة للحظر.
الدول الغربية في المجلس قد تكتفي بانتقادات دبلوماسية دون إجراءات فعلية إذا رأت في الصفقة أداة لإبعاد حفتر عن موسكو.
لجنة خبراء الأمم المتحدة وصفت الحظر سابقاً بأنه غير فعال، وهذا الاعتراف الرسمي بفشل الحظر يضعف أي موقف عقابي جديد.
التأثير على الأزمة الليبية
الصفقة بطبيعتها وحجمها وامتدادها الزمني على ثلاثين شهراً وتضمنها برامج تدريب وتصنيع مشترك لا تمثل مجرد صفقة شراء أسلحة تقليدية بل تدشن تحولاً في الوضع القانوني والسياسي للقيادة العامة على الصعيد الدولي.
المشير حفتر بهذه الصفقة ينتقل من موقع قائد قوة مسلحة محلية تسيطر على جزء من إقليم دولة منقسمة إلى موقع طرف دولي يعقد اتفاقيات استراتيجية طويلة الأمد مع دول ذات سيادة ويستقبل رؤساء أركان جيوش ويفاوض على منظومات سلاح متطورة تستلزم موافقات من قوى عظمى كالصين.
هذا التحول يرسخ واقع الدولة الموازية في شرق ليبيا ويمنحها اعترافاً ضمنياً دولياً بصفتها كياناً قادراً على الالتزام بعقود ممتدة وشراكات استراتيجية بصرف النظر عن موقف حكومة طرابلس المعترف بها أممياً.
الرسالة التي تبثها الصفقة للداخل الليبي وللعواصم المؤثرة واضحة: القيادة العامة لم تعد طرفاً ينتظر التسوية بل شريك دولة يفرض شروطه ويبني تحالفاته ويضمن استدامته بمعزل عن أي مسار سياسي لتوحيد ليبيا.
وبالتالي فعلى الصعيد المحلي قد تحمل هذه الصفقة مخاطر جسيمة لتعميق الانقسام الليبي، وقد تحمل العكس.
فكل تعاظم في قوة طرف يدفع الطرف الآخر للبحث عن تعويض، مما قد يشعل سباق تسلح إقليمياً يشمل تركيا وقطر ومصر. حكومة طرابلس ستطالب حتماً بتعزيز قدراتها الدفاعية الجوية وربما بمزيد من المسيرات والصواريخ التركية.
السيناريو الأرجح ليس حرباً شاملة بل توازن ردع بارد مع توترات متقطعة حول مناطق النفط في الهلال النفطي والحدود الجنوبية المتاخمة للسودان وتشاد.
وهكذا الصفقة قد تدفع نحو تسوية قسرية تقوم على تقاسم النفوذ والموارد وفق موازين القوة الجديدة بدلاً من مصالحة وطنية حقيقية، أو قد تمنح حفتر ثقة زائدة لفرض شروطه مما يعرقل أي حوار.
احتمال ثالث يتمثل في تدخل دولي منسق لفرض تسوية سياسية قبل اكتمال تسليم الأسلحة، لكن هذا يتطلب توافقاً أميركياً تركياً مصرياً يبدو بعيد المنال حالياً.
المؤكد أن ليبيا تتحول إلى ساحة تنافس جيوسياسي مفتوح، وهذه الصفقة تؤكد أن الحل السياسي يبتعد كلما تعاظم الاستثمار في الخيار العسكري.
روابط حول الموضوع:
●Middle East Eye
https://is.gd/FRABbj
●Defence Security Asia
https://is.gd/sXGdyU
●Modern Diplomacy
https://is.gd/I1EtDP
العقائد العسكرية وتحديات الانتقال بينها: (العربية):
https://is.gd/TyI4I2
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات