رفض الخليفة الثاني عمر بن الخطاب إنشاء أول أسطول بحري للمسلمين، وقال «والله لا أحمل على البحر مسلما أبدا»، وواعتمد على وصف عمرو بن العاص أن من يركب البحر «دود فوق عود»، وحتى عندما استأذنه سعد بن أبي وقاص في بناء مدينة الكوفة، أمره باختيار مكان بعيد عن مياه النهر، وأن يبقى الجنود في الخيام وليس في البنيان، كما أوصى عمرو بن العاص لبناء الفسطاط بأن «لا تجعلوا بيني وبينكم ماء»، أي لا تبنِ المدينة الجديدة غرب النيل بل شرقه، بينما كان ابن العاص يرغب في جعل الإسكندرية عاصمة لولايته، فإذا كان عمر يخشى من ماء النهر فكيف لا يخشى من ماء البحر؟
ليس الجهل بالبحر هو سبب خشية عمر فحسب؛ وإنما أيضا خوفه من اختلاط جنوده بسكان السواحل، فيفقدون خصالهم البدوية الضرورية لخوض المعارك، وإن تذرع بأن السكن قرب الماء يضر بصحة الجنود بسبب الرطوبة، وهم القادمون من أكثر الصحاري جفافا، وحتى في مصر القديمة التي تطل على بحرين، لم تكن هناك علاقة حميمة بالبحر، ففي كل التاريخ المصري الذي يمتد أربعة آلاف سنة، لا نجد إلا رحلة الملكة حتشبسوت البحرية إلى بلاد بونت «الصومال حاليا»، وقصص أسطورية عن «الملاح التائه» وهي قصص تحذر من ركوب البحر، ومع مجيء الإسكندر المقدوني وبناء مدينة الإسكندرية بدأت علاقة المصريين بالبحر، وهو ما ينطبق أيضا على كل حضارات بلاد ما بين النهرين، فرحلة النبي نوح كما وردت في الكتب المقدسة، أو كما وردت في ملاحم السومريين باسم الحكيم «زيوسودرا»، أو في ملحمة جلجامش البابلية باسم اوتنابيشتيم، ففي كل هذه الروايات ينطلق على مركبه من البر ليرسو بعد الطوفان على البر، ولم يصل أبدا إلى البحر.
هذا ما حدث بالضبط للسندباد البحري ورحلاته السبع، ففي كل هذه الرحلات يرسو كل مرة في جزيرة مجهولة ليس لها اسم، مثل جزيرة الرخ، وجزيرة العفريت الأسود، وجزيرة القرود، وجزيرة تدفن الزوج مع زوجته وهو حي، وجزيرة الشيخ الذي يحمله السندباد على كتفيه، والجزيرة الوحيدة المعروفة هي جزيرة سرنديب وهو الاسم القديم لجزيرة سيرلانكا، مما يؤكد أن شخصية السندباد هي شخصية اخترعها حكواتي في بغداد، أو ربما اخترعها الحلبي الماروني حنا دياب، الذي ساعد المستشرق الفرنسي أنطوان غالان في ترجمة الحكايات، فحكايات السندباد البحري غير موجودة في النسخة العربية، وظهرت لأول مرة في ترجمة غلان الفرنسية.
كل المنطقة الممتدة من وسط آسيا إلى سواحل الأطلسي لا علاقة لها بالبحر، باستثناء الساحل العماني والحضارمة في اليمن، بالإضافة إلى الساحل السوري والبحارة الفينيقيين. العمانيون سبقوا الأوروبيين في معرفة الممرات البحرية إلى جزر جنوب شرق آسيا، واشتهر منهم البحار أحمد بن ماجد، الذي ترك كتابات وصلنا القليل منها، فمعظم البحارة العمانيين كانوا أميين، وابن ماجد كان يجيد استخدام الاسطرلاب واستخدام البوصلة، التي عرفها البحارة البرتغاليون وعلى رأسهم فاسكو دجاما من ابن ماجد، كما اخترع وردة الرياح وهو اختراع يساعد في معرفة الرياح واتجاهاتها، ففي ذلك الوقت كان الإبحار يعتمد على قوة الرياح التي تدفع الأشرعة، وأي خطأ في معرفة اتجاه الريح سيؤدي بالسفينة إلى الإبحار في الاتجاه الخطأ، ولذلك توسعت عمان حتى سيطرت على الساحل الشرقي لأفريقيا، وحتى القرن التاسع عشر كانت تسيطر على جزيرة زنجبار في تنزانيا حاليا، بينما انتشر تجار البحر الحضارمة في جنوب شرق آسيا، واليوم سلطان بروناي من أصول حضرمية، وكذلك باني ماليزيا الحديثة مهاتير محمد من أصول حضرمية، ورئيسة وزراء سنغافورة حليمة يعقوب حضرمية، بينما انتشر البحارة الفينيقيون على طول الساحل الشمالي والجنوبي للبحر المتوسط، وأسسوا قرطاج في تونس التي كانت ندا قويا لروما.
ومع ذلك لم يكن للعرب إله مخصص للبحر قبل الإسلام، والإله الوحيد هو «يام» الذي كان يقدسه الكنعانيون والفينيقيون على الساحل الشرقي للمتوسط، بينما كان إله البحر عند الإغريق يدعى بوسيدون وعند الرومان يسمى نبتون، وعند قبائل الفايكنغ البدوية يدعى نيورد، وهذا يفسر سرعة تحول الفايكنغ من قبائل بدوية إلى الحضارة بسرعة، فقد اعتمدوا على التجارة البحرية، وثمة روايات تفيد بأنهم اكتشفوا أميركا قبل كولمبس، بينما ظلت القبائل العربية قبائل بدوية لأنها فضلت تجارة القوافل على التجارة البحرية، واكتفى عقبة بن نافع بخوض مياه المحيط الأطلسي حتى منتصف جسده، ليقول «اللهم إني أشهدك أني قد بلغت المجهود، ولولا هذا البحر لمضيت في البلاد أقاتل من كفر بك حتى لا يعبد أحد دونك».
في الحقيقة ورغم هذا المشهد المسرحي لعقبة، فعدد الذين دخلوا إلى الإسلام في آسيا وأفريقيا عن طريق التجار، يزيد بعدة أضعاف عن الذين دخلوا إلى الإسلام عن طريق السيف، ودفعوا الجزية وهم صاغرون، وهو ما يؤكد أن للإسلام نسختين. نسخة بدوية صحراوية تعتمد القوة والإكراه، ونسخة بحرية تجارية تعتمد على المسالمة والمعاملات الجيدة والقدوة الحسنة، واليوم فإن عدد المسلمين الذين لا يجيدون العربية ثلاثة أضعاف المسلمين الذين يتحدثون العربية.
احتلت البرتغال عندما كان عدد سكانها مليون نسمة، البرازيل وأنغولا وموزمبيق وغينيا بيساو وجزر الرأس الأخضر، وولاية غويا في الهند وجزيرة مكاو في الصين، وعندما كان عدد سكان هولندا مليونا ونصف المليون، سيطرت على 17 ألف جزيرة في إندونيسيا وأجزاء من ماليزيا، وسورينام وعدة جزر في البحر الكاريبي، وبنت حي هارلم في مدينة نيو أمستردام التي أصبح اسمها تحت سيطرة الإنجليز نيو يورك.
من المفارقات العجيبة أنه في السنة التي طرد فيها العرب من الأندلس العام 1492، اكتشف الأسبان عن طريق البحار الإيطالي كريستوفر كولومبوس العالم الجديد، وكان الاكتشاف عن طريق الخطأ، فكولومبوس كان ينوي الإبحار إلى الهند، وهو ما يؤكد أن البحارة العمانيين كانوا أكثر معرفة بالبحر من البحارة الأوروبيين، ولكن كانت وجهتهم دائما باتجاه جنوب شرق آسيا أو الساحل الشرقي لأفريقيا.
على الرغم من السبق للبرتغاليين والأسبان والإيطاليين في الكشوفات الجغرافية، إلا أن الهولنديين سيطروا على القرن السابع عشر دون منازع، ثم سيطر الإنجليز على القرون اللاحقة، بينما تراجع الأسبان والبرتغاليون، لأن الهولنديين والإنجليز عدلوا من طريقة تدينهم، فجعلوا العمل هو أساس كل شيء، وتحرروا من الخطيئة، ودور الكاهن كوسيط بينهم وبين الله، بينما أصر الأسبان والبرتغاليون على الاستسلام الكامل للكهنة، فوصلت الشعوب الشمالية للديمقراطية والدولة القومية وحقوق المواطنة، وتحررت إسبانيا سنة 1975 بموت الجنرال فرانكو، والثانية بانقلاب عسكري على الجنرال استادو نوفو العام 1974 الانقلاب المعروف باسم ثورة القرنفل، بينما فشلت جميع انتفاضات الربيع العربي لأن العرب ما زالوا يخشون من البحر، مثلما كان يخشاه خليفتهم الثاني، وربما عمق الشخصية الأسطورية السندباد من هذه المخاوف، عندما يدفن مع زوجته وهو حي في إحدى الجزر الأسطورية، خاصة وأنه دائما الناجي الوحيد من كل رفاق رحلته، وهكذا تحول إلى لعنة أكثر من كونه بشارة لخوض البحار بالعلم والتكنولوجيا، وليس فقط بحرارة الإيمان والحماس كما فعل عقبة بن نافع، عندما خاض في بحر الظلمات كما أطلق عليه العرب، وهو اسم يعكس خوفهم ورعبهم من هذا البحر، وحتى العام 1154 ظل المسلمون يعرفون العالم كما رسم خارطته الجغرافي المغربي الإدريسي، حتى فاجأهم الأوروبيون من هذا البحر، ولم يجد التراث الذي تركه ابن ماجد، فقد تمكن البرتغاليون من احتلال أجزاء كبيرة من عمان.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات