(لسوف أبقى شامخاً أرنو لأحداث الزمان
لسوف أبقى يا زمان..
منارة تهدي الحيارى للطريق)
عبد السلام قادربوه
نشأت الجامعة الليبية في الخامس عشر من ديسمبر 1955 بكلية الآداب والتربية في بنغازي، ثم وصلت إلى العام 1969 وقاربت عامها الرابع عشر من بداية التكوين. نسائم الخريف واستواء عراجين النخل حملت معها في مطلع شهر سبتمبر من ذلك العام نذر التغيير الشامل الذي سيطال البلاد برمتها. سلطة جديدة تولت الأمور. وسيطرت على الأوضاع.
وكان لا بد من أن يتبع ذلك في العموم رفع شعارات وطرح برامج تختلف عن فترة مضت. وصار من الضروري عند تلك السلطة تأجيج (الثورة) في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية. تحولات تداعت عن هذا التغيير العاصف. حرك الساكن ونجح في الوصول إلى السلطة دون إراقة دماء أو مواجهات تذكر في الغالب.
كان من الطبيعي أن ينعكس هذا التغيير أيضا على أشياء كثيرة. حافظ في السنوات الخمس الأولى إلى العام 1974 على المستويات السابقة من التطور والنهوض الذي رأته البلاد. حرص على تكملة مشاريع خطط التنمية الموجودة. لم يأت بجديد. استمر في تحقيق طموحات الخطة وأحلام المواطن الليبي بإنجازها على أرض الواقع فيما اتجه بخطابه العالي كل يوم متأثرا بصدى المعارك القومية القديمة وضرورة تحطيم الحدود وتحقيق الوحدة العربية.. وتحرير فلسطين!
نتج عن ذلك تأثير واضح في عقول أجيال فتحت بصرها على التغيير والثورة. رأت في ذلك انتصارا لتطلعاتها غير أن هذه التأثيرات والحرص على مراعاة تنفيذ الخطة المذكورة التي بدت كما لو أنها بفعل التغيير الجديد عند تلك الأجيال، إضافة الى حساسية موقع البلاد في قلب المنطقة وتدفق النفط وتصديره دون توقف منذ الأيام الأولى لم يواز كثيرا مع مضي الوقت الحماس والاندفاع الذي أظهرته (الجماهير) وهتفت دون أن تبح حناجرها بالقضاء على مخلفات (العهد البائد) كما تردد وسط تلك الصيحات والشعارات.
بمرور المزيد من الأيام ظلت السلطة الجديدة الممثلة في (صغار الضباط الأحرار) ومجموعات المسؤولين من المدنيين الذين انضموا إلى صفوف التغيير.. ظلت تتجه إلى المضي السريع لإنجاز العديد من التطورات بقوة (الثورة) وعزيمتها كما بات يقال. أشارت السلطة في خطابها المتواصل إلى أنها لا تتردد في طريقها ولا تخشى أحدا يعترضها. اعتقلت مسؤولي العهد الملكي دون استثناء أصحاب تلك الخطة التي وجدت جاهزة.
مثل أغلبهم أمام محكمة الشعب. أدينوا وسجنوا. وثمة اعتراضات ورفض ومحاولات للتغيير.. للجديد أيضا لكنها أخفقت وضربت وأضحى رجالها ومدبروها في المعتقلات وكثير وجد طريقه للعيش في الخارج. وعموما فإن الشعب في جل أفراده خاصة من الشباب قابل تلك الثورة بالترحيب والتأييد. وبالمقارنة التي اقتنعوا بها رأوا في الثورة فلسفة جديدة وشيئا مختلفا وأن التغيير من نواميس الحياة.
ومع هذا الذي حدث في الشهر التاسع من العام 1969 كان أيضا من المتعين أن يصحبه النظر في مؤسسات الدولة ومرافقها بكل أشكالها التي تأسست منذ إعلان الاستقلال العام 1951. ومن بينها بالطبع (الجامعة الليبية). وليدة ذلك الاستقلال والتي كان مقرها قصرا للملك ويحتوي شرفته المشهورة التي أعلن منها ذلك الاستقلال. الجامعة في منظور جيل سابق ظلت تعيش في وجدانه بقصر المنار والاستقلال.
كان بعض من أسهم في التغيير ينتسب بالدراسة لبعض كلياتها وفي مقدمتهم قائد التغيير الذي صار عقيدا وهو الملازم معمر القذافي. بعض الطلبة انقطع لاحقا عن مواصلة الدراسة وأغرته برامج الثورة الجديدة فاتجه صوب دروب الكلية العسكرية. وهنا ظلت تداعيات التغيير في الجامعة على وجه الخصوص تلوح جلية وواضحة في نفوس طلابها أو الأفواج القادمة من المرحلة الثانوية. هنا كان المزيد من تأثير الأفكار القومية ونداءات القضاء على النكسة التي وقعت في يونيو 1967 ومحو آثار عدوانها وأن لا صوت يعلو فوق صوت المعركة.
تواصل التطلع اللاهب إلى نقل ليبيا.. صندوق الرمال.. الدولة الملكية الرجعية في مفاهيم الكثيرين إلى الصفوف الأولى التي تصطف في طابور التحرر و(التقدمية). وبانعكاس تلك الانعطافات والتأثيرات وانتشار الوعي في الجانب المقابل الذي افترق مع التغيير داخل الجامعة وخارجها غدت العلاقة بين الجامعة والسلطة تترنح وتتعثر. الطرق احتوت المزيد من الألغام المفاجئة.
شرعت السلطة الجديدة بهذا المنظور في محاكاة تجارب مماثلة وقريبة في الجوار العربي. تجارب امتدت أياديها الى جامعاتها التي وازنت بين حرية البحث والعمل العلمي واستقلالية الأداء والنهوض بالرسالة المتوخاة لتحقيق أهداف صنع المستقبل. الجامعات التي تؤمن بأن قادة المستقبل ينطلقون من مدرجاتها وقاعاتها. كان الواقع يقود إلى تجارب اصطدمت فيها تلك الجامعات العريقة بالسلطة خاصة ذات الشكل العسكري في مصر وسورية والعراق والسودان.
أضحت الشكوك والظنون تتسرب لدى السلطة الليبية الجديدة أو لعلها كانت راسخة في الأصل منذ ما قبل التغيير لديها. ظل السائد أن الجامعة تبقى مكمن خطر ومنجما مهيئا للانفجار. مكان فيه بشر.. وفكر.. واتجاهات.. ومناهج.. طلبة وأساتذة وبحوث ودراسات. عقول بكر في المدرجات تتلقى الجديد وتسعى للنهضة والانطلاق وتكسر الجمود والمعوقات. إذن بهذه العناصر والأسباب والتفاعل الكيميائي بينها.. تجد السلطة فرصة مواتية للدخول بطريقتها الخاصة إلى العقول.. إلى الجامعة.
الشرارات الأولى لهذه الفرص تمثلت في تعطيل مداومة بناء واستكمال مشروع بناء المدينة الجامعية عند الأطراف الغربية لبنغازي. اختصار العديد من المرافق خلالها: بعض الكليات. مطبعة الجامعة. سكن الأساتذة والعاملين. قاعات العرض المسرحي والسينمائي.. مركز الأحياء البحرية وغيرها. وتعدى هذا الأمر إلى مسافات بعيدة بضم أراض للجامعة لبعض معسكرات الجيش. استدعي رئيس الجامعة للتحقيق والمساءلة عن ظروف بناء المدينة الجامعية. كان قد عاد من رحلة في أوروبا وأميركا تعاقد فيها مع أساتذة جدد للتدريس في الجامعة وترتيب اتفاقات تتعلق بالدراسات العليا ومقاربة المناهج والزيارات العلمية. وبهذا أصبح المشروع العلمي المنتظر محل شكوك واتهامات في مجمله. التعطيل سيؤثر في الإنجاز. بالفعل توقف لأشهر ثم تواصل بعد الحذف والاختصار!!
ثم أعيد النظر في وجود بعض الأساتذة العرب. روجعت اتفاقات العقود. أنهي عمل بعضهم وغادر. حددت الإقامة لعميد كلية الاقتصاد والتجارة داخل بيته ولرئيس الجامعة أيضا ثم اعتقل. كان أعد منشورا مع مجموعة من زملائه رفضا للتغيير ومطالبة بالعودة إلى الثكنات وإعادة الحياة إلى الدستور. وظلت الجامعة انطلاقا من هذا التحسس أو النظرة المتوجسة المسبقة تحت الأعين والرصد والمراقبة.
(قائد التغيير) كان يعرف مكانة الجامعة وتاريخها وما يحمله معناها الوطني والعلمي من أفكار وإرهاصات. بدأ جولاته خلالها. اقترب من طلبتها وأساتذتها بالنقاشات والحوارات منذ الأشهر الأولى لقدومه للسلطة في كليات بنغازي وطرابلس. في أغلبها كانت مفعمة بالعديد من التصادم وكان التصنيف جاهزا لمن يتحدث أو يحاور في معظم الأوقات. زادت هنا أزمات الثقة بين الطرفين.. السلطة والجامعة.
وبهذا كله باتت الجامعة في قلب الصراع وأجوائه. صراع تنافر في الأفكار والرؤى. صراع يحمل في طياته المزيد من الهواجس والشكوك. والحاصل لهذا يقودنا إلى أن مصير الجامعة بهذا الشكل جعلها في نقطة الصراع تماما وليست خارجه أو بعيدة عنه. هي في نظر السلطة الجديدة ظلت مكانا لتفريخ الحزبيين وحملة الفكر المضاد الذين يناصبون التغيير العداء. ومع هذا التلازم والمواجهة حدث الكثير من أوجه التصنيف والملاحقة. طريق قاد بسهولة إلى العام 1973. اللهيب فوق الجامعة!
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات