Atwasat

النظرة الواقعية إلى الأدب: الشكل في الصدارة (1-2)

عمر أبو القاسم الككلي الأحد 28 ديسمبر 2025, 05:15 مساء
عمر أبو القاسم الككلي

ثمة ظاهرة مهمة في تلقي جمهور كبير من قراء الأدب في الوطن العربي للأعمال الإبداعية، إذ يضرب هذا الجمهور صفحا عن الأبعاد الجمالية للنص الأدبي وتشكلاته اللغوية والأسلوبية والفنية ويتعاملون معه على أنه مجرد رسالة في السياسة أو الأخلاق أو الدين إلخ.. أي أن الحكم ينصب على المضمون أو ما تراءى لأصحاب هذه القراءة أنه مضمون العمل الأدبي. بحيث يتحول الأمر في كثير من الحالات إلى التفتيش في حياة الكاتب الشخصية. أي أن النص يستخدم، في حالات كهذه، للتلصص على حياة الكاتب، بدلا من النظر إليه كعمل جمالي مولد للدلالات.

وهذه ظاهرة مقلقة فعلا، ومبعث القلق أنها لا تقتصر في وجودها على القراء العاديين وإنما تتواجد لدى بعض الأشخاص من بين الأدباء أنفسهم.

وأذكر شخصيا أننا تطرقنا مرة، أنا و صديق شاعر(ليبي)، إلى رواية لإحدى الكاتبات الليبيات وبدلا من أن يتحدث الصديق الشاعر عن الجوانب الجمالية والأبعاد الدلالية لهذه الرواية أخذ يطابق بين بعض الشخصيات الرجالية في الرواية وأشخاص محددين موجودين في الواقع العياني. وبالطبع كانت هذه «المعلومات» نافلة بالنسبة إلي. فصحتها لا تضيف عمقا جماليا أو دلاليا إلى الرواية أو تنقص من عمقها الجمالي أو الدلالي. لو أن الكاتبة قدمت كتابها على أساس أنه سيرة ذاتية كانت هذه «المعلومات» ستثير فضولي ولربما حاولت التحقق منها بطريقتي متسائلا عن السبب الكامن وراء عدم التصريح بأسماء هؤلاء الأشخاص وهوياتهم الحقيقية، وعن ردة فعلهم، الفعلية أو الممكنة، حال اكتشاف أنهم المقصودون.

أنا من الذين يرون وجوب قيام نوع من «التواطؤ» بين القارئ والكاتب. فإذا وجدت كتابا مكتوبا على غلافه «رواية» أو «مسرحية» وأثناء قراءتي له اكتشفت صلة هذا العمل العميقة والمتينة بحياة مبدعه، عليَّ أن «أتواطأ» مع الكاتب وأتعامل مع عمله باعتباره رواية أو مسرحية، لا سيرة ذاتية، بناء على طلبه. حتى لو كان يورد اسمه صريحا في هذا العمل.

طبعا، قد لا أعتبر العمل المعني رواية أو مسرحية، ولكن ليس بناء على هذا الاكتشاف، وإنما لكون هذا العمل لا يستجيب لمتطلبات الحد الأدنى من مفاهيمي الجمالية ـ وليس المضمونية ـ للرواية أو المسرحية.

ومع ذلك يظل مشروعا أن يبحث شخص في صلة الأعمال الإبداعية بحياة كتابها، الخاصة والعامة. لكن ذلك يدخل في حقلين معرفيين آخرين هما علم اجتماع الأدب وسيكولوجيا الإبداع.

كما أن الذين ينعتون النظرة الواقعية إلى الأدب بأنها تركز على المضمون الاجتماعي أو السياسي لا يميزون، داخل مسألة الاهتمام بالمضمون [هذه الكلمة التي لا أحبها أنا شخصيا وأراها أكثر الكلمات تضليلا] بين أسئلة من مثل: «ما الذي أراد المؤلف أن يقوله؟» وهي أسئلة أدخل في باب الأسئلة الأمنية منها في باب الأسئلة النقدية، وبين أسئلة من مثل: «ما علاقة النص بالظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي يعيش في كنفها الكاتب؟» التي نراها أسئلة مشروعة.

طبعا، ثمة اشتطاط في بعض الممارسات النقدية التي ترفع لواء الواقعية في تعاملها مع مضمون الأعمال الأدبية باختصارها الأمر في قصدية الكاتب مديرة ظهرها للأبعاد الجمالية والآفاق الدلالية للأعمال، ولكن النظريات والمناهج الأدبية الأخرى ليست معصومة من الاشتطاط في اتجاهات أخرى. ولا يمكن وصف نهر ما بأنه آسن لمجرد أنه تكونت حوله بعض المستنقعات الآسنة!.

النظرة الواقعية إلى الأدب ترى، ببساطة، أن الأديب لا يمكن له إلا أن يكون موجودا في مجتمع، وأن هذا المجتمع ذو ملامح ثقافية مميزة، ويجر خلفه تاريخا طويلا متضاربا، ويمر، في فترة حياة الأديب، بمرحلة تاريخية ذات ملامح محددة اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا، وأن الأديب لابد أن يتفاعل ويتأثر، سلبا وإيجابا، بكل ذلك ويصهر ما تشربه وتأثر به وفق مواقفه الشخصية وثقافته وآفاقه العقلية وتركيبته النفسية وآماله وأحلامه وإحباطاته وقدراته الإبداعية، لينتج أعمالا إبداعية جمالية يمكن للناقد الجاد رد بعض عناصرها الأساسية، عبر تحليلات معقدة، إلى مصادرها الموضوعية والذاتية البعيدة. وفي هذا السياق يقول ارنست فشر Ernest Ficher (129:1): «إن هذا الواقع لتحدده جزئيا نظرة الفنان الفردية والاجتماعية.

ومجموع الواقع هو حصيلة كل العلاقات بين الذات والموضوع، وهو لا يشكل الماضي وحسب، بل المستقبل أيضا وهو لا يشكل الأحداث فقط، بل التجارب الذاتية، والأحلام، والأحاسيس الداخلية، والانفعالات، والتخيلات أيضا. إن الأثر الفني يجمع بين الواقع والخيال». والواقعية تنظر إلى نفسها بكثير من التواضع. يقول فشر(1: 130): «إن الواقعية بالمعنى الدقيق هي مجرد شكل ممكن للتعبير، لكنها ليست الشكل الوحيد والفريد».

كما أن هم الناقد الواقعي، الحقيقي، ليس هو البحث في نوايا المبدع، أي ما قصد إليه من عمله بشكل واعٍ، وإنما في مدلولات الإبداع. يقول غيورغي غاتشف (2: 263) Georgy Gachev: «ما هو ماثل أمامنا ليس فكرة المؤلف، بل هو مادة تخفي وراءها فكرة لا نراها رؤية مباشرة. إن المضمون (الفكرة) مساو هنا للشكل (للمادة). وعلى العكس، فالشكل (الفكرة الفنية) لا يرى وراء المادة». ويقول جورج لوكاتش (3: 108) Georg Lukacs: «نحن معنيون...، بالطبع، بالمقاصد المتحققة في العمل، والتي ليس من الضروري أن تتطابق مع المقاصد الواعية للكاتب». ويشير لوكاتش (4: 19) إلى حالات مشهورة لأدباء، من مثل بلزاك وستندال وتولستوي، تعارضت فيها دلالات أعمالهم مع آرائهم المعلنة، منهيا الملاحظة بالقول (4: 19-20):

شخصيات الواقعيين الكبار تعيش حياة مستقلة عن مبدعها منذ بروزها في مخيلة المؤلف: فهي تتطور ضمن اتجاه، وتتجشم مصيرا مقدرا من قبل الديالكتيك الداخلي لوجودها الاجتماعي والسيكولوجي. إن الكاتب القادر على توجيه تطور شخصياته لا يمكن أن يكون واقعيا حقيقيا وكاتبا ذا شأن.

المراجع

(1) ارنست فشر. ضرورة الفن. ت: الدكتور ميشال سليمان. دار الحقيقة. بيروت( د.ت)
(2) غيورغي غاتشف. ت: د. نوفل نيوف. م. د. سعد مصلوح. سلسلة عالم المعرفة ع 146. المجلس الوطني للثقافة و الفنون والآداب- الكويت. 1990
(3) Philip Rice & Patricia Waugh, eds, Modern literary theory. Arnold. London (4th edition) 2001.
(4) جورج لوكاش. بلزاك والواقعية الفرنسية. ت. محمد علي اليوسفي. المؤسسة العربية للناشرين المتحدين (د. م) 1985.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»