Atwasat

عن العكرمي والبلاد

منصور بوشناف الخميس 25 ديسمبر 2025, 07:06 مساء
منصور بوشناف

علي العكرمي وعبر شهادته التاريخية المهمة عن تجربته السجنية الطويلة «يعيد لسجناء الرأي الليبيين» معنى معاناتهم ومكابداتهم المريرة والطويلة، بعد أن غيبتها الصراعات والأحداث، بل وجعلت حملات من النكران أحيانا تلك «الآلام» عقابا مستحقا لأولئك الضحايا، فقد حمّل الرأي العام الليبي في غالبه ما حصل ويحصل في ليبيا من خراب واقتتال لأولئك المساجين، إلى جانب العائدين من الخارج «كما يسمي الليبيون» المعارضة التي كان أفرادها مطاردين برصاص فرق الموت الليبية في كل أصقاع العالم.

العكرمي ينقل تجربة أجيال من المقاومة الليبية للقمع والإذلال، والأهم يقدم صورة لما آل إليه مصير نخب في ذلك الوقت من السياسيين والمثقفين والمتخصصين من تدمير وقتل، ليس لهم كأفراد فقط، بل لمستقبل بلاد كانت تسعى كغيرها من بلدان العالم المتخلف للنهوض واللحاق بمواكب العصر.

ما قدمه العكرمي عن السجون الليبية لم يكن صادقا وشفافا فقط بل كان «واعيا ومدركا» ليس لحجم عذاباته ومعاناته، بل لمعنى تلك العذابات والآلام، كان قادرا على وضعها في مسارها باتجاه مستقبل أفضل للبلاد والعباد، كان راعيا عارفا وعطوفا لحبات بذار بذرها أولئك «الحكماء» كما سماهم، في حقول ليبيا وروتها دماء شهداء، ودموع ثكالى.

تجربة العكرمي ومئات من سجناء الرأي الليبيين، كان أحد أهم دروسها «حسب ما أورده العكرمي في شهادته «هو» قبول الآخر المختلف فكريا» بل والنظر إليه كشقيق ولدته الأم ليبيا وشريك في الزنزانة والقسم والوطن وفقدانه يمثل فقدان الشقيق والرفيق.

الاعتراف والقبول والاندماج مع الشقيق المختلف فكريا اهم دروس تجربة السجون الليبية والتي عشتها كما عاشها كثيرون غيري وكما رواها العكرمي والتي وبكل أسف فشلنا في إيصالها إلى مجتمعنا الذي كان ولايزال في أمس الحاجة لمعرفتها من أجل سلم وتماسك اجتماعيين وهما أهم أركان بناء الدول ونهوضها من كبواتها التاريخية.

الليبيون ورغم تجاربهم التاريخية الثرية والملهمة، ظلوا عاجزين عن استلهام الحلول لمشاكلهم وصراعاتهم وحتى حروبهم الأهلية المنهكة والمدمرة من تلك التجارب، ظلت تلك التجارب أحداثا وحتى الآلام منسية، ظلت كمثل ثروات ليبيا مهملة ولا يستفاد منها، بل وأحيانا يحولونها إلى سلاح دمار، كما يفعلون الآن بثروة النفط.
تجربة الملك إدريس بعد الاستقلال كانت تجربة شديدة الوعي بالماضي، كان ثروة قومية يجب استخدامها لبناء المستقبل، لذا طرح مباشرة مبدأ الصلح الاجتماعي من أجل بناء دولة متماسكة وقادرة على تخطي عقبات ماضيها، كان القبول بالآخر وإن اختلف وإن أخطأ الخطوة الأولى لبناء دولة المواطنين بمختلف أطيافهم ومختلف أخطائهم، كان الصلح والتماسك الاجتماعي أهم أركان تأسيس الدولة.

تجربة سجناء الرأي والمعارضين ثم تجربة المتحاربين في كل مراحل تاريخنا الحديث، نحتاج الآن أن نستلهمها وأن نوظفها لرتق ما تمزق من نسيجنا الاجتماعي من أجل بناء دولتنا ومستقبلنا، فمن دون الوصول لتلك الصيغة، لذلك العقد الاجتماعي الذي وصل إليه الليبيون بقيادة الملك إدريس، ووصل له السجناء الليبيون في معتقلاتهم وجعل الحياة ممكنة مع المختلف، والبناء معا لترسيخ قيم المواطنة، لن تكون البلاد بلادا، ولن تكون الدولة دولة.

التجربة الليبية المريرة التي وصل فيها الليبيون إلى اعتبار الليبي الآخر عدوا واعتبار الأجنبي شقيقا وحليفا، واستعان فيها الليبي بالأجنبي لذبح الليبي الآخر، ليست إلا انتحارا جماعيا لكل الأطراف، انتحار شعب كامل، ودمار مشروع دولة.
الليبيون على شفا العدم، إما أن نتوقف عن هذا الانتحار وإما أن نُسحَق ونتناثر نتفا تذروها الرياح، إما أن نستلهم تجربة إدريس والمعتقلات الليبية أو تجربة الإرهاب وقتل الشقيق ثم الانتحار.
 



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»