لماذا العصبان؟
سقراط: يا للمسكين! تظن أن الخيط سيمنع تمدد البخار؟ عندما تضع الحداثة بجانب العصبية، والقانون بجانب الواسطة في وعاء واحد، فإن الانفجار حتمي. قل لي، هل تفرق في طعم العصبان بين ما هو معدنوس وما هو لحم؟ لا.. فكذلك واقعكم؛ لا تفرقون فيه بين المثقف والجاهل، لأن كليهما محشو في نفس غلاف القبيلة. أنتم مجتمعٌ يقدس الحشو ويخاف من الفراغ، لدرجة أنكم تفضلون ملء عقولكم بالأوهام على أن تتركوها فارغة تبحث عن الحقيقة بصدق.
ويسترسل سقراط بالقول:
إن مأساة هذا «العصبان الاجتماعي» الذي نعيشه، تكمن في أننا ننشغل بتنميق «الغلاف» الخارجي ليرضي عيون الجيران، بينما نهمل تماماً جودة «الحشو» وصلاحيته؛ فنحشو أيامنا بصخب المناسبات الفارغة لنداري صمت الإنجاز، ونحشو ألسنتنا بالمديح الزائف لنخفي مرارة الواقع. نحن مجتمعٌ يخشى «الخفة»، فيثقل كاهل حاضره بأثقال الماضي، ويحشو فراغات وعيه بأي شيء.. بـ «قالوا» و«سمعتُ»، فقط لكيلا يواجه الحقيقة العارية التي تقول إننا غارقون في «طنجرة» الانتظار، بينما النار تحتنا تشتد، والخيوط التي نراهن عليها بدأت تتآكل.
سقراط: أخبرني يا ليبوس، بينما كنتُ أحاول عبور هذا الطريق الذي تسمونه المقطرن، رأيتُ مشهداً يثير الحيرة؛ رجالاً يركبون عرباتٍ معدنية تلمع كأنها الذهب، يزأرون بمحركاتها وكأنهم في ساحة حرب، لكنهم يتجمدون فجأة أمام عمودٍ ذي أضواء ملونة. قل لي، هل يحترم الليبيون الألوان لأنهم فنانون استهوتهم صبغة الجمال، أم لأنهم يخشون سوط رجل القانون المتربص خلف الزاوية؟
ليبوس: يا سقراط، أنت فيلسوفٌ غريب تنظر للقشور دائماً! نحن شعبٌ يمشي بالنية، والنية عندنا تسبق القانون. هذه الإشارة الضوئية ليست قرآناً منزلاً، بل هي مجرد اقتراح لتنظيم الوقت، والوقت عندنا ملكٌ للخالق وليس للمواعيد الجامدة. نحن لا نسابق الزمن كما يفعل الأغيار، نحن ننتظر الفرج ونحن جلوس في سياراتنا المكيفة، نستمع للأغاني ونراقب المارة.. أليست هذه هي قمة الطمأنينة؟
سقراط «يضحك بتهكم ويضرب عصاه على الأرض»: النية؟ يالك من بارع في تحويل الفوضى إلى فضيلة! النية يا ليبوس لا تُصلح طريقاً متهالكاً، ولا تمنع حادثاً مروعاً يحطم تلك القوالب المعدنية التي تفاخرون بها. إنكم تعبدون الحديد وتدفعون فيه الغالي والنفيس، بينما تتركون العقل مركوناً على الرصيف كقطعة خردة لا نفع منها.
أخبرني، بينما تتعطل هذه العربات في زحامكم الخانق، أرى الواحد منكم يخرج رأسه ليسب الآخرين ويناشدهم النظام، وهو أول من حاول القفز فوق الرصيف ليتجاوز الطابور! إذا كان كل واحد منكم يرى نفسه ملك الطريق لأن عائلته فلان أو قبيلته علان، أو لأن واسطته تحميه من القيد، فمن بقي في هذه الأرض ليكون مواطناً؟
ليبوس: القانون للضعفاء يا سقراط، أما نحن فمحكومون بـ العُرف والشهامة. إذا وقع حادث، حللناه بكلمة طيبة وذبيحة، فلماذا ننتظر إشارة صماء لتخبرنا متى نمشي؟ نحن أحرار في حركتنا.
سقراط: أحرار؟ يالك من واهم! تظنون أنكم أحرار لأنكم تكسرون الإشارة الحمراء وتتمردون على الخطوط البيضاء، بينما أنتم في الحقيقة عبيدٌ لـ عجلة طائشة لا تدرون إلى أين تحملكم. إن الحرية التي لا يحميها قانون هي غابة يغرس فيها القوي مخالبه في جسد الضعيف.
أرى مدنكم تزدحم بالمباني الشاهقة والسيارات الحديثة، لكن شوارعها تخلو من أدب المرور. أنتم تبنون القشور وتفتخرون بـ المعدن، لكنكم تخشون مواجهة الحقيقة البسيطة: أن الإنسان الذي لا يحترم حق أخيه في عبور الطريق، لا يمكنه أبداً أن يبني وطناً يتسع للجميع. هل الفضيلة عندكم هي الوصول أولاً ولو على جثث النظام، أم هي الوصول بكرامة مواطن يحترم حدوده؟
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات